في زنزانة الفكر المادي

د. جمال الهاشمي

بداية أرجو من القارئ الكريم أن يكون ملما بأحد المنهجيتين الغربية أو الإسلامية ليتمكن من فهم المفاهيم والعلاقات الكامنة الخفية وما وراء الظواهر الجلية، وذلك لأن هناك فرق بين كتابة المقالات الصحفية والمقالات العلمية، والتي تراجعت نظرا لشيوع الأولى.

وفي زنزانة المادية التي هي من أبرز الظواهر الاجتماعية التفكيكية .. كيف تتحول المادية الفكرية أو الفكر المادي الى قوارض اجتماعية ونزاعات عنف اجتماعية وسياسية وعقائدية ؟ بهذا السؤال البسيط نختزل التاريخ الإنساني وتاريخ المسلمين تنزيها عن وصف الإسلام بالتاريخية أو الإضافة المركبة التي تتناول منهجيا بالتاريخ الإسلامي وذلك لأن الإسلام منهاج ومبادئ ونصوصا فوق مفهوم التاريخ ومصدرا من مصادر تغييره وتنظيمه وتهذيبه.

منذ فترات طويلة والعالم الإسلامي يتداعى بالإسلام، تداعيا صوريا وهذا يتنافى مع مقاييسه المنهجية التي ينظر من خلالها إليه، ويتوصل بها إلى أحكامه. وبهذا الخلل تواجدت الفرق العقائدية داخل الإسلام وعند قياسها من منظور المنهج العدلي الموضوعي تحدد المقاييس التجريبية والمعايير الوصفية والضوابط العقلية والمرجعيات النصية، ومن خلال تلك المحددات يمكننا تحديد حركة دورانها واتجاهاتها، وسرعة افتراقها أو تصادمها مع قطبية الإسلام، والأبعد عن نقطة الارتكاز هو الأبعد عن قيم الإسلام.

شكل مسلمو التاريخية من داخل الإسلام معتقدات مادية بظواهر الإسلامية، وكان هذا التركيب قد أحدث اضطرابا مفخخا وكامنا لكثير من المفاهيم الإسلامية، وأصبحت تلك الظواهر الإسلامية بكل نحلها تتقارب مع المفاهيم الغربية والوافدة مقاربة ظاهرية منفصمة عن قواعدها المنهجية في جميع مؤسسات الدولة الثقافية والتعليمية والإدارية وحتى الأخلاقية.

وبهذه التحولات النفسية والاجتماعية والمادية تشكلت الظاهرة الإسلامية البعيدة عن حقيقة الإسلام، وبهذه الظواهر الشكلية المفارقة لقيم المنهجية أحدث تهديدا لكثير من المفاهيم الإسلامية ليس من الغرب الذي يحدد  المفاهيم السلبية  من خلال قراءته للظاهرة الاجتماعية والتنظيمية أو من خلال منظوراته التاريخية والحضارية  أو السياسية والعرقية والإمبريالية وغيرها من المنظورات الأخرى التي كرست السلبية في المفاهيم الأصولية والإسلام السياسي والإسلام السلفي والإسلام  الجهادي والشيعي والإسلام الليبرالي والأوربي والصوفي .. وجعل المشكاة واحدة والتعميم انطلاقا من حالات جزئية.. والأمر أكبر من هذا بكثير إذا أعدنا الضوابط المنهجية المعيارية بمقاييس تجريبية ..

وقد سلك الكثير من كتاب الأسلمة والكتاب الليبراليين والتقدميين المتأسلمين هذه الطرق المنهجية في تناولهم للأصولية والسلفية والجهادية وتناولوها تناولا مجردا دون وعي بالمنهجية العلمية والموضوعية، وهنا تتجلى الأزمة المنهجية العربية، وأوكد على أن حال المؤسسات العربية إذا لم تتدارك الربط بين منهجية النظر ومنهجية العمل توسع الفجوة بين الإسلام والمجتمع والدولة والأمن والنظام والشعب، والتنمية والمادة.

لو وقفنا وقوفا نقديا على كل جامعة عربية وطلبنا منها تحديد المنهجية الكلية وتشققاتها الجزئية واستعمالاتها لوجدنا الحيرة تملأ الأفئدة ولوجدنا الغيظ يكلح الوجوه، ولاعلن مناطقة الجدل أسنة الرماح، هذه الجدلية التي أوجدها الغرب وحولها الى منهجيات تنموية تتقارب مع احتياجات النفس الواقع.. هي الجدلية التشيئية التي استبدت بعقول النخبة العربية، وهي الحالة الاستلابية التي ربطت الموارد البشرية والشعبية بالشيئيات المادية وفارقت الكيفيات مفارقة نفسية وعقلية وأخلاقية وعملية.

للغرب رؤيته المادية العملية التي تحدد طبيعة البنية القانونية والأمنية والمجتمعية والصناعية من مدخل التجربة بأبعادها القبلية والشرطية والبعدية.

أما العالم الإسلام فتتشكل رؤيته المادية من مدخل الظاهرة القيمية دون وعي باشتراطاتها المنهجية البعدية والشرطية والقبلية وقد ترتب على هذه الخلل العشوائي بروز ظواهر ثقافية وأخلاقية متناقضة، ومعه شخصيات انفصامية تعيش حالة من التفكك الذاتي والاغتراب النفسي والاضطرابات الفكرية، واختلال التوازن وانعدام الثقة وتفشي الانفعالية.

وأصبح النقاش في اتجاهات متعاكسة تجسد ثقافة الأنا ، التعصب، بمصطلحاتها الكلامية أو الفلسفية تعني الجدلية السوفسطائية، جدلية الخطاب المطلق، وجدلية النفسية الاعتلالية، وفي المصطلح القرآني الجدلية الفرعونية التي تجمع بين قوة الإكراه المادي وقوة الإكراه الفلسفي.

وبما أن الموضوع أكبر من مقال .. فإننا سنكتفي بالنتيجة لكي لا يفر القراء من القراءات العميقة، إذ أن الغالبية العظمى تطلب مني الكتابات القصيرة .. جدا .. وهذه أزمة أخرى تضاف الى المثقف كما هي أزمة الباحث الذي لا يقف على المعمار إلا من خارجه ثم يعممه بما يتخيله.. تاركا علم المنهج وراء ذلك أو يظن أن لكل باحث واستاذ طريقته الخاصة في التعامل مع الظواهر العلمية وهذا لعمري أزمة المنهج الشائعة والمنتشرة.

فإن قيل ما الذي أدى الى أزمة الصراع في العالم العربي ضمن مظاهره وظواهره العقائدية والمجتمعية والحزبية والسياسية والفكرية والتناقضات الثقافية والتنموية؟

سيكون الجواب أن المداخل المنهجية الي تتناول فيه الظواهر الصراعية وظاهرة الدولة والأمن هو المدخل المادي دون ضوابطه ومقاييسه التي أدركها العالم الغربي منذ بداية النهضة وحتى عصر الرقمنة وما يؤسس له من تطورات مستقبلية.

والفارق بين الاستخدامين أن العوالم المتأسلمة حولت الإسلام من قيمة حضارية مطلقة وقيمة عالمية إنسانية الى ظاهرة جزئية اقتبست عن اليهودية والبرهمية والمسيحية فيما يسمى بالنزعة الثيوقراطية التأليهية وهي ظاهرة عرقية متعالية تزعم أن هذه البشرية وجدت لخدمة السلالة الثيوقراطية العرقية لأنها تتميز بالعصمة المطلقة أو العصمة الجزئية أو تتميز بالخوارق الإلهية من مدخلين الأول: مدخل المادية وهي فلسفة نفسية بأبعاد مقدسة، والثاني مدخل المظلومية؛ وهي الحالة التبريرية لممارسة العنف والحرب والانتقام. وتتطور الأحكام بتطور الرؤية العرقية، وهو الذي أسهم بصورة جوهرية في استحداث احكام فقهية أو حديثية مقدسة تتناسب مع طبيعة الحالة النفسية والمصلحة العرقية.

وقد تكون مادية في بداية النشأة والتكوين تقدس الفقر كحالة سلبية لكن بقيمته الرقم السالب، والتظاهر بالفقر كحالة سلبية ثقافية تكرس الفقر وتأخذ تأخذ السالب الثاني، وعند ضرب السالب الأول (الفقر) بقرينه الوهمي أو بنقيضه الحقيقي (ظاهرة الفقر) يتحول الى قيمة مادية تؤسس للثروة (الاكتناز).

وهي حالة ابتزازية خارج نطاق المصارف الإسلامية المحددة بالنصوص الثابتة، وإذا قلنا إن الفقر ظاهرة اجتماعية فإنه لا يتأسس إلا ببيئة جاهلة تقدس الجهل ومن مظاهره التفاهة، وأقسى أدواته العنف.

وقياسا عليه فإن هذه الظاهرة تشكل الفوارق الطبقية بين سكان الصفيح من فقراء التدين السلبي، وسكان القباب من موتى العرقيات المقدسة، وبينهما الطبقة الوسيطة التي تمارس العنف وهم المنتخبون من قبل الطبقة الثانية من عامة الناس للقيام بالخدمة.

وللتوضيح؛ فإن تنمية الأخلاق الإنسانية على ثقافة الفقر والبذل معا، وهي حالة من حالات الثقافات العرقية المقدسة والتي كانت سائدة في جزيرة العرب عبر ثيوقراطيات الشعوذة، وفي المقابل ظاهرة التفاقر المقدس وهو أن يظهر مهندس ثقافة الفقر أو الداعي إليها بمظهر الفقر، وهي الظاهرة التاريخية المشهورة حول طبيعة رجال الدين المسيحي واليهودي والبرهمي وجماعة المعتقدين بالمسيحية واليهودية والبرهمية العرقية وليست الإنجيلية أو التوراتية والفيدانتية.

لكن السؤال هل تظل هذه الظاهرة قائمة على هذا الطريقة في هذا العصر الحديث وفي ظل هذه المتغيرات العالمية، وهنا يجب النظر الى المعايير البيئة النفسية والاجتماعية، وسنجد أن قياس الظواهر التاريخية مع ظواهرها المعاصرة يمكن تحديد الفروق بينهما بدرجات التناسب التكيفي ومع التطورات البيئية. وهنا تأتي الاستفهامات الكيفية.

في دراسة كيفية بين الدولة الصليحية والدولة الفاطمية.. وجدنا أن القيمة الوظيفية تتناسب مع طبيعة التحولات الاقتصادية والمكانية إذ تتمركز حاليا في الهند ولها مركزين أساسين في جزيرة العرب.

 أما الحالة الحوثية فتتقارب مع الطبيعة الصفوية وحالة اقتصادية حربية وجبائية وانتخابية، وطبيعة التفكير وسياقاته المقدسة كما هو سياقاته البيئة المحيطة في دائرة ضيقة يمنعها من مواكبة التغيرات العالمية والإقليمية، وستظل قائمة في ظل هذه التطورات على فكرة القوة المقدسة والقوة العسكرية كأداتين من أدوات تبرير الاقتصاد الحربي وتبرير شرعية الحكم.

وهو ما يعني أن حالة التطور سيكون لصالح التشيع الإسماعيلي لاختلاف مركزية المعتقدين رغم اشتراكهما في كونهما ظاهرتين أسيويتين، وأحد الظواهر المادية الثيوقراطية المعاصرة.

ويأتي التساؤل الإشكالي المتعدد ما هي الظواهر المتوقعة وطبائعها وخصائصها وهل الزيدية متكيفة مع الظاهرة الحوثية كقيمة مفارقة للأصل وهل من الممكن إعادة تجديدها في ظل هذه الأوضاع الصراعية؟ وهذا سيكون موضوعا آخر مرتبط بعدة أبعاد غيرت من طبائع وخصائص الظاهرة. وتلعب العوامل الخفية الدور الأبرز في صناعة الظواهر القائمة.

كما أن الترف ظاهرة مادية لا تختلف في نتائجها مع الفقر، والاثنان معا يعطلان الفكر والإدارة والتنمية ويؤججان ظواهر سلبية تؤدي مستقبلا الى التطرف والعنف.

شاركنا رأيك!