في منطق الانتماء الدِّيني:

مصطفى غني / العراق/ بغداد

تسعى المقالة لتسليط الضوء على قضية جوهرية تتعلق بالإنسان كفرد يرتبط بالأسرة منذ ولادته, وترسيخ الأسرة لهويته الدِّينية بحسب انتماء الأسرة لدِّيانة أو مذهب أو طائفة ما. إنَّ مسألة الانتماء عرضية تعرض للإنسان وهو بين خيارين: إما أنَّ ينالها إجبارًا أو بحرية. والغالب في واقع المجتمعات هيمنة الوصف دون حرية فيخرج من بطن أمه ويتم تسجيله في هوية الأحوال وفق معتقد أسرته

, ولكي تتخذ موقفًا من هذه المسألة ينبغي الوقوف على حيثيات القضية بالقول من أنَّ الإنسان لا يمكن أنَّ يكّره على الدخول في دِّين دون آخر بل تبقى المسألة تركن لمستقبل الإنسان حين يكبر ويعي الحياة ومتطلباتها وحاجياته, وبهذا سيعلن الانتماء لدٍّين أو عدم انتمائه دون أنَّ يكره على الانتماء؛ لأنَّ هذا نوع من الإجبار غير الإنسانيّ.

تطرح أستاذة الفلسفة كاترين كنسلر في كتابها ما العلمانيّة قضية عرضية الانتماء مؤكدة للمعنى المتقدِّم بقولها((لا أحد يكّره على الدخول في دِّين دون آخر)). تعتبر كنسلر أنَّ الإيمان مسألة عرضية وهذه المسألة تبنى على ركنين أساسيين هما الانتماء المبني على أسس وليس الفجائي, والانتماء الذي يجعل من الحرية طبيعة ثانية, فلا قيمة لانتماء دون أنَّ يركن للأساس الأوّل وهو في واقع الأمر بحسب التجربة قليل عند بني البشر فالغالب ينتمون إما تبعًا لأسرهم بالوراثة أو لأسباب نفعية.

إنَّ مسألة الانتماء بحسب المنطق الفلسفي يعني استقلالية التفكير في اتخاذ موقف الإنسان تجاه الأديان كافة أو دِّيانته فحسب, ومن دون عملية استقلال واضحة لا خير في الإيمان الذي تفرزه الذات في بعض الأحيان, ولذا نجد جون لوك في رسالته حول التسامح يشير لهذا المعنى بقوله (( لا يولد أحدٌ عضوًا في كنيسة ما, ولكن الدِّين ينتقل إلى الإنسان بقانون الوراثة عن أبيه وأجداده, تمامًا مثل الأرض, وكلٌّ منا يدين بإيمانه إلى ميلاده وإلى أهله, وليس هناك ما هو أكثر عبثية من هذا الأمر)), وهذه الكلمة عظيمة بقدر قيمتها الدلالية مع كونها تثير استفزاز الكثيرين ممن يفخر بهذا الانتماء اللامعرفيّ واللاواعي, فالانتماء بحسب لوك يكون تلقائيًا إلى المجتمع الذي ينظم فيه الفرد, ويعتقد أنَّ ما يمارسه المجتمع هو الحق والعبادة التي يريدها الله والمقبولة عنده, إلّا أنَّ منطق المعرفة يحتم علينا النظر في صحة تلك الممارسات والمعتقدات والنظر في جوهرها وكيف يمكن نسبتها إلى السماء؟ وأنَّ نفس مسألة التفكير المستقل في عملية الانتماء لها ضريبة كبيرة يدفعها الإنسان جراء بحثه عمن ينتمي, وهنا ينبغي الفصل بين الجانب القانونيّ الوضعي العام المققن للانتماء في مجال الأحوال المدنية وبين المجال الخاص المتعلق بمنطق تفكير الإنسان في الانتماء, وأنَّ الإيمان الحر هو إيمان ناتج عن تفكير حر دون إكراه أحد وعليه فلا حق لجهة خارجية تكون لها سلطة فرض المعتقد على الإنسان كالميلاد في طائفة محددة أو سلطة سياسيّة أو… حينها سيكون للإيمان قيمته المعنوية والاعتبارية للفرد والمجتمع ككل. يرتبط الإيمان كانتماء مع قضية التسامح بما تعنيه من حق الإنسان أنَّ يمارس اختيارًا روحيًا دون إكراه عليه ودون إحساس بالقلق, فعملية التحول بين دِّين إلى آخر طبيعية ينبغي أنَّ تتجرد عن منطق التخويف والتهويل الذي يتصدره الخطاب الدِّيني والنصّوص الدِّينية بنحو لا تسمح للإنسان أنَّ يمارس منطق التفكير بحرية تجاه معتقداته والآخرين, وبالتالي أضحت عملية الانتماء قسرية تجوبها الخوف والضلال المبين, وأنَّ للسّياسة دورها ونصيبها الوفير في الهيمنة على الجانب الروحي والعقدي والنفسي والفلسفي من حيث الاختيار لانتماء ما ففي الواقع أنَّ الإنسان لا ينتمي لمعتقد ما أو… ولا حق للسّياسة كسلطة وضعية أنَّ تفرض الإيمان الرسمي للفرد والمجتمع الإنسانيّ ككل إلا أنَّ السؤال الأجدر بطرحه يتعلق بكيفية الموائمة بين التفكير الحر للانتماء وبين التعايش مع مختلف الانتماءات الإنسانيّة على كثرتها؟ ببساطة يمكن القول بإمكانيّة هذا شرط ألا يحصل تعارض وتصادم بين الحريات ودون أنَّ يتجاوز أحد على انتماء الآخرين لكي يتحقق التسامح بأجلى صوره, على أنَّ لا تمارس السلطة السياسيّة والأسرية منطق الإكراه فيما يتعلق بالاعتقادات, بالإضافة إلى عدم إكراه أحد على عدم التدين ما يعطي هوية غير انتمائيّة للإنسان والدولة, وهناك ثنائية ترتبط بالانتماء إحداهما تتعلق بالاختلاف الثقافيّ والأخرى تتلعق بثقافة الاختلاف والأوّل يعني ظاهرة ثقافيّة وسمة رئيسية من سمات الثقافة, والثاني تعني الثقافة المتراكمة التي تنتج الاختلاف ويصل الأمر بالقطيعة الإبستمولوجية, فنفس عملية الانتماء ثقافة إنسانيّة مولدة لثقافة اختلاف نتيجة تنوع وتعدد مشارب الإنسان المعرفيّة والدِّيانات عمومًا….كما أنَّ نفس عملية القانون ما هي إلّا ضرب من ضروب التوافق الإنسانيّ بين فئات المجتمع ناتجة عن علاقة نقدية للفكر الإنسانيّ مع نفسه, وهذه العلاقة ينبغي أنَّ يترأسها الحياد من حيث الانتماء؛ لأنَّ المؤسسة القانونيّة مستقلة الانتماء ولا هوية دِّينية ينبغي أنَّ تتسمك به بنحو يمكِّنها من أنَّ تفتح باب الحرية للانتماء ما يعني ضرورة إعادة النظر في عملية هوية الإنسان التي تمنح وهي تحمل دِّيانة ما دون اختيار حاملها, فهذا العمل نوع إجباري من الإيمان أرغم عليه أسريًا وأعطاه القانون الشَّرعيّة مع أنَّ منطق الانتماء ينبغي أنَّ يتجرد من هذا لكي يتحقق الانتماء الحقيقي لإي إنسان لا يمكن بحال من الأحوال أنَّ يكره, أو يجبر على الانتماء تحت أية ضغوط أسرية كانت أم قانونيّة, فلا تكترث الدولة بقضية الانتماء ولا تعير لها أهمية شرط أنَّ لا يتجاوزا على القانون, وبهذا يتحقق منطق جون لوك الساعي نحو تحقيق انتماء مجرد عن انتماء الأسرة والمجتمع والدولة, ونقضي على منطق الوراثة المقيت القائل بضرورة أنَّ ينتسب المولود لدَّيانة أسرته فما ذنبه؟ قد أنَّ الإنسان حين يكبر يرفض الدِّين فيعلن عدم الانتماء لأية دِّيانة أو طائفة, وبهذه الممارسة اللاإنسانيّة لا يزال العقل العربي أسيرًا لمنطق الوراثة في كثير من القضايا منها قضية الانتماء, والتخلص من هذا سهل بأنَّ لا يكتب في هويته أي انتماء, ويترك الحقل فارغًا لحين وعي الفرد لكي يتخذ ما يشاء هو لا ما تشاء الأسرة من أجلِّ أنَّ نحقق الانتماء المعرفيّ القائم على أسس معرفيّة مجردة عن الوراثة.

شاركنا رأيك!