نحو رؤية منهجية لتجديد ونقد الخطاب الديني المعاصر

د. جمال الهاشمي

د. جمال الهاشمي

أقام المركز يوم الأربعاء بتاريخ 17 يونيو 2020  مؤتمرا علميا تحت عنوان “نحو رؤية منهجية لتجديد ونقد الخطاب الديني المعاصر”.

 وكما وعدنا أننا سنزيد توضيحا للعنوان والذي كان منحوتا نحتا مفاهيميا ومنهجيا يقف عنده الأريب ويحتار للبه الأديب إذ وقفت الندوة على أهم الموضوعات الإشكالية التاريخية والمعاصرة والمستقبلية وإننا نعدكم بأننا سننزل رابط الندوة مباشرة خلال الأيام القادمة عبر قناة مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية كما سيتم إنزال بعض مداخلات الندوة أو كلها في بداية الشهر القادم حسب توقيت مجلة الإصباح للعلوم الإنسانية الصادرة عن المركز، واستباقا لها ولم يرد في الندوة فقد وقفنا على العنوان من منظور مختلف لما أوردناه في الندوة وأورده السادة العلماء المشاركون في الندوة . وتعقيبا على ما سبق بيانه في الندوة العلمية والتي يمكن العودة إليها لاحقا  فإن العنوان المتقدم  ذكره يتكون من المفاهيم والمفردات التالية:

نحو : والنحو من الناحية المفاهيمية هو الاختطاط وفق رسومات موضوعة وقواعد علمية ومنهجية سابقة  مرتبطا بما قبله ومؤسسا لما بعده ومن خلال هذه المفردة المفاهيمية المنهجية التي جمعت بين المنهج وأدلته  اللفظ وصوره ويقطع النحو  بين أصوليات وهمية منكرة وأصول علمية معلمة ..إذ لا يمكن التفريق بالتحقيق  ولا يمكن التمييز إلا التعزيز.. بالأول استبيان قوة الدليل والحكم ، والثاني بالمقارنة والترجيح.

وهنا يبرز لنا مفهوم النحو عدة معايير أولها الأصل. وثانيها الفصل  وقد يتكون الأصل في موضوع متعين بكون بعضه وضعا والبعض منه وحيا كاللغة  العربية ولا جدال في مفراداتها إذ هي واحدة وإنما النقد من جهة استعمالتها وبدو جزيرة العرب وإن ابتعدوا في نحو الكلمات إلا أنهم من أكثر المجتمعات استعمالا لها .

وقد دون الفقه الكثير من استعمالات اللغة وهنا ينبغي وفق منهجيتنا ورسالتنا العلمية الحضارية التمييز بين اللغة باللفظ وهي من أصوليات اللغة،  واللغة بالاستعمال وهي من أصوليات الفقه،  واللغة والعرف وهي من أصوليات  العادة،  واللغة والتركيب وهي من أصوليات  علم الكلام،  وهذه الأصول متحددة بمجالاتها وبعضها عالة أو متأسسة على البعض منها، ولكل أصل معاييره وقواعده حيث ندعو من خلاله الجهابذة العلماء من أرباب اللغة والفقه والكلام  للوقوف على ندوة علمية بهذا المضمون لمعالجة الخطاب الديني من هذه الجهة و. حتى نكون على وعي من معالجة  اشكالياتنا من جذورها بروح منهجية وليس من خلال مصارعة  الثمار أو صراع الظواهر إذا الوقوف على الأصل التي تتفرع عنه الظواهر أهم من البحث في الظواهر وهذا جوهر العلم ومضمونه وسنعمل على تأطيرها ضمن عدة عناوين فرعية.

رؤية: هو المفهوم الثاني وهو مدخل منهجي أصولي يرى من خلاله المجتهد غير ما يراه غيره وهذه الرؤية قد تكون محسوسة ومعلومة ومعقولة أو متخيلة ولا تكتمل الرؤية أو مذهب الرأي إلا بمقيد آخر يعطيها قيمة علمية وذلك أردفنا كلمة منهجية وهنا موضع التقييد.

منهجية: المفهوم الثالث وهو منهج الرؤية ومقيدها إذا الرؤية لا تقام إلا به وإلا أصبحت مجردة الرؤية غير مضبطة بضوابطها العلمية المنهجية التي تجعل منها منظورا بمعنى أن تكون نافذة على الأدلة من خلال المناهج المعلومة التي هي وسيط  بين الأدلة الحاكمة والرؤية المحكومة  والتي بجورها تتناسب مع متطلبات الإستعمال وتتقارب مع مواضع الأعمال،  ومن خلال هذه الرؤية نميز بين الخطاب المستنبط أو الخطاب المستعبط ، وبناء عليه نحدد الفرق بين خطابات ممنهجة وخطابات منتهجة أو بين الخطابات الواعية والخطابات المدعية.

لتجديد: التجديد مسبوقا بلام الغاية من حيث المعنى إذا أن النحو يرتبط بغاية ممسعاة أو يسعى إليها ومن هذا جاء اللام ليشير إلى الطريقة بنفس ما يشير إلى العلة والغاية التي تعني التجديد وتجديد الشيء ليس بمعنى تحديثه أو إحداثه إذا هو جديد وإن كان قديما لأن كل ما يرتبط بالأصل والمنفعة والمصلحة والعصمة يسمى جديدا وهو عكس التقليد الذي يسعى لابطال العمل بالتجديد. دعونا نقرب المعنى بطريقة أخرى الإسلام يسمى مفهوما تجديديا بنص الحديث ” أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى” فالإسلام يتجدد والإيمان يزيد وينقص بنص الحديث “اللهم جدد الإيمان في قلبي”. فالتجديد يعني معارضة التقليد لأن الفرق بين المصطلحين شاسع إذا التقليد مرتبط بجهة وعرق وقطر ومذهب وفلسفة والتجديد يعني ارتباط بمراتب الأدلة ولهذا ورد في الحديث “إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة  من يجدد لها دينها” وتجديد الدين ليس بوسائط الوحي إذ لا نبوة بعد نبوته صلى الله عليه وسلم وإنما تجديد أمرها بالوحي المنصوص ولهذا اعتبر عيسى ابن مريم مجددا لأمر هذه الأمة بنصوص القرآن والسنة الصحيحة وليس بتشريع ومنهاج جديد وعندما تحدثنا عن التجديد جعلناه مدخلا والدخول إليه لا بد له من أداة ووسيلة تقودنا إليه ولهذا جاء منهج النقد ومنهجية النقد تعني تعدد مناهج أخرى منها منهجية الإسناد والتحقيق والوقوف على هذا الباب عميق للغاية لا يلج فيه إلا أولو العلم والعقل معا.

ونقد: النقد لا يعني الانتقاد وهنا يجب التمييز بين النوعيين؛ الانتقاد منهج تقليدي حزبي جهوي طائفي سياسي، وهي صفة مرذولة . أما النقد هو منهج علمي مرتبط بسند النص من خلال التحقيق والتوثيق ومرتبط بعقلية النص من خلال قياسه بنصوص وأدلة أخرى أو بكليات وقواعد عامة تحدد ما خفي من معان خفية في النص غير المحكم إذ لا اجتهاد مع النص المحكم البين الواضح الدلالة الموافق للاستمعال.

الخطاب: وهو مطلق في موضوعاته ومجالاته ويتنوع  بين خطاب الاستمساك وخطاب الاستنساك فالأول مرتبط بالعروة وإليه تحتكم المبادئ الكلية  “فقد استمسك بالعروة الوثقى” . والثاني مدخل للأول  وطريق إليه باحث لفضيلتين التطهر فالقرب، وبهذا الأول مشيرا إلى  المعنى المطلق أما في الثاني بيانه وتفصيله من جهة  الممارسة “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي” فالنسك من المفاهيم المرجعية والصلاة مدخل له والحياة وسيلة والممات غاية  وهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل بحشد المناهج والأدلة ليس هنا موضوعنا في الإفاضة والإثراء.

الديني: مضاف مقيد للخطاب فهو يتحدث عن الديني وهنا الدين كل ما يدين به الإنسان من معتقدات وإيدلوجيات وفلسفات فهو مفهوم مطلق عام، ولهذا السياق السابق للعنوان موضحا ومفسرا لصفة الخطاب من جهة تأثير التدين في الخطاب من جهة بإعادة محاكمته بالنقد والتجديد بالأصول الثابتة لمنابعه باعتبار الخطاب المشار إليه باحتياجه للنقد متولد عن خطابات بمناهج مختلفة تداخلت فيه الأفهام البشرية واقصته أوابعدته عن الخطاب الأصل (النص المطلق؛ دينا قيما) وندوتنا العلمية تفرق بين دين الملة وتدين النحلة .

المعاصر: وهنا في منهجيتنا القائمة والتي يدعو إليه المركز يضيق اطلاق الخطاب والدين تقيديا زمنيا وواقعيا وهي بيئة وتوقيت الخطاب المتعدد؛ أقصد بالمتعدد المتعدد المشارب من حيث كونه خطاب مذهبي وفقهي أو طائفي أو تديني بأفهام بشرية وباستدلالات منهجية ومن هنا جاء نقد نتائج ومخرجات الخطاب من خلال تناولنا لطرق وتخريجات واستدلالات ودلائل انتاج الخطاب المعاصر وذلك لدراسة أثره المأزوم على أمن واستقرار المجتمعات وتنمياتها وثقافاتها، دراسة معالجة مصححة كاشفة تحت رعاية الدولة والنظام السياسي وخصوصية المجتمعات في كل دولة.

وحول الموضوع والبناء عليه واستمرار لما بدأناه فإننا نفتح المجال لمن أراد المشاركة وفقا لسياسات وأهداف المركز المنشورة فإننا نرحب بجميع العلماء والباحثين والأكاديميين الكرام.

شاركنا رأيك!