وقفة تأمليّة مع حديث نبينا الأكرم:” إنما النساء شقائق الرّجال”

د. نهلة الشّلبي  ـ أستاذة النحو والصّرف – جامعة العين – الإمارات العربيّة المتّحدة

   ينبغي – بداية – أن نؤطّر للمرأة بمنطلقات منهجية تترجم مكانتها الحقيقيّة في هذا الدين؛ إذ يكمن ذلك في تكريمها تصديقًا لقوله تعالى:” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ “( الإسراء: 70)، واستخلافها في الأرض في قوله جلّ في علاه: “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ” (الأنعام: 165).  

     ينطلق التصور الإسلامي للمرأة من أصل المساواة بين بني البشر، وذلك عندما جعل النساء شقائق الرجال، وساوى بين المرأة و الرّجل في أصل الوجود(النّسب البشري) في قوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “( سورة الحجرات: 13)، وكذا ساوى بينهما في وحدة المعنى الإنساني عندما قال جلّ ثناؤه: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” (سورة النساء:1)، وفي المسؤولية، والعمل والجزاء عليه. قال تعالى: ” فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ” (سورة آل عمران: 195).

      فالرجل والمرأة في نصوص الشّرع متساويان( شقيقان)، لا يجوز لنا تفضيل أحدهما على الآخر، والمساواة بينهما قائمة من جهتين هما: الأوامر والأحكام، وهو ما أكده جمهور الأصوليين من أن خطاب الذكور في نصوص الشرع سواء كان بـــــ(المفرد المذكر أو بالجمع المذكر)، إنّما يقصد به النساء والرجال معًا، دون أي تفريق أو تمييز  بينهما، وذلك في النّص الصّريح الوارد بصيغة العموم في قول النبي(صلى الله عليه وسلّم): «إنما النساء شقائق الرجال»(1)، الذي يقتضي أن الأصل في الشريعة الإسلامية المساواة بينهما.  
        وقد اهتمّ القرآن الكريم، والسنة النبويّة المطهّرة بالمرأة اهتمامًا بالغًا، وقدما لها عناية فائقة، استهدفت حمايتها، وتنظيم شؤون حياتها العامة والخاصة، فأحاطاها بكل سبل التربية والرعاية، وشرعا لها من الحقوق ما يلائم تكوينها وفطرتها، ما لم تعهده أمة من الأمم على مر العصور، وبهذا الاهتمام العظيم ضرب الله تعالى ببعض النساء القانتات العابدات الصابرات المثل، وجعلهنّ قدوات للرجال والنساء في الصلاح والتقوى، منهنّ امرأة فرعون في قوله تعالى: ” وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ “(سورة التحريم:11)، وماشطة ابنته التي رأى نبينا ـ الأكرم-  ما أعده الله لها في رحلة الإسراء والمعراج، تلك المرأة التي ثبتت على إيمانها ووثقت بما عند ربها، وذلك عندما أخبرت ابنة فرعون أباها عن ماشطتها قالت: بسم الله، عندما سقط المدرى من يديها وهي تمشطها، وأكدت لها أنها لم تعن أباها عندما طرحت عليها السؤال، وكذا ” مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ” (سورة التحريم:12).
وبهذا الاهتمام العظيم بالمرأة، استطاعت أن تربي نشأً عظيمًا تحمّل عبء الدعوة الإسلامية ونشرها في كل بقاع الأرض، وأن تؤدي دورًا جليلاً في بناء المجتمع الإسلاميّ، والوعي بحقيقة دورها قد تحقق فعلًا  في نساء عهد النّبوة وصدر الإسلام، اللائي بايعن النبي( صلى الله عليه وسلم ) في أيام العسر، قبل أن يشتد عود الإسلام ويقوى، ورابطن على الثغور، وقدّمن أرواحهن رخيصة نصرة لهذا الدّين، ونقلن السنة القولية والفعلية إلى المسلمين، ومنهنّ من أسندت إليها أسرار حيوية، كمهمة الاستخبار قبل الهجرة، التي قامت بها ذات النطاقين- رضي الله عنها-.

    ذلك هو حال المرأة المسلمة في عصر الرسالة، الذي يختلف اختلافًا كليًّا عن حالها قبل الإسلام؛ إذ لم تكن محل اعتبار لدى الرجل، إما لجحود إنسانيتها، وإما لإحساسه بأنه لا دور لها في  مهام الحياة، تلك هي المرأة التي تعد نموذجًا للتحرير، أدركت رسالتها ودورها في بناء المجتمع، وانطلقت ـ على إثر ذلك – بثقة وعزم في مسيرة الإصلاح والعطاء خدمة للصالح العام، ومن كمال شريعتنا الإسلامية  أنّها ترسم بوضوح العلاقات الإنسانية المشروعة وغير المشروعة، وتوجد من الحدود والإلزامات الشرعية ما يساعد المسلمين على الالتزام بهذا الإطار، وتبعًا لهذه الحكمة جاء تقسيم الأدوار والمسؤوليات بين الرجال وشقائقهم من النساء.

     وعليه، فإنّ من أهم ملامح المجتمع الإسلامي ذاك الدّور المنوط بها، باعتبارها الحجر الأساس في المجتمع المتوازن، والوحدة الأسرية المركزية؛ نظرًا لطبيعة دورها، ومسؤولياتها داخلها، والمتمثلة في خلق الاستقرار النفسي، والعاطفي، والدعم البدني، والتربوي.

      إن معرفة موقع المرأة في المرجعية الإسلامية، سيمكننا ـ حتمًا – من التمييز بين نموذجين هما: النموذج المعياري، والنموذج التّاريخي، الذي عرفت أوضاعها فيه اختلالات كبرى عبر التاريخ، فتداخلت العادات الاجتماعية مع الأحكام الدينية السليمة، مما يفرض إطلاق مسيرة البحث والاجتهاد الفقهي؛ ليتم تحرير فهم الدين وتطبيقه من أسر نماذج وتطبيقات لا وجود لها فيه، والتمييز  ينبغي أن يكون بين الأحكام الشرعية التي تضمنتها  النصوص الصحيحة الثابتة، وبين الصور التطبيقية التي أملتها الظروف البيئية المشبعة بالموروث الثقافي من العادات والتقاليد.

     تعرضت الأحكام الشرعية المرتبطة بالمرأة إلى كثير من المبالغات، وسوء الفهم بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية، وكذا هو حالها في عصور الانحطاط التي توقف فيها الاجتهاد، وكثر التقليد، وتخلف فيها المسلمون عن فهم رسالة دينهم، فوسائل الإعلام -اليوم- تعمل على  إنشاء صورة نمطية للمرأة المتحررة- حسب زعمها- تصور فيها المرأة التي تريدها، صاحبة سلطة وسيادة وقرار، مصحوبة بتصورات مفادها أن النسوة المسلمات مضطهدات، يحتجن إلى التحرر من السلطة الأبوية والزوجية التي تمنع تقدمهنّ، بحجّة امتهان القرآن لها، وحطّه من قدرها وقيمتها، بالعديد من التشريعات التي قدّمت الرّجل عليها، وذلك عندما جعل القوامة بيده؛ جهلًا بمقاصد الشّريعة ومكانة المرأة فيها، فهل – يا ترى-  قوامة الرجل على المرأة تسلبها حقّها؟ وهل الإسلام دين ذكوري كما يشاع عنه؟  

 أختي القارئة؛

    لقد جعل الله القوامة مقترنة في قوله:” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ” (سورة النساء:34)، بما فضل الله به بعضهم على بعض، فقوامة الرّجال تعني: إلزامهم بحقوق الله تعالى من محافظة على الفرائض، وكفّ عن المفاسد، إضافة إلى إنفاقهم علينا، وتأمين احتياجاتنا من كسوة ومسكن وعلاج وغير ذلك، وفي الآية الكريمة ذكر سبحانه ( جلّ في علاه ) السبب الموجب لقوامتهم علينا، فقال: “بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”، فالتمايز جاء لأحد أمرين:

 أوّلهما: بما فضل الله به بعضهم على بعض، وهو ما سنناقشه لاحقًا في مقالتنا.

أما ثانيهما: فهو حق إذا سقط، سقط معه التفضيل في هذا الجانب “وبما أنفقوا من أموالهم” أي: بسبب فضل الرجال على النساء، وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال عليهنّ يقع من جهة الولاية الموكلة إليهم، والنبوة، والرسالة، إضافة إلى أن الله ( جل في علاه ) اختصهم بكثير من العبادات كالجهاد، والدّفاع، والجمع، فما من مجتمع إلا وهو بحاجة إلى قيادة، وقوامة متمثلة في أحد أفراده، يسيّر أموره، ويحفظ عليه تماسكه، والمجتمع الأسري ينطبق عليه هذا الأمر؛ لذا فهو بحاجة إلى قائد يُدافع عنه ويؤمن له احتياجاته، ولما كانت هذه الأمانة والمسؤولية، تحتاج لصفات كالصّبر والتّحمل، والرزانة، والتّريّث، والتعقل، والقوة البدنية، كان الرجل هو الأنسب للقيام بها؛ لما اختصه الله به من صفات، وللصفات نفسها فُرِض الجهاد على الرّجال ولم يفرض على النساء( في غير حالات النفير العام)، كما فرضت عليهم النفقة على المرأة وعلى الأبناء، فالموقف العقلي والعلمي يثبت وجود فروق بيولوجية بينهما؛ نظرًا للدور المنوط بهما في الحياة، ولتحقيق الفائدة من قيام كل منهما بدوره الذي خلق من أجله، اختلف التكوين الجسدي، والعقلي، والعضوي، والنفسي، والعاطفي بينهما.

    وإذا ما نظرنا إلى الفروق بينهما، وجدنا أن تحقيق المساواة (دون الأخذ في الاعتبار) قدرات كلّ منهما النفسية، والعضلية وجدنا أنه أمر فيه إجحاف بحق كل منهما إذا ما تعلق الأمر بعمل الآخر، فتركيبة المرأة النفسية، والعضلية لا تؤهلها للمشاركة في المعارك والحروب، وطبيعة الرجل العقلية لا تسمح له برعاية الأبناء وتربيتهم؛ لذا جاءت المهام في شريعتنا موزعة بينهما على أساس العدل لا المساواة، إذْ يقتضي العدل إعطاء كل ذي حق حقه مما يستحقه ويتناسب مع طباعه وخواصه، وهذا الإعطاء مختص في جانب الأعمال الحياتيّة، أما المساواة فمتعلقة – كما نعلم – في جانب التكليفات الشرعية.

   تلك القوامة لم تعط الرّجل الحقّ في الاعتداء على ميراث المرأة وشؤونها الماليّة الخاصّة، فلا يجوز لزوج أو أب أو أخ الاعتداء عليه، ونهبه وسلبه منها، فالمهر يدفع لها مباشرة لا إلى وليها ولا غيره، هذا مع وجوب إنفاق زوجها عليها بعد الزواج – حتّى وإن كانت غنية – دون أن يقرب مالها، وإذا أرادت أن تنفق شيئًا لا يكون ذلك إلا بإرادتها، وفيما ترك من تركة فالمرأة تقتسم وترث من الثروة، وهذه الأموال توضع في حسابها الخاص، وهي وحدها صاحبة الحق في التصرّف فيها وإدارتها، كما أنّ لها حق النفقة عليها بعد الطلاق والانفصال عن الزوج، ليس هذا فحسب، فالتقسيم الشرعي لم يكن يوجب للرجل دائمًا ضعف (حظ) نصيب الأنثى التي ترث معه من التركة نفسها، فهناك من الحالات ما يزيد فيها نصيبها على نصيب رجل يرث معها من التركة نفسها.

    وعليه، فإن التشريع في قضايا المرأة والأسرة لا يمكن فهمه فهمًا مجزأ، باعتباره منظومة متكاملة يكمل بعضها بعضًا، و لا تؤخذ تلك الأحكام مجزأة، بل تفهم  بشموليتها وتكاملها، وتفسر في نطاق تشريع أسري متكامل يضمن توازنًا نفسيًا واجتماعيًا للإنسان، الذي سعت شريعتنا لاستقراره وسعادته، فأحكام الزواج والطلاق والنفقة والإرث والنسب جميعها أحكام تنظم العلاقة بين الجنسين، وغيرها من الأحكام المرتبطة بالنظام العائلي، وهو النظام الاجتماعي في الإسلام، الذي يقوم على عدة أسس منها ضمان التوازن بين الحقوق والواجبات وبين الحرية والمسؤولية.  

   وفي الختام نرى أنّ تفضيل جنس الرّجال على جنس النّساء ادّعاء لا أصل له، فهنّ مثيلات الرّجال باستثاء ما استثناه الشّارع؛ كالإرث والشّهادة وغيرهما مما جاءت به الأدلة، وحينما يتعلق الأمر بالتفضيل الفردي في الإسلام، فإن مرجعه إلى ما وقر في القلب من التقوى. كما جاء في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-:” إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم” ( 2 ) .

الهوامش:

  • الألباني: محمد ناصر الدين ( ت 1999 م )،  السلسلة الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مكتبة المعارف، الرياض، ( د. ط )، ( د. ت )،  6 / 860  .

       (2)  صحيح مسلم: باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه/ حديث رقم: 4779.

شاركنا رأيك!