فلسطين بين فلسفة الصراع والقيم الحضارية

د. جمال الهاشمي

تتنوع المفاهيم العسكرية بين الصراع العسكري وأزمة الصراع، وفي المقابل حروب دينية وأخرى حضارية.

 والفروق المميزة لأنواعها موضوعية من حيث الأسس البنوية والمرتكزات؛ إذ يطغى الطابع الوطني على النوع الأول، بينما يتأسس الثاني على الأزمات التفكيكية والبنيات الأيدولوجية المختلفة.

والوطننة في النوع الأول هو من المذاهب المتشظية عن الأيدلوجية القومية الشمولية، ومن سمته أن يأخذ طابع الخطاب السياسي، فالجغرافية في هذا النوع هي المولدة لمفاهيم الأمن الوطني، بينما تأخذ الثانية طابع الصراع على الوطن، وهو من الصراعات المحلية القائمة على مبدأ المنافسة والسلطة.

تعتبر الوطننة من الأيدلوجيات الجزئية القومية أو القطرية المنفصلة عن الرؤية القومية، وهي من المذاهب الحلولية المادية القائمة على مبدأ الجنسية والميلاد، وفي الغرب أكثر تطورا إذ يضاف إليها الميلاد والتجنيس بدرجة ثانية، لارتباط نشأتها بالمادية التربوية والثقافية، بينما تنحصر في دول العالم العربي على الجنسية المرتبطة بنشأة الدول العربية الحديثة وفيها طبقات مختلفة بعضها تعتمد النسب والأخرى تعتمد الثروة والجاه.

ويختزل مذهب الوطننة الحلولية القيم في علم الدولة كشعار متجسد في النفسية المتشظية المتكونة أو المتأصلة على القيم الغربية، والسيادة الوطنية المبنية على نظرية أنا والآخر.  

وهذه الحلولية المادية غيرت المفاهيم والقيم الإنسانية وضيقت مفاهيم التدين ومأددتها مأددة عسكرية واقتصادية، فالرئيس هو نبي هذا الوطن الراعي له والنائب عنه.

ومن الطبيعي أن يتصارع أنبياء المادة المتنافسون على الوطن، ومن خلفهم أحزاب ومكونات يقيمون طقوس العبادة «فاقتلوا أنفسكم”، هذا الاختلاف والتنافس على الثروة والسلطة يهدد الوطن بالتدخلات الخارجية. وصراع المكونات مؤذن بنهاية الدول وزوالها وتغير حدودها المقدسة.

إن وثننة الوطن المجرد عن القيم الحضارية عبودية مادية بحته تؤثر في قيم المجتمعات وتحرفها عن سياقاتها الوظيفية.وهذا منتهى القيم المادية التي توصل إليها العقل الطبيعي، غير أن الوطن لا يكتفي بذاته فهو يحتاج يحتاج إلى قيمة معنوية مهما تمأدد والتثم به العبيد، ولهذا توصلت اليابان إلى أن الإمبراطور إله الأرض ابنا أو نائبا أو مساويا لإله السماء.

وتتنوع المرجعيات للأوطان المقدسة بحسب التأريخية التكوينية لنشأتها، وهي كثيرة ومتنوعة يتداخل مفهوم القداسة المادية بين الوطن المقدس الذي يتمركز على أصولية مركزية مقدسة تمنح الحكام القديسين الشرعية أو تستمنح منهم فتوجب الطاعة.

والفرق بين الشرعية والطاعة أن الأولى ذات قيمة والتاريخية والثانية صنعة سياسية، وعند التصارع على الحكم تعود المفاهيم التاريخية إلى الواجهة.

ومع انفصال اليهود عن القيم التوراتية وتحريفها أو انحرافها عنهم، نشأت معتقدات المدينة الألفية، وهي المفاهيم التاريخية المتمأددة أو المجردة عن القيم التوراتية، لكنها تأخذ طابعا مختلفا عن المدن الألفية في المعتقدات الأخرى ومنقذيها بما فيها بعض معتقدات المهدية في دائرة الإسلام. فيأخذ الوطن فيها أو الدولة أو المدينة طابع الغنوصية المادية.

ولهذا اتخذ اليهود من فلسطين صنما لتصحيح انحرافاتها الدينية، مخالفين نص التوراة الذي عاقبهم بالتيهان في الأرض، وحذر من اجتماعهم لأن ذلك الاجتماع مؤذن بنهايتهم، لأن الأرض التي ملئت بدماء الأنبياء تطهرت من الظلم المحض لأن الصراع باق مع وجوده ألم بالم ورجاء.

فإذا كانت الوطنية قد أخذت طابعا غنوصيا تاريخيا لليهودية وفي المقابل أخذت دولة فلسطين وسكان بيت المقدس طابعا قيميا، وهذه القيم تكسبها البقاء والخلود حتى قيام الساعة. ومن هنا جاء مفهوم الطائفة التي ارتبطت بالأرض المقدسة ربطا وظيفيا.

وارتباط الطائفة ليس بإرادة ذاتية وإنما بإرادة إلهية اصطفائية واختيارية، فمن خرج عنها إلى غيرها أو خالفها افتقد التميز والخصوصية، ووقع عليه التيه اختيارا منه كما وقع على بني إسرائيل حكما عليهم.

ولنقف على منطقين دينين:

إذا برزت فتاوى تدعو الفلسطينيين للهجرة الدينية من الظلم، وهذا يتناقض مع نصوص أخرى تدعو للبقاء فيها وتحبيب الهجرة إليها، ويتنافى مع استمرار وجود الطائفة المنصورة.

لقد كان الصراع الذي دار مع اليهود منذ بداية النكسات وترققها نظرا لأن قيم التحرير ارتبط كان ذات قيمة وطنية وتاريخية وليست حضاريا والتي انتهت بنكسة سبعة وستين وتلتها نكسة حزيران التي غرقت كل عملياتها في صحراء سيناء.

أما حروب المسلمين في أفغانستان ومثله في مناطق أوروبا فقد كانت حروبا سياسية وليست حضارية، لأن موضوع الحضارة أكبر من كونه انتصارا عسكريا فهو يبدأ بالذات ويماهي الآخر المخالف في ذاتيته الحضارية، ولذلك نشأت مصطلحات القطبية لارتباطها بأيدولوجيات حضارية قيمية أو مادية.

فقد ربط السوفيت اعترافه بدولة اليهود رغم ماديته بالأصولية الأرثوذكسية، وهي نفس القيم السياسية الأمريكية النابعة عن الأصولية البروتستانتية، وهو السبب ذاته الذي أسست بريطانيا لوجوده ارتباطا بقيمه الانجيلية، وكانت التيارات العقلانية والإلحادية من أكثر الداعمين لهذا الوجود في المنطقة، إذ أن المورث العقلاني والتاريخي لأوروبا يتبنى تطهير أوروبا من الوجود اليهودي لأسباب أخلاقية وعرقية. وهذا ينحو منحا قوميا. بينما دعم الأرثوذكسية والإنجيلية والبروتستانتية مبني على أصول حضارية دينية.

ومن مؤشرات حضور هذه القيم لدى أتباع المعتقدات الأكثر فاعلية وحضورا في الولايات المتحدة وأوروبا أن نجاح المرشحين للرئاسة قائم على فلسفة القيم الحضارية وهي القيم ذاتها التي تأسست بها بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا القيصرية.

وقد أدركت الأحزاب الأوربية ذلك فجعلت من دعمها أو دفاعها عن دولة إسرائيل شعارا لها.

ومن عجائب فلسطين أنها مركز التأثير العالمي، اتخذتها العديد من الثورات شعار لاستمرارها فنجحت بها الخمينية وتحركت بها ثورات الربيع بكل مكوناته القومية والإسلامية، وجعلته الحركة الحوثية في اليمن أبرز شعارتها التعبوية.

وقد أحدثت تحولات كبيرة أبرزها تغيير الأنظمة وربما الدول، فقد تلاشت كل دويلات الشام في عهد مقاومة حلب بقيادة نور الدين، بينما توسعت قلعة المقاومة وأثمرت قبل نهاية قرن التحرير الأيوبي لارتباطها بالقيم الحضارية الأصولية.

ولما تخلى شاه إيران عنها بإحياء القومية الفارسية واعترف بإسرائيل، لم تنفعه القوة العسكرية والتأييد الأمريكي، ولم يستطع البقاء بقوة الحلفاء الدوليين والولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما وقد كان من أهم أسباب إعلان اتفاقية كامب ديفيد، وبها خسرت مصر وجودها القومي في المنطقة، حتى تمكن الرئيس حسني مبارك من استعادة الدور السياسي مجردا عن القومية، وانتهى هذا الوجود مع قيام الثورة.

 إن فلسطين تصارع الدول المعادية لها بشعوبها لأن يشكل عمقا حضاريا أقوى من أن تبدده السياسات، وبمظلوميتها قامت أكثر المكونات الحزبية الأيدلوجية والإسلامية وتأسست عليها الأيدولوجيات القومية العربية والغربية. وهي أحد وسائل الشرعية للنظم والمكونات الحزبية.

إن السياسات الدينية في الغرب تدرك أن انتصار اليهود في فلسطين سيؤسس لاستعادة القيم الحضارية المسيحية بينما يرى اليهود أن هذه العلاقة الحضارية تضمن بقاؤها، فاليهود امتداد للقيم المادية الغربية والغرب امتداد للقيم الدينية اليهودية.

ويبقى أمامنا النوع الثاني المتعلق بأزمة الصراع وعلاقته بالحروب السياسية والحضارية، وهو منظور أكثر شمولية نحو داخل البيت الفلسطيني العمق الوجودي للحضارة الإسلامية، والثاني من خلال البيت العربي، والثالث من منظور العالمي الإسلامي.

شاركنا رأيك!