في مفهوم الأيديولوجيا

الباحث مصطفى غني / العراق

  سؤال الأيديولوجيا سؤال فلسفي ومعرفي وقانوني يراد من خلاله بيان ماهية وطبيعة سير العقل الإنساني نحو نسق ثقافي محدّد. فالسؤال حول مفهوم الأيديولوجيا سؤال قديم جديد لن ينتهي ما دام الإنسان منتجا لخطاب أيديولوجي مؤطر بأطر ثقافيّة محددة تبعًا لمصالحه وميوله وتوجهاته. فلا تنسلخ الأيديولوجيا عن هوية الإنسان، فهي هويته كذات لا تنفك عن متعلقه. وحين الرجوع خطوة نحو الوراء نجد أنَّ كينونة العقل الإنساني عندما يميل لصناعة أيديولوجيا خاصة به متمنيا سير المجتمع بها، ومن هنا ظهر عبر الأجيال أيديولوجيات استطاعت فرض أفكارها على مجتمعها تحت عناوين مختلفة كالمصلحة في أن يسير المجتمع ضمن هذه الأطر الثقافيّة ذات الصناعة البشرية، أو كالنبوّة من حيث إنَّها أيديولوجيا مصنوعة يراد بها تنظيم السلوك الإنساني ضمن أطر محددة لا يسمح بالخروج عنها أو التمرد عليها وما إلى ذلك.

    إنَّ هذا المفهوم جدلي بين الباحثين والمتخصصين في مجال علم المعرفة الإنسانيّة؛ إذ لم يتفقوا على تعريف واحد لهذا المفهوم، بل راح كلُّ واحد من هؤلاء يدلو بدلوه بطرح تعريف تبعاً للمشرب المعرفي الذي ينتمي إليه. ولكي لا أضيع الوقت على القارئ بطرح ما طرحوه من تعاريف مع وجود بصمة اشتراك في بعض قيودها ونقاط افتراق يمكنني طرح تعريف لهذا المفهوم، ولكن قبل ذلك ينبغي القول إنَّ بيان ماهية مفهوم الأيديولوجيا بحد ذاته صناعة أيديولوجية، بمعنى أنَّ تعريف المعِّرف ـ بالكسرـ  هي إيديولوجيا خاصة تمثِّل عقيدة المعِّرف، وبالتالي وقع هذا المفهوم أسيرا لرؤى المعِّرف وخضع لمتبنياته كأسير لا ينفك عن متعلقه. ذلك أنَّ تعريف المفهوم سيكون بلا شك ضمن أطر ثقافة المعِّرف، وهو من يحدد معناه تبعًا لنظرته التي ينظر من خلالها للأيديولوجيا بما تقدِّمه من وظائف خدمية للإنسان, وهنا بلا شك أنَّ النظارة البشرية محدودة في تقدِّيمها لمعنى ما، وقد تتوسع بحسب ضيق وسعة أفق المعِّرف، وعلى كلِّ حال يمكنني تعريف الأيديولوجيا على أنَّها نظام لإنتاج نسق ثقافي محدد يسير الإنسان وفق مدلولاتها التي ينتجها العقل الأيديولوجي. وهذا التعريف بلا شك ليس خاضعًا للرؤية المنطقية الأرسطية التي تقيد المعِّرف بالحد والرسم بقدر ما هو تقريب للمعنى إلى الذهن.

     من حق القارئ أنَّ يتساءل عن سبب الاهتمام بهذا المفهوم، وكثرة تداوله بين الأوساط. ويرجع السبب في هذا إلى أنَّ أثر ما تنتجه الأيديولوجيا من أنساق ثقافيّة مختلفة الهويات هي التي تجعل العقل الإنساني يفكر بجدية عن مصدر منتجي الأيديولوجيا، وهوياتهم، ومرجعياتهم الفكرية، وأهوائهم، وعن سبب تأثير بعض المرجعيات وقدّرتها على بسط نفوذها في المجتمع دون أيديولوجيات أخرى، ذلك أنَّها مرجعية فكرية قد تكون مصدر فساد أو صلاح للإنسان مع صرف النظر عن هويته، و انتمائه. فهي تبحث عن السلطة، وتضع مولودها كلَّ حين في أية حاضنة يمكنها أنَّ تأخذ حياتها فيها، فهي قوّة مؤثرة منذ وجود الإنسان وبحثه عن كيفية إنتاج أيديولوجيا خاصة به تصبح فيما بعد سلطة تفرض لئلا تتحول المجتمعات إلى غابة يفترس القوي فيها الضعيف، مع أنَّ نفس عملية افتراس القوي للضعيف هي عملية مدبرة تحت صناعة أيديولوجية معينة أنتجها العقل الإنساني، فهو باستمرار ينتج أيديولوجيا خاصة به الأمر الذي يدعو إلى ضرورة ممارسة الحفريات في مجال الفكر الإنساني على اختلاف أمكنته وهوياته وشخوصه ومناطقه، فالنبوّة صناعة أيديولوجية والسياسة كذلك وهلم لبقية الأيديولوجيات فهي منطق صناعة القرار وفرض سيطرتها وتكبح جماح الإنسان تحت رغباتها وميولها.        وحين تتم الدعوة كلِّ حين بضرورة مراجعة الأيديولوجيات التي أنتجت في ظروف مختلفة وتحت عناوين مختلفة ما هي إلّا صناعة بشرية يراد من خلالها جعل المجتمع يعيش تحت رحمتها. وإنّي هنا لا أدعو بمنطق التمرد على الأيديولوجيات، بقدر ما أدعو بضرورة ممارسة عمليات التشريح لتلكم الأيديولوجيات وكيف تم صناعتها؟ وما مصانع الإنتاج؟ ومن رجالاتها؟ وما هوياتهم؟ ومن وقف خلفهم؟ وكيف نجحت تلكم الأيديولوجيات في بسط سيطرتها كقوّة غاشمة؟ فعملية التشريح هي عملية تسعى إلى إعادة النظر في الخطاب الأيديولوجي كقانون بشري تم سنه العقل الإنساني في زمكان خاص، وبالتالي بالإمكان أن يوضع في متاحف الموتى كتراث لإنتاج أيديولوجيا جديدة تنسجم مع ظروف الإنسان الحاضر؛ إذ لكلِّ مجتمع ظروفه الخاصة به، وأيديولوجياته التي تختلف وتتخلف، ومن دون مراجعة شاملة لكلِّ الأيديولوجيات على اختلاف مسمياتها وعناوينها، فإنَّ سلطة القانون المؤدلج لن تبقى على حالها. وقد ثبت عبر تجارب الأمم موت ورحيل بعض الأيديولوجيات بنحو كونه سنة من سنن الحياة، كما الحال في موت بعض الأديان والملل؛ لأنَّها لم تكلِّف نفسها في مراجعة هويتها وخطاباتها وتمتعها بقوّة تصورت أنَّها ستدوم طويلًا، إلّا أنَّ عقارب الساعة وقفت بالضد من عملها. وبالفعل تم القضاء عليها وموت بعضها؛ بالتالي فإنَّ عملية الارتقاء بأية أيديولوجيا بشرية يراد منها الدوام والبقاء يكون من خلال مراجعة لخطاباتها، وهويتها، وممثليها، ونقدهم بشكل حر دون أسقف حمراء، وتزيينهم بألوان معينة.    إنَّ هذا لن يدون وإنْ دام لزمن أو أكثر، فعملية الحفر المرجعي لتلكم الأيديولوجيات سبيل للنهوض بالعقل الإنساني المنتج لها ضمن ظروفه الخاصة به، وبمنطق الزمكان كسلاح يمكن تحجيمها من أن تبقى مسيطرة على مجتمعها الذي ولدت فيه كمولود جديد حالفه الحظ في أنَّ يكون سلطة ما بعدها سلطة، فخطر الأيديولوجيات المصطنعة كخطر السرطان في جسم الإنسان. ومن دون اليقين بقضية كونها بشرية غير مقدِّسة يفسح المجال لنقدها وتصويبها وتطويرها.. فالنقد المعرفي لهذا وإنْ كان بمنطق أيديولوجي معين إلّا أنَّ لا مناص من الفرار من هذه العملية لكي تؤدي مهامها كمولود جديد يعيش مدّة زمنية ويموت كما ماتت قبله أيديولوجيات لم تطور نفسها لكي تحافظ على حياتها. فالحياة السائلة هي حياة العصر العولمي الأيديولوجي، وهذا العصر بطبيعته يسعى لخلق سيولة في مرجعيات الإنسان الفكرية ومس الثوابت، والنظر في أمرها.      وهذه العملية بلا شك خطيرة للغاية ويدفع المرء ثمنها باهضًا حين يفكر في القيام بمثل هذه العملية؛ إلّا أنَّ عقارب الساعة لن تدوم طويلًا لمن يقمع أمثال من يفكرون في مراجعة الأفكار البشرية التي تم تقنينها في ظروف ثقافيّة معينة، فالإرهاب صناعة أيديولوجية مرفوضة وإنْ دامت لها الحياة. فلا حياة لأيديولوجيا صلبة في عصر التحول والتبدل والنمو المعرفي الهائل. والمجتمع الذي يعيش على الصلب سيتفكك في يوم من الأيام من دون مراجعة حفرية لثوابته ومرجعياته، وفسحه المجال لممارسة النقد الأيديولوجي بنسق إيديولوجي محدد، وبحياة من شأنها خلق مولود جديد يعيش مّدة ويموت ليلد الإنسان الأيديولوجيا، ويربيها كما شاء لا بما يشاء الاخرون، فهم يموتون بموت أيديولوجياتهم، أو يعلنون القطيعة معها، والانتقال مع مجتمع مماثل ينام ليله سعيدا دون نفوذ قوّة بشرية غير مقدَّسة، ليختتم القول بأنَّ الأيديولوجيا صناعة بشرية يصنعها الإنسان، ويطورها وينميها ويقتلها بيده حين يعلم يقينا بعدم صلاحيتها للبقاء وذلك هو الحي السائل المنتج لأيديولوجيا سائلة.

شاركنا رأيك!