مكانة المرأة في العصر الجاهلي

     ا.د. ضياء غني العبودي

أستاذ اللغة العربية وآدباها بجامعة ذي قار – العراق

أشار ابن عربي إلى علاقة ثلاثية أساسها الحب ، فيقول : ” والصورة أعظم مناسبة وأجلها وأكملها ، فإنها زوج أي شفعت وجود الحق ، كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل فصيرته زوجا . فظهرت الثلاثة حق ورجل وامرأة ، فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه . فحبب إليه ربه النساء ، كما أحب الله من هو على صورته ”  ويرى ابن عربي أن المرأة وسيلة لمعرفة الحق( الله) ، وهو يؤكد قيمتها استنادا إلى الحديث فيقول :  فابتدأ بذكر النساء وأخر الصلاة ، وذلك لأن المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها . ومعرفة الإنسان بنفسه مقدمة على معرفة ربه ، فإن معرفته بربه نتيجة معرفته بنفسه  ” وهذا يعني أنه لا بد من أن يعرف المرأة التي هي جزء من نفسه أولا ، ثم يعرف نفسه وبهذا يكون قد عرف الله . فاذ كان الحق في راي ابن عربي هو عين كل محب ومحبوب ، وكانت غاية كل محب الاتصال بمحبوبه والفناء فيه والتلذذ بقربه ، لزم إن يكون  الحق هو المحبوب على الإطلاق ، والتلذذ به على الإطلاق، ولزم ألا يفني محب إلا فيه .ان التواصل الجسدي لا يمكن ان يكون هدفا وإنما وسيلة نصل من خلاله للبعد الإنساني للتواصل والحفاظ على جمالية الحياة وقيمها الروحية . ولقد أعز الرجل المرأة في عصر ما قبل الاسلام ، وقدم نصوصه لها ، وبين حزنه على فراقها ، ولعل أكثر ما كان يثير غيرتهم حين تقع المرأة سبية عند العدو ، فهم يستبسلون في القتال حتى لا ينكسروا فتسبى نساؤهم ، بل المرأة كانت تحرض على الشجاعة ، ومما يؤكد أن المرأة كانت ذات شأن في الجاهلية أن التاريخ يحدثنا عن نساء اشتهرن بالشجاعة  ومشاركتهن في القتال .وارتفعت مكانة المرأة في الجاهلية إلى حد أن بعضهن كن يطلقن أزواجهن ، وكان طلاقهن أنهن ان كن في بيت من شعر حولن خباء ، ان كان بابه قبل المشرق حولنه قبل المغرب ، وان كان بابه قبل اليمن حولنه قبل الشام ، فاذا رأى الرجل ذلك علم أنها طلقته فلم يأتها .وقد بين الدراسون ذلك بان الخباء عند الساميين كان ملكا للمرأة ، والخباء عند أهل المدر كالبيت عند أهل الحضر ، ومعنى ذلك ان ملكيته مقصورة عليها .

    واذ كان البعض يتحدث عن وأد البنات فهذه الظاهرة مع تعدد اسبابها اقتصرت على بعض القبائل مثل ربيعة وكندة وتميم  ، بدليل حب الشعراء بشكل خاص والرجال بشكل عام للمرأة ، يقول أحد الشعراء :

رأيت رجالا يكرهون بناتهم     وهن البواكي والجيوب النواصح

على أن بعض سادات العرب كانوا يعيبون وأد البنات كشخصية صعصعة بن ناجية جد الشاعر الفرزدق حتى سمي بمحيي المؤودات . وقد فخر الفرزدق بذلك كثيرا :

وَمِنّا الَّذي أَحيا الوَئيدَ وَغالِبٌ   وَعَمروٌ وَمِنّا حاجِبٌ وَالأَقارِعُ

أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم      إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ

ولم تكن النظرة إلى المرأة كما هو شائع نظرة مبتذلة بل كانت نظرة احترام وتقدير وعفة لاسيما الجارة منها يقول الشاعر الفارس :

ما اِستَمتُ أُنثى نَفسَها في مَوطِنِ    حَتّى أُوَفّي مَهرَها مَولاها

أَغشى فَتاةَ الحَيِّ عِندَ حَليلِه           وَإِذا غَزا في الجَيشِ لا أَغشاها

وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي     حَتّى يُواري جارَتي مَأواها

إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ          لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها

هذه الاخلاق التي يتمتع بها الفارس عنترة بن شداد في تعامله مع المرأة نفتقدها في وقتنا الحاضر ، فهو لا ينظر إلى جارته حين تذهب الرياح بستر خيمتها ولا يزورها في حال غياب حليلها ، ولعل هذه القيم وغيرها هي التي جعلت الرسول الكريم يقول (ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة(. فهؤلاء الشعراء لابد أن يكونوا غيرا على النساء ، وغيرة العربي مازالت مضرب الأمثال ، ولذا قالوا ( كل شيء مههُ (يسير) ما خلا النساء وذكرهن ) أي كل شيء يسير سهل يحتمله الرجل الا ذكر الحرم فانه يمتعض منه .

شاركنا رأيك!