مؤتمر الرياض وإدارة الأزمة اليمنية

مؤتمر الرياض وإدارة الأزمة اليمنية

د. جمال الهاشمي

يبدو أن مؤتمر الرياض بدأ وسيلة مثلى  لحل الأزمة اليمنية، وقد يبدو من نظر معارضيه

استمرارا  لبقاء الأزمة،  وكله  وارد استراتيجيا في التعاطي مع الأزمات المزمنة، وهنا تأتي خطورة الأزمة المزمنة في قدرتها على خلق أزمات أخرى وانتشارها وتوسيع رقعاتها، وهذا ما يميزها عن بقية الأزمات الأخرى التي تتنوع إلى:

  • الأزمة الكامنة: تتشكل هذه الأزمة داخل المجتمع ومؤشراتها اللامبالاة والصمت تجاه القضايا المجتمعية والسياسية، وتتراكم بعامل الوقت، وتخضع لشروط معينة تسهم البيئات والإعلام المناقض لقيمها على ابتعاثها.
  • الأزمة الملتهبة: وهي المرحلة النهائية للظاهرة الإشكالية التي تتحول إلى الواقع، ولديها مقاييس وقواعد تمكن الاستراتيجي من التعاطي معها علميا وعمليا، وقد تتطور نحو التعقيد، فإذا وصلت إلى العقدة الأولى تخلت عن الحكمة السياسية و تحولت إلى قضية خبرية إعلامية، كلما سعى الساسة لتقليص الفجوة زادها الإعلاميون والناشطون اختراقا.
  • الأزمة المزمنة: وهي التي تتحول عن الواقع إلى التنظير، وتصبح قضية إعلامية .

هذه صفات الأزمة وفقا لمقاييس التأثير أما من حيث النوع فتنوعها يعكس مدى حجمها، وأثرها على خلق أزمات أخرى، فالأزمات الاقتصادية تتولد عنها أزمات دينية وثقافية وسياسية، وقد تتولد عن سوء الإدارة السياسية أزمات ثقافية ومجتمعية واقتصادية ودينية، ومعرفة الأزمة جزء من حلولها.

وتندرج الأزمة اليمنية تحت مفهوم الأزمة المزمنة، فانتصار صنعاء كانتصار الشرعية، بمعنى المعادلة الصفرية، وهي نفس المعادلة في فلسطين بين العروبة وإسرائيل، برعاية بريطانية – أمريكية.

والتي تطورت كأزمة مزمنة إلى صراعات أهلية اشغلتها عن القضية الرئيسية.

كما أن المعادلة الصفرية خلال حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران انتهت بأزمة العراق المباركة.

وما استمرار هذه المعادلة بين الشرعية والحوثية إلا وسيلة من وسائل الآخر في تفكيك السعودية واليمن إلى جهويات  متصارعة برعاية ومفاوضات حقوقية غربية.

إن مخيلة الجهل بالواقع وتغييب المتغير يعد من أعقد قضايا الأزمة وأكثرها إشكالية لخروجها عن السياقات المحلية، بخروج التكوينات عن مبادئها الوطنية والإنسانية وارتباطها بالبعد العالمي.

فالمؤتمرات والمفاوضات اليمنية منذ نشأتها وسيلة من وسائل العسكرة والتمويل وتسييس القضايا الإنسانية، أشبه بسجالات ومناظرات إعلامية منها سياسية، ولم يكن مؤتمر الرياض إلا نتيجة من نتائجها واستمرارا لوجودها بأشكال أخرى، فهو بهذا الحجم المهيب يؤكد على أزمة الأزمة ومعضلة الحكمة.

فلو أعطي كل مشارك فرصة الحديث لكان نصيبه 10 دقائق بالتساوي بمعدل 12 ساعة متواصلة، فإذا ضاق الوقت باهتمامات أخرى كان في التسمية أقرب إلى المهرجان.

أما إذا نظرنا إلى فئة المشاركين فهناك إشكالية أخرى تتعارض مع ما أشار إليها الأمير محمد بن سلمان في مقابلة ذا اتلانتك، التي محورت حديثه من بدايته إلى النهاية حول مفهوم الخصوصية الثقافية والدينية والسياسية للمملكة العربية السعودية.

ذلك أن دعوة الملاحدة واللادينين والسفهاء لحضور مؤتمر اليمن مخالفة لمفهوم المخصوصية والرأي العام، ويتناقض مع خصوصية اليمن التي تتلازم مع خصوصية المملكة ثقافيا وعرقيا وأخلاقيا. وهذا مدعاة لخلق أزمات كامنة تحركها العامة. فليس الإعلام هو الواقع بل هو من مؤشرات أزمة الواقع.

إن مفهوم التعدد الثقافي لا يعني ادخال المخالف الذي يعادي قيم المجتمع الثقافية، وإنما قبول المختلف في إطار التعدد إذا كان قد توارث معتقده عائليا وتاريخيا في إطار التسامح والقبول بالآخر دون تأثير أو تهديد لقيم المجتمع العامة، فالمواطنة التي تعلمناها من الغرب تعني احترام ثقافة وخصوصية الدولة الحاضنة لوجودك وهي القيم العامة التي يفترض عليك احترامها والاعتقاد بها، وشرط الإقامة القبول بها كقيمة مرجعية لك فوق قيمك التي يسمح له بممارستها إذا كانت تحترم القيم العامة ، و أن لا يكون اختلافك إلا في إطار محددات الدولة الثقافية والحضارية.

ولو ترك إدارة واختيار الأشخاص للسفير محمد آل جابر لكان أكثر واقعية لعلمه بالخصائص النفسية والثقافية للمجتمع اليمني ولعلمه بذوي الرأي،  ولأنه جزء من إدارة الأزمة اليمنية، وهو يدرك أن الإعلام قد يكون مؤثرا في دول ما، ولكنه ليس كذلك في اليمن، ولذلك غيب في اعداد المؤتمر وترك الأمر للمحاصصة الحزبية وللحكومة في اختيار من تراهم يمثلون القيم اليمنية، ولذلك كان اختيار الحكومة للمثيلين يعبر عن تناقض القيم في إطار الموافقة السياسية، بمعني أن الحكومة أصرت على اختيار من تراهم على كلمة مواحدة في تحديد العدو السياسي  دون اعتبار للقيم التي يمثلونها، ودون اعتبار للقيم اليمنية العامة.

إن التخلي عن الخصوصية والمبادئ وثقافة هزيمة نفسية ومدعاة للهزائم المتوالية، وأن قوة الدولة باحترام ثقافتها المجتمعية، وما نجاح بريطانيا العظمى سياسيا وإمبرياليا إلا بقوة الثقافة المجتمعية التي هي مصدرا للتشريع والتقنين والنظم الإدارية والسياسية.

إن الحربين العالميتين أفقدت اليابان وروسيا القدرة العسكرية والاقتصادية لكنها لم تفقدهما القدرات الثقافية، لأن الهزائم الثقافية لا تؤسس لحضارات خصوصية ولا لحضارات إنسانية، كما لم تتخلى روسيا الصين ولا دول أوروبا عن الخصوصيات التاريخية والثقافات المجتمعية، فالحوار لا يكون خارج الثقافة العامة للمجتمع اليمني، فالادارة تبدأ بحسن الاختيار.

ولا يعني نقدي لهذه المؤتمر التقليل من أهميته أو أهمية الحوار والمؤتمرات العلمية لحل الأزمة اليمنية، ولكننا ونظرا لهذا الحجم وصعوبة ادارته ندعو عقلاء المكونات اليمنية أن يفوضوا أولي الرأي والدراية والعلم من الفئات المستقلة ليكونوا حكما على الباغي، وتبريرا لاستخدام القوة الشرعية التي يقرها المجتمع ويسهم في تعبئتها بإرادة وطنية عامة ويمساعدة إقليمية وعربية فاعلة.

فالقيادة الفاعلة كفيلة بإدارة الإرادة الشعبية الكامنة، والمال قد يسمي القيادة لكنه لا يصنع النجاح.

 

 

 

شاركنا رأيك!