إشكالية بناء الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا والشرق الأوسط بين الفكر الأبوي و حتمية التدخل الأجنبي تقييم و استشراف لعملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في قارة إفريقيا و منطقة الشرق الأوسط

مفدمة

 ظل حلم بناء الدولة الوطنية الحديثة يراود شعوب إفريقيا و منطقة الشرق الأوسط منذ ظهور الحركات التحررية ذلك أن هذه الشعوب   كانت  تئن  تحت وطأة الحركات الاستعمارية مباشرة او تحت نظام الحياة المزعوم و عليه كان لازما على الشعوب التحرر من قيود الاستعمار و السير قدوما في بناء الدولة الوطنية الحديثة .

فماهي الدولة الوطنية  الحديثة ؟ وماهي العوائق و الإشكالات التي حالت دون تجسيد فكرة الدولة الوطنية في إفريقيا و الشرق الأوسط ؟

وإذ تعد هذه الدراسة بالغة الأهمية بمكان باعتبارها دراسة استشراف وتقييم لعملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في قارة إفريقيا و الشرق الأوسط  ذلك أنها محاولة لاستقراء الماضي و الوقوف على أهم الأخطاء و الإخفاقات التي ترسبت في مرحلة معينة من مراحل محاولات بناء الدولة الوطنية الحديثة بتشخيص تلك الإخفاقات و الأخطاء وتباين مكمنها من اجل وصف الدواء و الحل العقلاني الموضوعي للإشكاليات التي وجهتها عملية البناء و العمل على تجنبها في مستقبل الأيام  ومن ثم إعطاء الأجيال القادمة أرضية تمكن من إحداث تغيير حقيقي و منهج إصلاح يمكنها من تجسيد فكرة الدولة الوطنية الحديثة  بعيدا عن   الشعارات و الحماسة .

و للإحاطة بماهية و مفهوم الدولة الوطنية الحديثة  من جميع المناحي و الجوانب لابد علينا من  صياغة المصطلح في أسئلة الماهية كما يلي :

أي دولة ؟ من أين أتت ؟ إلى أين تسير ؟ (1)

إن الإجابة لابد لها من تتجرد من منطق القبيلة و الاستبداد إذ لاشيء يمنع الدولة من هويتها الوطنية غير النزعة الطغاينية ووحدانية التسلط حسب لغة ابن خلدون .

وعليه فان الدولة الوطنية هاهنا إنما هي نظام سياسي ارتضته جماعة معينة في إطار  التعدد الطائفي بعيدا عن العصبية أو حامية معينة و كل أشكال التسلط والانفراد بالسلطة بحيث يقوم على التشاركية في الحكم بين جميع أفراد هذه الجماعة و الفئة المعينة بذاتها و المتميزة عن غيرها من الجماعات و الفئات و تقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية تحت طائلة مبدأ الحق و الواجب بشكل متلازم و متكامل بينهما بهدف إرساء معالم وقيم التسامح و الحوار و تحقيق مبادئ التكافل الاجتماعي في جميع الأصعدة مع ضمان الرفاهية الاقتصادية و الاجتماعية الثقافية الفكرية في كنف الأمن من اجل تحقيق التقدم المنشود الذي تخطط له النخبة داخل المجتمع و الدولة لبلوغ مرام بناء دولة وطنية حديثة .

إن قيام دولة وطنية بهذا طرح إنما يؤسس لبناء مؤسسات دستورية سمتها الشرعية و الدوام  و القدرة على تمثيل الشعب و التعالي عن فكرة الانسنة للنظام السياسي  بمنعي ربط مصير الدولة وقيامها بشخص أو عدة أشخاص حتى لا نقع في فخ الدكتاتورية و توريث الحكم و خلق تصادم بين الأجيال و معارضة تفكيكية انهدامية لفكرة الدولة الوطنية الحديثة .

على اعتبار إن الدولة هي ضرورة لابد منها لتنظيم حياة البشر داخل المجتمع الواحد متميز عن غيره من المجتمعات الأخرى . هذا الطرح يؤدي بنا إلى صياغة إشكالية جديدة تأتي من خلال عرض و طرح الأفكار  مفادها ماهية الفكرة الجوهرية التي تبنى عليها الدولة الوطنية الحديثة .

إن بناء دولة وطنية حديثة في اعتقادنا إنما تبنى بمنأى عن التمييز بين المواطنين سوءا تمييز ديني أو عرقي أو جنس وتتعدى إلى عدم التمييز في هيكلة وبناء الدولة إلى المستوى الثقافي و الاجتماعي وغيرها من مناحي الحياة السياسية و الاقتصادية   بعبارة أخرى أن هذه الدولة هي من وضع مواطنيها وهم لها جميع و هذا جوهرها والهدف منها .

بخلاف فكرة من الشعب و إلى الشعب غير صحيحة إذ هناك شعب بلا دولة فكلمة مواطنة هي اشمل في نظرنا. وعليه تكون الدولة هاهنا قد قضت على عديد الظواهر التي عاشتها مجتمعات الدول في قرون مضت مثل الحكم الشمولي و التفرد بالسلطة و الانسنة البراغماتية المصلحية التي تنخر مفاصل الدولة   وتخر قواها و يكون مصيرها السقوط .

       -1/ عزيز الحدادي – معنى الدولة الوطنية الحديثة – صحيفة القدس العربي – 05فبراير 2020

في متن دراستنا علينا إبراز دور الفكر الإسلامي في التأصيل لفكرة الدولة  باعتباره القائل بالأصل الديني للدولة  كإطار سياسي جامع لمكونات ثلاث وهي الأرض – الشعب – السلطة بخلاف مانظر له الفكر المادي و ألمصلحي المتمثل  في نظريات العقد الاجتماعي و التطور التاريخي و نظرية القوة و الغلبة و غيرها من نظريات التفسيرية الغربية التي كرست لفكرة الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. بالتالي  تعميق الهوة  وحصر فكرة الدولة الوطنية الحديثة في زاوية المصلحة و الغاية وتبرير وجود الدولة في الأسباب التي ذكرنها أنفا.

1/ مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي :-

إن الفكر الإسلامي  يربط بين النبوة المحمدية في مرحلتها المدنية و بين ماسسة  الدولة . غير أن لفظ الدولة هو مصطلح مستجد لم يستخدمه القرءان الكريم بالصيغة الحالية ولم يستعمله الرسول صلى الله عليه وسلم  كما لانجد له أثرا في الفقه الإسلامي أو مفهوما بمعناه المعاصر في تراثنا الفقهي حيث دأب الفقهاء على الإشارة إليه والدورات حوله باستخدام مصطلحات قرآنية على غرار  ملك حكم وتمكين .(1)

إن القول بهذا الطرح يعد إجحافا في حق الفكر والفقه الإسلامي و مساهمته في التنظير   لحياة البشر داخل الأطر و النظم العقلانية الواقعية بعيدا عن المثالية ومنعزلة عن التفرد في الحكم.

حقيقة عدم التعرض للتفاصيل و مفهوم الدولة في الإسلام إنما  نتيجة حتمية مردها العنصر البشري الذي يعد محورا مهم في بناء الدولة سوءا حاكما أو محكوما   ذلك إن الإسلام أنما جاء ليضع  المبادئ و القيم الأخلاقية و إصلاح النفوس البشرية  و من ثم  بسط أرضية و إيجاد جو ملائم لتحقيق بناء دولة وطنية تبتعد عن فكرة الانسنة. وترك للإفراد حرية في اختيار الشكل أو نمط السياسي الذي ابتغوه  لحياتهم في إطار مبادئ الشورى التي تعد من أهم قواعد الحكم   فعن كيفيتها وأهل الشورى وشكلها لن نجد تفاصيل بهذا و كذلك العدل لم يذكر كيف يطبق و إنما نجد مؤشرات لابد من توفرها لتحقيق قيمة العدل باعتباره أساس الملك وبناء الدولة .

2/ أهمية الإنسان لدى الفكر الإسلامي في بناء الدولة :

اخذ الإسلام على عاتقه بناء الإنسان باعتباره ركن مهم من أركان عملية بناء الدولة باعتباره مواطنا حاكم أو محكوم ضمن إطار مبادئ الحقوق و الواجبات و الوفاء بالعقود و العهود.

إذ الاهتمام ببناء الفرد من ناحية القيم الأخلاقية وتربيته تربية مثالية  تجعل منه قادر على تحمل المسؤولية و الأمانة المتمثلة في بناء دولة هذه الأمانة التي أبت إن تحملها السموات و الأرض و الجبال  قال تعالى :-  إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]

و يجعل من الإنسان محور مهم في الدولة من خلال تهيئته و تزكيته بمكارم الأخلاق باعتباره قائدا للنخب و مصلحا لاعوجاجها وبهذا يحول دون الأعراض المستجدة   التي قد تصيب الدولة طيلة حياتها و تقوض جهد إصلاح النفس وتحقيق بناء الدولة الوطنية.

لقد استطاع المسلمين بناء دولة ذات امتداد جغرافي كبير لم تكن بحاجة إلى حدود مرسومة أو جوازات سفر مختومة و لا جنسيات معلومة مناطها التقوى و الوفاء بالعقود و العهود تحت مبادئ الحقوق و الواجبات . بالتالي يمكن ان تكون هذه العوامل التي هيئها السلام و تجعل من الانسان محور مهم فيه ان تكون باعث حقيقي لدولة الوطنية الحديثة .

فقد أعطى القرءان الكريم كثير الأمثلة في بناء الدولة الوطنية على جوانب عدة ورد ذكرها في سور عدة فالجانب الأخلاقي و الاقتصادي   سنه سيدنا يوسف عليه السلام بحق يعد نموذج واقعيا تقوم عليه الدولة متجسد في العامل الاقتصادي و الأخلاقي .

بالنسبة للعامل الاقتصادي أعطى سيدنا يوسف عليه السلام نموذج الأمانة والخبرة في تسيير شؤون الرعية في السراء و الضراء و ضمان صيرورة و دوام الخدمة العمومية بقيام مؤسسات الدولة بوظائفها في كامل الظروف و تثمين دور الأخلاق مع الخبرة في إدارة الشؤون العامة  باعتباره ثمين في عملية بناء الدولة ولا يتأتى ذلك إلا بحفظ الأخلاق و صونها .

       -2/ صابر النفزاوي – الإسلاميون و إشكالية الدولة الحديثة – مركز الجزيرة 26جانفي202

  ماهية الاستخفاف باعتباره عائق أمام قيام الدولة الوطنية الحديثة

وعلى النقيض من ذلك يقف خطاب الاستخفاف بالأمور معول هدم ينخر مفاصل عملية بناء الدولة و تجسد ذلك في الطاغية فرعون قال تعالى  (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) الاية 54 سورة الزخرف

و قد نجد للاستخفاف مثلا كالأنظمة الديكتاتورية حيث  خطر الديكتاتورية و الاستخفاف من اخطر معوقات و الإشكاليات التي تعيق بناء الدولة الوطنية الحديثة  في جميع الأصعدة فكان الطاغوت فرعون مثلا ضربه الله للناس من اجل اخذ العبرة. و يمكن القول بلغة عصرنا بنا فرعون استخف بالرعية بعقولهم بتمثيل منه و زبانيته و تركيز للمعلومة في يده ودواليب حكمه و جعلها الكلمة العليا و إن لم تكن كذلك كي يعيش الرعية في نمط واحد من المعلومة و تأثير على عقولهم بواسطة بشر أبانوا إلى تلك المهمة و يتبعونه مهما قال من من باطل و هذا راجع إلى كونهم أناس سذج جهالة  فكان من السهل السيطرة على عقولهم .

الاستخفاف إنما ينطوي على غياب النظرة الاستشرافية للواقع التي تمكن من وضع اليات تمكن من التخطيط للمستقبل بعقلانية

يقول السيد قطب :- في ظلاله فهم يعزلون الجماهير أولا عن سبل المعرفة و يحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها ولا يعودوا يبحثون عنها ويلقون في روعهم مايشاؤون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك ويلين قيادهم فيذهبون بهم ذات اليمين و ذات الشمال …..

انه كلما استجد الجهل في أوساط الرعية  استخف بهم الحاكم و ساهموا معه في تأسيس انسنة الدولة إي دكتاتورية التي تعيق بناء الدولة الوطنية وتكون مهب التدخل الأجنبي بحجة حماية حقوق الإنسان و حرية التعبير . و يلعب الإعلام هاهنا دورا في التنوير الجماهير ونشر المعلومة و صناعة رأي عام وطني بعيد عن خطاب الاستخفاف.

هذا الاستخفاف الذي يسلط على الرعية داخل الدولة يؤدي إلى ظهور الإرهاب وعدم ممارسة الحريات ضمن نطاق الحقوق و الواجبات وهذا ينافي  الفطرة البشرية التي جبلت عليها .

مما سبق تبيانه ينجلي سبب عدم ظهور مصطلح الدولة الوطنية الحديثة في الفكر و الفقه الإسلامي بشكل مفصل إنما يرجع إلى اهتمام الإسلام وفقه بإعداد الأرضية الملائمة لبناء الدولة الوطنية  وتحضير النخب حتى يمكن لها أداء دورها بشكل طبيعي موضوعي و تتولى زمام المبادرة و تكون بمعزل عن طوفان الطغيان و الانسنة. ذلك إن الإنسان إنما هو محور ركين في عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة.

إن ماهية الدولة في الفكر الغربي إنما تقوم على مبادئ هشة لا تتماشى و ديمومة الدولة الوطنية الحديثة ولا تحفظ حقوق المواطنة بمفهومها الواسع إذ تأسس لفكرة الدولة البراغماتية إي الدولة القائمة على المصلحة وبالتالي زوالها حتمي ذلك أن المصلحة أنية قد تنقرض في إي  زمن و بالتالي تعجل بسقوط الدولة و ظهور فكرة الانتقام و يصبح الإنسان ذئب لأخيه الإنسان .

وعلى نقيض هذا الطرح أو التفسير الغربي لفكرة الدولة نجد بان الفكر الإسلامي و الشريعة الإسلامية إنما تؤسس  لفكرة الدولة باعتبارها ضرورة ملحة ودائمة قائمة على حفظ النسل والعقل و المال والدين في ظل مكونات الدولة و هي الشعب السلطة و الإقليم و تحقيق التكامل فيما بين هذه العناصر كاملة ولا تمييز بين مواطنيها لا وفقا للمعايير الفطرة البشرية و التفاوت الطبيعي .

بخلاف الفكر الغربي الذي يكرس الطبقية داخل المجتمع أو الدولة الواحدة بما يجلب التفكك الاجتماعي و غياب التضامن و التكافل و ظهور الحروب و انهيارا لدولة كنتيجة حتمية.

إن عدم وجود مشروع واقعي يجسد فكرة الدولة الوطنية الحديثة من منظور إسلامي يرجع اهتمام الفكر الإسلامي بتحضير الإنسان لتحمل عبء الدولة الوطنية الحديثة باعتباره حاكم و محكوم مكلف بأداء مهام لابد لها من وازع أخلاقي و ديني بالإضافة إلى عدم  وجود أرضية حقيقية بإمكانها احتضان  هذا المشروع مرده إلى الاتفاقيات الدولية  المجحفة في حق الشعوب الإفريقية منطقة الشرق الأوسط التي لطالما أجبرت على هذه الاتفاقيات   باعتبارها ذخيرة حرب بين القوى الكبرى المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية و روسيا و الصين و بريطانيا وفرنسا .

وإذ ينظر إلى شعوب إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط مصدرا للثروات و الموارد الأولية للمصانع الدول الكبرى خصوصا بعد الثروة الصناعية و سوقا للمنتجات و البضائع و هو ماادى إلى نمو النزعة الاستعمارية المادية التي أتت على الأخضر و اليابس و قضت على كل بادرة لدى هذه الشعوب في محاولة منها لبناء دولة وطنية حديثة تستجيب لتطلعاتها و أمالها     .

قبلت بالقمع و مصادرة وجودها الثقافي و محاولة طمس هوية تلك الدولة الوطنية المنشودة.

مع تراجع مد النزعة الاستعمارية و ظهور الحركات التحررية في منطقة إفريقيا و الشرق الأوسط  برزت نخب وطنية قومية تنادي بضرورة استقلال تلك الشعوب التي تأن تحت وطأة الاستعمار .

و تمثل هذه النخب حسب اعتقادنا مشروع الدولة الوطنية الحديثة رغم التجاذبات التي كانت تعصف بها تارة و تحضنها تارة أخرى و تغويها بالاندماج و الانصهار في بوتقة الفكر الغربي و تبني مبادئ المدنية الغربية باعتبار الغرب حامل راية الحضارة و الديمقراطية و حرية التعبير وحقوق الإنسان وحرية المرأة.

مع كل هذا الطرح نظرت نخب شعوب إفريقيا و منطقة الشرق الأوسط إلى فكرة بناء الدولة الوطنية الحديثة بمعزل عن الفكر الغربي  باعتباره راعي النزعة الاستعمارية مستمدة قوتها من دعم المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقا و الصين بمناسبة دعمهم لحركات التحرر .

فقد ظهرت الثورات التحررية التي تمخض عنها استقلال عديد الدول وظهور نهضة فكرية إصلاحية أنتجت تعددية صورية متأثرة متأثرة بالتيار الماركسي  لم تعمر طويلا وسط الصراع المحتدم بين الرأسمالية و الشيوعية  تحت طائلة الحرب الباردة و عجلت بأفول فكرة بناء الدولة الوطنية الحديثة هذا السلوك أدى إلى انحصار مشروع الدولة الوطنية الحديثة بين ثنائية الصراع القطبي بين المعسكر الشرقي و الغربي  .

رغم استقلال تلك الدول لم تكن بمنء عن المفاهيم  الفكرية الغربية  التي رسخت ونظرت لفكرة الدولة الوطنية الحديثة بمبادئ  ديمقراطية غربية .

عليه فان مفهوم أو ماهية الدولة الوطنية الحديثة استجد بعد المرحلة الاستعمارية مباشرة و تنمر في مرحلة الاستقلال بمنطقة إفريقيا و الشرق الأوسط  باعتباره من المفاهيم السياسية الأوربية الوافدة بماهيتها الواسعة  القائمة على البراغماتية و التعددية الحزبية كما أسلفنا الذكر سابقا  حيث أسهم في حدوث تغيرات هيكلة المجتمعات و الدول الايقريقية و الشرق أوسطية و أصبحت هذه التغيرات طوق نجاة  للنخب السياسية و الفكرية والاجتماعية  في سعيها الدائم إلى تجسيد فكرة الدولة الوطنية الحديثة.

وإذ تعرف هذه التغيرات الجذرية التي طرأت على المنظومة المؤسساتية و الدستورية  داخل الدولة الواحدة بمفهوم ثورات العربية أو تجدد لفكرة نظريات العقد الاجتماعي باعتباره تحلل احد الأطراف و هو الحاكم  من التزاماته التعاقدية تجاه الرعية  محدثة دفعا بعدم التنفيذ المتمثل في الطاعة و الولاء إلى السلطة السياسية القائمة من لدن الرعية تجاه الحاكم وهو ما أدى إلى تصدع بنيان الدولة القائمة  و إعادة التفكير في بعث فكرة بناء دولة وطنية حديثة  بعيدة  عن الاختلال الذي  حصل و سبق ذكره و منها يظهر مساهمة فكرة الربيع العربي في ظهور فكرة الدولة الوطنية الحديثة  .

 ثورات الربيع العربي وقيام الدولة الوطنية الحديثة :-

وقد وجدت الجماهير ضالتها في هذا الربيع العربي الذي حسبته ماءا و إذ هو سراب   فكشفت هذه الجماهير عن أفكارها و تطلعاتها إلى الدولة الوطنية الحديثة .

فإلى إي مدى أدى الربيع العربي إلى تبلور فكرة بناء الدولة الوطنية الحديثة  وفقا لمعايير موضوعية و واقعية   ؟

ماهي التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا و الشرق الأوسط  ؟ هل تم إيجاد أرضية ميثاق يمكن من بناء دولة وطنية حديثة ؟

إن الإرادة السياسية  للنخبة في إفريقيا و منطقة الشرق الأوسط تجاه بناء الدولة الوطنية الحديثة مطلب ركين و متجذر في الفكر السياسي و الجماهيري  الذي يناشد التغيير و الاستقرار الأمني على الأصعدة الاقتصادية و الاجتماعية والفكرية ذلك

إن الإشكالية هي محط اهتمام بالغ باعتبارها من القضايا التي تعانيها دول إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط باعتبارها تئن تحت مشاكل جسام .

ولقد تمكنت شعوب إفريقيا و منطقة الشرق الأوسط   من إيجاد فرصة لإحداث تغيير جذري يمكن لها من تجسيد فكرة الدولة الحديثة  التي ظلت  تنشدها منذ انحصار الحركة الاستعمارية و ظهور فكرة التحرر الوطني إلا إن هذه الشعوب

الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا و الشرق الأوسط بين الواقع و المأمول :

لم تستغل الفرصة بما يساهم في تجسيد الحكم المنشود لعدة إشكاليات و معوقات حالت دون بناء دولة وطنية نجملها كما يلي:

بادي الرأي  نرى بان مفهوم الدولة في حد ذاته إشكالية تعوق قيام  مشروع دولة وطنية حديثة باعتبار هذا المفهوم هو صنيع المخابر الفكرية السياسية الغربية بمعنى انه يفتقد إلى مرجعية تراثية تراعي تركيبة المجتمعات في إفريقيا و منطقة الشرق الأوسط . و تلقفتها الشعوب في صورتها الملفقة عبر النزعة الاستعمارية التي تولدت منها الحركات التحررية حيث يقول حسن الترابي:- ( دفعنا بأبنائنا لكي يأتوا بالدولة فإذا بالدولة تبتلعهم) من هذا القول يتبين حداثة مصطلح الدولة وتعقيده بحيث إن النخب  انخرطت في دائرة مغلقة من المراجعات و النقد المستمر مما جعلهم يتخلون  عن مشاريعهم ليتكيفوا مع آليات الدولة المدنية العلمانية التي تتعارض مع مبادئ المجتمع في إفريقيا و الشرق الأوسط  .

من خلال القول الذي افرده حسن الترابي يتبين لنا استحالة تطبيق مفهوم الدولة بنزعة الغربية باعتباره يتعارض و مبادئ التي تحكم المجتمعات الإفريقية و العربية الإسلامية.

أولا:- إشكاليات قيام الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا :-

بالنسبة لإفريقيا لقد كانت التعددية الاثنية عائقا أمام قيام الدولة الوطنية الحديثة و يعد هذا المفهوم   معقد من حيث المضمون و الدلالة بالإضافة إلى تداخله  مع مصطلحات أخرى  منها الأقلية و القبيلة و يرجع الاهتمام بمفهوم التعددية الاثنية إلى اعتبارها ظاهرة  تاريخية تمثل أرضية للصراع و عدم الاستقرار في بعض الدول قد يصل إلى نشوب نزاع مسلح  .

وتعبر الاثنية عن هوية اجتماعية تتميز بممارسة ثقافية معينة و معتقدات متفردة و الاعتقاد بأصل و تاريخ مشترك  و شعور بانتماء إلى جماعة تؤكد هوية أفرادها في تفاعلهم مع بعضهم البعض و مع الآخرين .(1)

بإسقاط ماهية التعددية الاثنية على ارض الواقع نجد بأنها عائق يحول دون قيام  الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا على اعتبار الاثنية تقوم على تعدد الأجناس و القبائل و الثقافات و هو منعكس سلبي مقوم لبناء الدولة الوطنية الحديثة بحيث تقوم كل قبيلة بسطو على أخرى بغية التسلط و القوة والغلبة مما يجعل فكرة ظهور الدولة الحديثة   صعبة المنال و هو مانجد له اثر بارز في نشوب الحروب الأهلية في كلا من مالي و النيجر و هجمات منظمة بوكو حرام  في نيجيريا و غيرها من الأقطار الإفريقية هذه الصراعات التي تجذب التدخلات الأجنبية تحت مظلة مكافحة الإرهاب تعد أيضا عائقا يقض ظهر فكرة الدولة الوطنية الحديثة باعتبارها الفكرة المنشودة .

وقد أسهم مؤتمر برلين (1885/1884) الذي بموجبه قامت القوى الاستعمارية الأوربية بتقسيم الحدود دون مشاركة الأفارقة و هو ما أدى إلى تقسيم  كثير من الاثنيات بين دول أبرزها الفولانية و الهوسا و الماندينج في غرب إفريقيا وسواحل الاورموالصومالية في شرق إفريقيا و الامازيغية في الشمال الافريقي و كذلك بعض الاثنيات في الجنوب و الوسط الإفريقي (2) وإذ تتجلى المشكلات الاثنية  باعتبارها عائق أمام بناء الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا على مستويات عدة منها الصراع بين الاثنيات من اجل موارد الحياة و مقدراتها صراع مع السلطة أو النظام الحاكم بسبب التهميش و عدم الإنصاف و غياب العدالة مثلا .

الحرب بين العشيرتين التوتسي و الهوتو في رواندا عام 1994و هي من أبشع حروب الاثنية في إفريقيا   .  الصراع بين الازواد في شمال مالي و السلطة حيث ازدادت حدة الصراع في الاوانة الأخيرة  أفضى إلى تدخل أجنبي بقيادة فرنسا و هدد الاستقرار مالي و تفيا عنه خروج و تهجير قصري للشعوب تلك المنطقة بحجة دحض الإرهاب و هو ما ساهم في انحصار قيام دولة و طنية في مالي إلى يومنا هذا  و حرب في دولة جنوب السودان بعد الانفصال عقبى استفتاء 2011 .

 

 1 / محمد مهدي عاشور – التعددية الاثنية في إفريقيا –  بنغازي دار الكتب الوطنية -الطبعة الأولى 2004

2 / باه عبده 2018 – الاثنية و إدارة التنوع ألاثني في إفريقيا – مجلة قراءات إفريقيا (36)-4

أن عجز الدولة في خلق كيان سياسي يلبي الحاجيات الأساسية للشعوب الإفريقية يجعل من الفرد يحدد موقعه في المجتمع بانتماء إلى القبيلة  و ليس الانتماء إلى الوطن  أو الدولة و هو مايعد بحق تهديدا للاستقرار و غياب العدالة الاجتماعية   و ظهور الصراعات بين القبائل و غياب أهم عنصر   تهدف الدولة الوطنية الحديثة لترسيخه وهو الاستقرار داخل نظام جماعي يعني بالفرد و الجماعة معا في مناحي الحياة السياسية و الاقتصادية و غيرها .

ذلك إن إحساس الفرد  الإفريقي بالانتماء إلى الوطن  أو الدولة  ضعيفا جدا مقارنة  بإحساس الانتماء إلى القبيلة يؤدي ذلك إلى ظهور فكرة انتقام القبلي و الأخذ بالثار و بالتالي ضعف وظائف الدولة وعدم قيامها بمهامها المنوط بها مما يقلل أهميتها في نظر الأفراد  و يفقدون ثقتهم في إي مشروع يرمي إلى تعزيز  فكرة بناء الدولة  الوطنية الحديثة في ظل وجود فكرة القبيلة .

وإذ تعد الشرعية السياسية للدولة في إفريقيا مغيبة كليا ذلك ا ناي نظام حكم لابد له من شرعية سياسية تبرر وجوده من اجل القيام بمهامه حتى تسمح له ان يكون فاعلا في النظام الدولي و هو المشكل الذي تواجهه الدول الإفريقية.

فالدولة في إفريقيا عاجزة عن لعب دورها في استتباب الأمن بسبب ضعف كبير في مؤسساتها على مختلف المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. فالقضاء لا يتمتع بالاستقلالية و الحال نفسه للبرلمان الذي يخدم النواب دون المنتخبين و الأحزاب السياسية هي أحزاب مبنية على القبلية و الطائفية.

ومن خلال عرضنا هذا تبين أن نموذج الدولة الوطنية في إفريقيا هو نموذج فاقد للشرعية في مجمل صورها شرعية دستورية إيديولوجية ديمقراطية.

والذي يتكرس من خلال مشهد عدم اكتمال  بناء الدولة الوطنية فان الدولة في إفريقيا عموما إنما تستمد شرعيتها من القبيلة في غياب مؤسسات شرعية تبرر وجودها   .

وبالتالي تكون فكرة بناء الدولة الوطنية الحديثة صعبة المنال و إن وجدت تبقى تتخطفها التعددية الاثنية و النزعة القبلية .

ومن زاوية أخرى تئن فكرة بناء الدولة الدولة الوطنية في إفريقيا تحت أقدام التدخلات الأجنبية التي ما فتئت تستنسر في البيت الإفريقي في هذه الأيام تحت ما يعرف بدبلوماسية اللقاح  في زمن الجائحة حيث لم تكن إفريقيا ولا منطقة الشرق الأوسط  بمعزل  عن هذه الجائحة و جلبت من أمواج التدخل الأجنبي و الصيني خصوصا   الذي رأى في المنطقة سوقا و متنفسا و موردا .

كل هذه الأسباب تقف حسب رأينا عائقا أمام قيام فكرة الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا. باعتباره مفهوم الدولة الحديثة مفهوم غربي لا يراعي التعدد القبلي و الثقافي و العادات لدى شعوب إفريقيا مما زرع بينهم الفرقة و الاقتتال على السلطة و انحصار فكرة بناء دولة وطنية حديثة في الأوساط الإفريقية.

وتعد نظرة العالم الغربي والصين إلى منطقة إفريقيا باعتبارها سوقا للمنتجات و مصدرا للموارد الأولية نظرة أحادية من زاوية مصلحة يجعل فكرة الدولة الوطنية فكرة أنية مرتبطة بالمصلحة إذ تفنى الفكرة بمجرد زوال المصلحة الاقتصادية

و يجعل من البيت الإفريقي حلبة صراع بين القوى الأجنبية الذي يتحول إلى صراع داخل الدولة الواحد بين أبناء المجتمع الواحد تحت طائلة التعدد ألاثني الدعم الأجنبي للتمرد أو الكتل السياسية في حال السلم من اجل جلب مكاسب اقتصادية على حساب فكرة الدولة الوطنية الحديثة .

يتمخض التدخل الأجنبي في منطقة إفريقيا في حصر فكرة بناء الدولة الوطنية الحديثة في الجانب الاقتصادي و هو يتماشى و التطلعات القوى الكبرى بعيدا عن أمال الجماهير  فتصبح تلك الدول المشمولة بالتدخل الأجنبي مقيدة بالاتفاقيات استنزاف مواردها الاقتصادية و تبعية ثقافية واجتماعية تمكن القوى الأجنبية من تصنيع فكر يخدم أجندتها الاقتصادية و الأمنية.

ثانيا  :- إشكاليات قيام الدولة الوطنية الحديثة في الشرق الأوسط  :-

أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط التي تعد منطقة إستراتيجية و حيوية بمكان و النفوذ فيها حتمية ضرورية بجميع إبعادها الحضارية و الدينية باعتبارها مهبط الديانات السماوية و مخزن للبترول يجعل منها محط إطماع القوى العالمية و توفرها على أهم المعابر الطرق البحرية التي تمر منها اغلب معاملات التجارة العالمية بذلك هي محطة جذب قديما و حديثا .

كما إن شعوب منطقة الشرق الأوسط يراودها مطلب بناء الدولة الوطنية الحديثة هذا المطلب الذي يمتد إلى الحقبة الاستعمارية  سابقا إذ إن  هذه المنطقة و وان حصلت على استقلال لم تنله استقلال  كامل يمكنها من تحقيق الهدف من الدولة الوطنية الحديثة في خلق رفاهية مواطنيها و شعوبها .

إن التدخلات الأجنبية في منطقة الشرق الأوسط والغزو المستمر حتى بعد الاستقلال و خلق كيانات سياسية داخلية في أراضي عربية كان و لا يزال عائق أما قيام الدولة الوطنية الحديثة في منطقة الشرق الأوسط و اقرب مثال على قولنا هو الكيان الصهيوني الذي يعوق و يحول دون قيام دولة وطنية للشعب الفلسطيني . و الأكثر من ذلك تهديد سيادة بعض الأقطار العربية و بعث كيانات امتهنت الإرهاب و تهجير الشعوب   من اجل جلب التدخل الأجنبي الذي يولد صراع بين القوى الأجنبية الكبرى  سوريا و العراق نموذج و محاولة إيجاد عدو حقيقي من اجل تبرير تمديد وجود القوى الغربية في الأراضي و المناطق العربية  بحجة مكافحة الإرهاب و التطرف .

و يتجسد عدم حصول منطقة الشرق الأوسط على الاستقلال الكامل  من خلال تقسيمه إلى دويلات  صورية بعد الحرب العالمية و احتلال أجزاء منه من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبريطانيا و فرنسا كما تم محاصرته بالقواعد العسكرية الأمريكية و الأنظمة استبدادية   مدعومة من الغرب   أعاقت عملية بناء الدولة الوطنية في منطقة الشرق الأوسط. مما أدى إلى ظهور فكرة التجديد أو الثورة على ماهو موجود من واقع مفروض و ليس قدرا محتوما .

فقد ظهرت ثروات عربية اشتعلت شرارتها من تونس ضد الفساد و الفقر و انعدام الحريات وليس الهيمنة الغربية او الاحتلال الإسرائيلي ومن اجل الوقوف على حوصلة و تقييم واستشراف لعملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في منطقة الشرق الأوسط كما بينها بالنسبة إلى إفريقيا .  لابد من الإشارة إلى الربيع العربي  الذي انبعثت  منه الثروات العربية التي تعد بمثابة فرصة سانحة لتحقيق التغيير نحو بناء دولة وطنية حديثة. ألان بعض المعوقات حالت دون هذا الحلم وإذ لابد للثورات العربية ومن بها من النخب الفكرية و السياسية حتى تتحكم في زمام المبادرة في مستقبلها فهي بحاجة إلى تشخيص الداء و تحديد سببه ووصف الدواء من خلال مراقبة ماصيها القريب  ذلك أن الغرب لا يمل من محاولة السيطرة على منطقة الشرق الأوسط للأسباب التي ذكرناها أنفا.

وإذ هناك عدة محاولات سعت لها دول عربية للخروج من الهيمنة الغربية منذ القرن الماضي تحت تأثير الوحدة العربية التي أطلقها جمال عبد الناصر  في يوليو 1958 هذه المحاولة تبقى غير كافية بنظر إلى حجم التغيير الذي طرا على تفكير الجماهير من الناحية السياسية و تأثره بالمفاهيم السياسية الغربية الحديثة و التي تحولت فيما بعد إلى مصدر لإغراء  الاصطلاحيين و النهضويين الذين ألهموا الجماهير بضرورة الانتفاضة على أنظمة الحكم القائمة  آنذاك كما سبق و بينا في هذه الدراسة تحت ما يسمى بالربيع العربي الذي لا يزال يجني شوكه كثير الشعوب الذي ركبت موجته و واد عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في مهدها .

وحتى نتمكن من الإحاطة  بنظرة تكون بمثابة تقييم و استشراف لعملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في منطقة الشرق الأوسط كان لازما علينا تتبع الثروات العربية تحت طائلة الربيع العربي باعتباره نقطة تحول أو لبنة جديدة في بناء الدولة      الوطنية الحديثة و مامدى صحة هذا الطرح  ؟    وان كان كذلك   ماهي المعوقات و الآليات التي حالت دون قيام الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي ؟

لما قامت الثورات العربية مركب الربيع العربي علقت عليها أمال كبيرة في تحول نحو الدولة الوطنية الحديثة ألانه سرعان ما انحصرت هذه الآمال عندما بلغت القلوب الحناجر و بقيت مجرد الأوهام و الشعارات.

مرد ذلك لازما التدخلات الأجنبية و دعم بعض الفئات السياسية على حساب أخرى داخل  الدول التي شهدت الربيع العربي حيث أصبح زراع الورد يجنون الشوك فيه .

باتت التهديدات الأمنية و ضغط الجماعات المسلحة في كل من العراق وسوريا مرمى نيران القوى الكبرى  بحجة مكافحة الإرهاب وبذلك أصبحت هذه التدخلات   تهديدا لسيادة الدول و بالتالي عائق أمام بناء دولة وطنية حديثة خصوصا إذا تعارضت مع مصالح الاقتصادية للقوى الغربية في شق تأميم خيرات الشعوب و الاستفادة من مداخليها من اجل تحقيق تنمية اقتصادية شاملة و نمط تعليمي منتج لبرامج و النخب الفكرية .

و عليه تسعى القوى الكبرى هاهنا إلى  تحقيق مبدآ فرق تسد  بدعم أحزاب أو فئات الأقلية على حساب أخرى من اجل خلق جو مهتز غير مستقر حتى لا تتمكن النخب الفاعلة من لملمة الشمل حول مشروع واحد يجسد بناء الدولة الوطنية  ويولد صراع و التصادم الحاصل بين تيارات سياسية فكرية متأثرة بالمفاهيم الفكرية الغربية وتيارات أخرى حاملة لراية الدولة الإسلامية و انجر عنه من تطاحن   و تدابر افرز انحصار مشروع الدولة الوطنية الحديثة .

ومن المعوقات التي حالت دون قيام دولة وطنية حديثة في منطقة الشرق الأوسط الفكر الأبوي و لمعرفة مدى تأثير الفكرالابوي على قيام منظومة الدولة الوطنية الحديثة يجب وضع المفهوم في سياقه حتى نتمكن من معرفة دوره في تقويض مشروع الدولة الوطنية الحديثة   .

 

للوقوف على ماهية الفكر الأبوي بجدر بنا طرح تلمس مفهومه الذي أورده المفكر هشام الشرابي الذي اخذ على عاتقه مسؤولية تناول المجتمع العربي و بنيته الاجتماعية إذ تناوله في سياق نقد حضاري  للمجتمع العربي في نظام اسماه المجتمع الأبوي .

1/ ماهية الفكر الأبوي :

لقد اعتبر شرابي في العديد من كتاباته لاسيما كتاب – النظام الأبوي و مشكلة تخلف المجتمع العربي – إن المجتمع العربي يعاني من أزمة وعي و تخلف يعود هذا التخلف إلى نظام الأبوية أو نظام ألبطركي الذي هو بنية أساسية ثقافية

معادية للحداثة فالنقيض الجذري لها مقدما تحليلا اجتماعيا لهذا النظام كأبرز المحاولات العميقة لتناول المجتمع العربي و تفسير تخلفه الحضاري و السياسي من منظور علم الاجتماع (1)

ماهية النظام أو الفكر الأبوي ؟ مدى تأثيره سلبا في عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة ؟

إن مفهوم الفكر الأبوي أو البطر كية  هو مفهوم اجتماعي مرتبط بالنظريات و الفكر الاجتماعي و تناوله للمجتمع حيث لا يعبر هذا المفهوم فقط عن سيطرة و سلطة يقوم بها الرجال على النساء بل مفهوم أوسع بكثير و يشر إلى القيم و الرموز التصورات للانا و الأخر و العالم  و يتمحور حول الأب الطبيعي سوءا في الأسرة أو السلطة أو النسق القيمي بشكل عام .

تسعى هذه الدراسة إلى تناول و إبراز أهمية الفكر الأبوي في إطار الدولة الوطنية الحديثة مع التطبيق في ذلك على المجتمعات العربية خصوصا منطقة الشرق الأوسط و إفريقيا.

إي نسعى من وراء هذا الطرح إلى كشف ومعرفة هذا النوع من المصطلحات و الوقوف على دوره في تقويض مشروع الدولة الوطنية الحديثة .

يقوم مفهوم الفكر الأبوي لدى الشرابي على أساس وجود روابط تراثية بين أفراد المجتمع يخضع بموجبها البعض للبعض الأخر يسميها ذهنية أبوية تأخذ نزعة سلطوية شاملة ترفض النقد و لا تقبل إلا بالحوار  أسلوبا لفرض رأيها فرضا من هذا

    –1/ هشام الشرابي  – النظام الأبوي في المجتمع العربي  – المركز الديمقراطي العربي 7 ابريل 2017 .

   -2/ هشام الشرابي  – النظام الابوي و إشكالية تخلف المجتمع العربي  – مركز الدراسات الوحدة العربية 1992 بيروت .

 

2/  الفكر الأبوي كعائق أمام قيام الدولة الوطنية في الشرق الأوسط:

من هذا المفهوم للفكر أو النظام الأبوي يتبين لنا دوره السلبي في مواجهة قيام الدولة الوطنية الحديثة على اعتبار انه نظام يرفض النقد و لا يقبل بالحوار إلا لفرض رأييه  وهو ما يتعارض مطلقا مع مقومات الدولة الوطنية الحديثة التي سبق و بيننا مقوماتها القائمة على مبدأ الشورى و الديمقراطية و الأخذ برأي  الأغلبية .

إن الفكر الأبوي حال دون قيام الدولة الوطنية في المجتمعات العربية بسبب التسلط الذي ينظر للحكم الفردي الديكتاتوري يكون ماله الانكسار و الزوال سوريا نموذجا وغيرها من البلدان التي شهدت ثورات الربيع العربي باعتباره مركب التدخل الأجنبي تحت راية حماية حقوق الإنسان و الأقليات و الدفاع ضد موجة تكوين الجهاديين عبر الحدود الدول التي تشهد نزاعات كل هذا أدى إلى كبح جماح الرغبة في لدى الجماهير في تبني و بناء الدولة الوطنية الحديثة.

3/ التدخل الأجنبي كعائق أمام قيام الدولة الوطنية الحديثة:

-أولا : على المستوى الاقتصادي :-

يمكن القول بان الغرب يسمح فقط للنخب المسايرة لأفكاره و المتبعة لتوجهه و التي تتماشى و مصالحه داخل الدول منطقة إفريقيا و الشرق الأوسط بتجسيد مشاريعها الفكرية الملفقة بالدولة الوطنية الحديثة  إذ هي في غالب الأمر مصالح مباشرة أو غير مباشرة لقوى الغربية الكبرى التي تظهر في شكل امتيازات اقتصادية و تجارية تحت طائلة الاستثمار الأجنبي  .

إن الاستثمار الأجنبي و وان كان موضوعه اقتصادي  وغير متكافئ في المنافع فانه يعد محاولة لربط مصير الدول التي تحتضن الاستثمارات الأجنبية بمصير الدول الغربية الكبرى و المؤسسات المالية المارقة في تكبيل الدول بالفوائد القروض و مايعيق إي تقدم و بتالي بناء دولة وطنية حديثة  كنتيجة حتمية للاستدانة من تلك المؤسسات المالية التي تتحكم فيها اللوبيات المال و الأعمال و جعلها أرضا خصبة لأفكار التطرف من خلال إحياء الصراع بين  أفراد المجتمع الواحد بسبب تأثر هم بمفاهيم سياسية للفكر الغربي و عدم تكافئ الفرص في عملية تقسيم الثروة الاقتصادية و بالتالي خلق طبقية في المجتمع  تتصارع فيما بينها و تتحول الدول إلى مجرد سوق للمنتجات الغربية و مصدر للمواد الأولية لمصانع أوروبا و أمريكا و غيرها دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول التي تتلمس طريقها في بناء دولة وطنية حديثة .

إن العامل الاقتصادي يضاف إلى قائمة المعوقات التي تحول دول تجسيد فكرة الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا و الشرق الأوسط  إذا لم يبنى على المصالح المشتركة لإطراف العقد الاقتصادي من اجل خلق الثروة وتكافئ الفرص بين أفراد الشعب لتجنب الوقوع في شرك الفساد الاقتصادي و الحيلولة دون لعب الدولة لدورها .

ثانيا  : على المستوى السياسي:

إن تأثر النخب في إفريقيا و الشرق الأوسط بالفكر الاقتصادي الغربي كان له دور بارز في تأخر قيام الدولة الوطنية الحديثة باعتباره يتناقض مع المبادئ التي تحكم شعوب منطقة الشرق الأوسط و إفريقيا عند مقارنتها نظائرها من الشعوب الغربية  .

فالفكر الاقتصادي الغربي مبني على النزعة الفردية و حب التملك الذي ساهم في تنشيط النزعة الاستعمارية الني عانت منها شعوب منطقة الشرق الأوسط و إفريقيا ولزالت تحصد ماسي النزعة الاستعمارية التي طالت جميع الأقطار وحالت دون بناء الدولة الوطنية الحديثة   .

أدى هذا التأثير إلى خلق تبعية اقتصادية للغرب وربط مصير الشعوب باتفاقيات اقتصادية في ظهرها إلا إن باطنها استعمار في شكل جديد  . ابانت عن تبعية ثقافية و اجتماعية .

وعليه لا يمكن إنكار دور تأثر النخب في الشرق الأوسط وإفريقيا بالفكر السياسي الغربي  في تقويض عملية بناء دولة وطنية حديثة حيث كانت المفاهيم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية مصدر إغراء للإصلاحيين و النهضويين العرب.

أبانت جهودهم عن رغبتهم في الاستفادة من المفاهيم السياسية و الاقتصادية الغربية الوافدة ويدعم طرحنا هذا قول البرت حوراني :- ( ….كان هناك رعيل من العثمانيين أصبح دون إن تقتلع جذوره جزءا من المجتمع الأوروبي متشبعا بأفكاره)

وما يثبت هذا الطرح صحة هو إلغاء كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية و إعلان العلمانية في تركيا و بالتالي قضى على فكرة الدولة الوطنية آنذاك.

من هذا الطرح نلمس دور التأثر بالمفاهيم السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية الوافدة من الحضارة الغربية في تقويض بناء الدولة الوطنية الحديثة في منطقة الشرق الأوسط و إفريقيا  بل وإحداث انقسامات بين الدول وبين أبناء الوطن الواحد  وكمثال على هذا تقسيم السودان .

إن فكرة بناء الدولة الوطنية الحديثة ظلت حبيسة الفكر و الأذهان  بفعل المعوقات التي سبق ذكرها و تحليلها إلا أن الأمل يبقى قائما في وصول شعوب إفريقيا و منطقة الشرق الأوسط إلى بناء دولة وطنية حديثة إذا أخذت هذه الشعوب بزمام المبادرة وعدم الاتكال على الغرب باعتباره رافض لأي منافس له على جميع الأصعدة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية .

الخاتمة

أخيرا أبانت الدراسة التقييمين و الاستشرافية لعملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا و الشرق الأوسط عن صعوبات و معوقات حالت دوت تحقيق مطالب الجماهير في تاسيس واقعي للفكرة نجد له اثر في الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .

وعليه فان  النظرة الاستشرافية و التقييم للواقع سوءا ماض وحاضر أو مستقبل من اجل الوقوف على الأخطاء و تداركها بتشخيص داء المعضلة ووصف الدواء هو السبيل الوحيد الذي يساهم في بعث قيام الدولة الوطنية الحديثة  في منطقة إفريقيا و الشرق الأوسط عموما .

حيث تقوم هذه النظرة الاستشرافية ببعث فكرة دولة وطنية حديثة تقوم على المواطنة بمعزل عن التجذبات السياسية و الفكرية الغربية  والتي من أهمها مفهوم الدولة الليبرالية على اعتبار انها قائمة على المصلحة الآنية التي سرعان ماتزول و بالتالي تؤدي حتما إلى زوال الدولة معها .

لابد إن تقوم العلاقة بين مكونات الدولة الوطنية على أساس عقد المواطنة يرتب حقوقا وواجبات  في قيم العدالة الاجتماعية و تكافئ الفرص و الشعور بانتماء الفرد إلى دولته ووطنه هذه الدولة التي تقوم على مبادئ حماية و حفظ الكليات الخمس كما يلي :-

  • حفظ الدين
  • حفظ النفس
  • حفظ العقل
  • حفظ النسل
  • حفظ المال

ضمن اطر و معالم الدولة التي هي الأرض –الشعب –السلطة و تجسيد مبدأ الأمر بالمعروف  و النهي عن المنكر و حفظ الحقوق و ذويهم ورد المظالم إلى أهلها ذلك أن إي دولة لابد لها  من تبني إيديولوجية وفلسفة النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف لتكون خير امة بمعنى تبعث في الجماهير حس الانتماء إليها و الدفاع عنها بعيدا عن الحماسة و العاطفة و الشعارات الجوفاء .

ثم إن الفرد يدرك تمام الإدراك وظيفته في الحياة باعتباره خليفة الله في أرضه من اجل تأدية الأمانة حقها و المسؤولية باعتبارها تكليف وليست تشريف . هذه مقاييس تمكن من بعث وبناء الدولة الوطنية الحديثة وحتى نصل إلى هذه القيم لابد من إعطاء الإعلام الهادف  دور في مراحل بناء الدولة الوطنية الحديثة بذود عن المقدسات القيم الأخلاقية و حماية الحقوق و الواجبات و ترويج لمبادئ السلم و التسامح و الحوار وتبني فلسفة الموانع اتقاء فكر الزوابع وتكريس سبل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في إطار عقد المواطنة و مبادئ حفظ الكليات الخمس .

محمد عدنان الأخضر بن مير

شاركنا رأيك!