محاولة في ضبط المصطلحات القرآنية

د. لواء حميزة كاظم العياشي ـ  كلية الفقه ـ جامعة الكوفة 

يتشابه الخلق في كثير من الصفات العامة، ويصل هذا التشابه في بعض الأحيان إلى حدّ التطابق، لكن من غير الممكن أن يصل هذا التطابق إلى حدّ التماثل، فلا بد أن يكون هنالك مائز بين كل فئتين، ومثل هذا تماما يحصل في مصطلحات الدراسات القرآنية. ونجد كثيراً من المصطلحات المتداخلة فيما بينها، فيصعب التمييز بينها في مواقع كثيرة.

وحين إنعام النظر في هذه المصطلحات والسبر في أغوارها نلحظ الفرق جلياً بينها، فهي إمّا أن تكون ظروفاً محيطة في القرآن الكريم أو علوماً نابعة من داخله، أو ركيزة يعتمدها المفسر لبيان معنى أو السير وفقها على طول بحثه وبيانه لمعنى آيات القرآن الكريم، وعلى هذا الأساس يمكن أن نقسم المصطلحات القرآنية.

أبرز هذه المصطلحات تاريخ القرآن، وعلوم القرآن، ومصادر التفسير، وأصول التفسير، ومناهج المفسرين، فتاريخ القرآن يشمل المباحث التي تدور في فلك ظروف القرآن الكريم ويتضمن الوحي، وأسباب النزول، والقراءات القرآنية، والمكيّ والمدنيّ، وترتيب القرآن، ونزول القرآن، وجمع القرآن وتدوينه، وإعجام القرآن ورسمه، وترجمة القرآن، وهذه الموضوعات تدرس الظروف الخارجية للنص القرآني الكريم، فمثلا التساؤلات التي تثار عن مصدر القرآن الكريم أهو من الله تعالى أم تلقاه النبي محمد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) من أشخاص أم نتيجة نوازع نفسية في داخله؟

كل هذه التساؤلات والإشكالات وغيرها نجد إجابتها في موضوع الوحي، إذ ينطوي في مضامينها نزول القرآن الكريم على قلب النبي محمد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) من الله تعالى عن طريق الملك جبرائيل (عليه السلام) إمّا بصورته الملكية أو بصوره الأخرى.

هذه المباحث تتكفل بفهم النصوص القرآنية الكريمة وكشف ما يصعب فهمه منها، من خلال الاطلاع على الظروف المحيطة حين نزول القرآن الكريم.

أما علوم القرآن فيشمل المباحث التي تغور داخل النصوص القرآنية وتفكّ شفراته الغامضة في بيان الاختلاف الحاصل بين آياته، فمثلا نجد آية كريمة تقول {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، [الفتح: من الآية 10] وآية أخرى تقول {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، [الشورى: من الآية 11]، فهذا ليس اختلاف، بل مفاده أن الأولى من الآيات المتشابهة، والآية الثانية من المحكمات. وكذلك نلحظ الآية الكريمة في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، [المجادلة: 12]، تختلف عن الآية التي تليها في قوله تعالى:{أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13]. وهذا الاختلاف حاصل نتيجة أن الأولى آية منسوخة، والآية الثانية ناسخة.

إذن إن العلوم التي تفك الشفرات وتبين الغموض داخل النصوص القرآنية الكريمة، إنما هي علوم القرآن وتتمثل في الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، المطلق والمقيد، المجمل والمفصل، العام والخاص، إضافة لعدد من المباحث القرآنية التي بالإمكان أن ندرجها في علوم القرآن وهي الأشباه والنظائر، وغريب القرآن، وتناسق الآيات والسور وتناسبها، والحروف المقطعة.

ومن مصطلحات الدراسات القرآنية مصادر التفسير، والمقصود منها هي المنبع في بيان آية كريمة وهذا المنبع كثيراً ما يكون نقليّاً، فإمّا أن يكون بيان معنى الآية من خلال آية أخرى؛ لأن القرآن مصدر من مصادر التفسير، أو يعتمد على قول الرسول (ﷺ) أو قول أهل البيت  في تفسير آية كريمة، لأنهم مصدر من مصادر التفسير، أو عن طريق أحد الصحابة أو التابعين؛ فهم مصدر من مصادر التفسير. والمصدر الآخر لتفسير النص القرآني هو العقل أو ما يسمى المصدر العقلي، الذي لابد أن يكون معتمداً على الدليل لا على الهوى والرغبات.

أما أصول التفسير فهي الأكثر غموضاً من غيرها؛ لأن مباحثها تشمل كلَّ العلوم: إذ هي تلك المباني التي يعتمد عليها الباحث أو المفسر في فهم النص القرآني، ويتضمن ذلك كل العلوم بما فيها مباحث تاريخ القرآن، ومباحث علوم القرآن، والمباحث اللغوية، والمباحث البلاغية والمباحث الفقهية، فجميعها تمكّن الباحث من فهم النص القرآني.

 وعليه، فكلّ علم يمكّن الباحث من فهم النص القرآني يعد أصلاً من أصول التفسير.

أمّا مناهج المفسرين؛ فهي الطريقة التي يعتمدها المفسر في تفسيره للنص القرآني فمثلاً كان الزمخشري يفسّر الآيات القرآنية في كتابه (الكشّاف) وفق القواعد البلاغية من مجاز وتشبيه واستعارة..، فهذه الطريقة تُعد منهجاً تفسيريّاً أو ما يسمى بالمنهج البياني، وكذلك نلحظ أن بعض المفسرين يفسر آيات القرآن بالاعتماد على الروايات فقط، فمن يعتمد على هذه الطريقة في التفسير يسمى المنهج الأثري، أمثال تفسير العياشي والقمي وغيرهم الكثيرين.

ومناهج المفسرين هي المنهج القرآني، والمنهج الأثري، والمنهج العقلي، والمنهج اللغوي، والمنهج البياني، والمنهج الإشاري، والمنهج العلمي، والمنهج الفقهي، والمنهج الكلامي…

فنلحظ أن مصطلحات الدراسات القرآنية، ليس منفصلة بعضها عن بعض، فموضوعها واحد وهو القرآن الكريم، بيد أن الفرق بينها يتعلق بالجانب الذي يدرسه الباحث أو المفسر من القرآن الكريم. فمثلاً، حينما يريد الباحث أن يفهم آية كريمة فلا بد من أن يحيط بالظروف الخارجية لها كأسباب النزول مثلا وذلك من أجل فهم مغزاها. فأسباب النزول هي من مفردات تاريخ القرآن من باب وصارت مصدر من مصادر التفسير من باب آخر؛ لأن أسباب النزول هي مجموعة من الروايات، واعتماد المفسر على الروايات يعد مصدراً نقليّاً، وإن اعتمد المفسر أو الباحث على الروايات طوال بحثه كان ذلك منهجاً روائياً وهو منهج من مناهج المفسرين، وكذا أن أسباب النزول تعد أصلا من أصول التفسير إذ ما بنى عليه الباحث معنى آية كريمة.

وهكذا الحال في بقية المباحث المشتركة بين هذه العلوم، فإن تناول المفسّر لمفردة معينة من جهة ما في بيان آيات القرآن الكريم، هو الذي يحدّد انتماءها لأي مصطلح من مصطلحات الدراسات القرآنية.

شاركنا رأيك!