فلسطين بين أزمة الصراع وتفكيك البنية الحضارية

د. جمال الهاشمي

بعد أن ذكرنا فلسفة الصراع بصيغه واستراتيجياته المتعددة، والتي مهدت لزوال مفهوم القومية العربية ودول الطوق والممانعة ونشوء الدول القطرية بحدودها الجغرافية والجنسية ومفهوم السيادة الناقصة.

فإن أزمة الصراع الداخلي العربي ظهرت معالمة في ثورات الربيع العربي المتعددة المكونات، وهي من أهم مخاضات السياسة القطرية القومية التي تتنافس على مفهوم القومية العربية انطلاقا من مركزية الفكر القومي المختزل في قضية فلسطين والمسجد الأقصى.

أزمة الصراع من الداخل قسم الدول القطرية إلى سلطة ومعارضة انتهت بثورات الربيع، وقد ساهم الفشل الإداري والفشل في إدارة التعليم من تشكيل نخبا معارضة تبين لها أن معوقات التنمية والأخلاق والقيم الحضارية تأتي من السلطة السياسية، ومارست كردة فعل غير ممنهجة سياسات مضادة وسعت من أزمة الصراع، وتسابقت السلطات والمعارضة على تقديم مبررات للعالم الغربي عبر وسائل الإعلام وقنواته الإعلامية  والمؤتمرات العلمية ومراكز البحوث المشتركة والمنظمات الحقوقية واللقاءات السرية والإعلام المجتمعي عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة.

وباستراتيجية الديمقراطية الغربية التي أصبحت محورا للصراع بين السلطة والمعارضة تشكلت أكبر قاعدة بيانية للعالم الغربي بنيت عليه قرارات استراتيجية مرحلية ولمائة عام جديدة قادمة، ومحورها الحالي هو ضمن سياق العولمة الأمنية نظرا لنجاح القاعدة المؤسسة لمفهوم العولمة الاقتصادية من الأسس العلمية لمفهوم التجارة الإلكترونية، ومن الواقع إلى افتراضاته المتخيلة تتشكل مفاهيم امنيه متعددة وقاعدة مالية واقتصادية أكثر مركزية، مما سيقسم العالم إلى قسمين قسم ينتج وفق خطط الشركات المركزية العالمية بأقل ثمن وهذه القاعدة العامة لعولمة العبيد، وقسم يسوق لهذه المنتجات عالميا وهم السادة.

ولتبسيط ذلك فإن الفلاح العربي والمصري سيتلقى خطة سنوية يشرف عليها مهندسون يتقاضون الأجرة من الشركات العالمية المتمركزة في الدول العظمى ودول الإقليم الكبرى التابعة لهذا النظام، ولن يحتاج إلى تسويقه حيث تتولى الشركات مسؤوليته ومن خلالها يباع ويصدر، وتحول قيمة المنتج إلى الفلاح البسيط بسعر القدرات التشغيلية بينما سيباع بعشرة أضعاف ثمنه إلى المستهلك الإلكتروني أو عبر التسوق الافتراضي والعملات الرقمية الجديدة، وبذلك ستتسع فجوة الثراء بين السادة والعبيد أو بين التجار والمنتجين، وستتحقق نبوة ماركس بالطريقة التي نظر لها، وليست بالوسيلة نفسها.

بمعنى آخر فإن المركزية الاقتصادية ستكون حقيقة ليست بقيادة الدولة الشيوعية التي وضع قواعدها ماركس وتبعه في ذلك لينين وماوتسي كقوة مناهضة لرأسمالية الغرب، ولكن بأيدلوجية الرأسمالية الغربية المنفتحة التي نظر لها على مستوى التطور التاريخي “فوكوياما”.

ويرجع ذلك إلى أن النخب الشيوعية متصلبة ومنغلقة ترتكز على مفاهيم العنف والقوة الصريحة على نفس سلوكيات المعتقدات الدينية التكفيرية، بينما تتسم النخبة الرأسمالية بالعنف الاستراتيجي والسياسة الناعمة، ودبلوماسية الإدارة المجتمعية وإدارة الفرد.

إلا أن الشيوعية إذا تطورت على الفكر الواقعي بما تمتلكه من أسس حضارية في روسيا والصين، فإنها تستطيع ردع العملات الرقمية والتجارة الافتراضية وتجديد مفاهيم المادية الشيوعية، لكنها ستكون أكثر تصلبا في مواجهة الرأسمالية الافتراضية التي بدأت تحولات بطيئة في أوروبا وأكثر تسارعا في الولايات المتحدة واليابان والصين.

وتبقى المنظومة الإسلامية والعربية والإفريقية رهين هذه التحولات، وهي واحدة من أهم أهداف استراتيجية السوق الرأسمالية على مستويات الواقع والافتراض، وبذلك تتشكل مركزية العولمة الاقتصادية والعولمة المالية أو مراكز قوى متعددة لها، ستعيد استراتيجية الحرب الباردة التي سيذهب ضحيتها الدول الفاقدة للوعي الحضاري والمفاهيم الاستراتيجية العالمية والمستقبلية.

لأن مفهوم الحرب الباردة يعني صراع القوى المحلية مع بعضها والدويلات القطرية بدعم من القوى الدولية وكوسيلة من وسائل إعاقة هذه الدول واستنزاف مواردها الطبيعية والبشرية.

ويبقى مفهوم العولمة الحضارية المتمركز بثلاث قواعد حضارية مركزيتها فلسطين وعمقها الاستراتيجي في أوروبا، وفي الولايات المتحدة القلب، وأطرافها بقية دول العالم المسيحي الآخر روسيا وأثيوبيا وجنوب أفريقيا والبرازيل …..

وقد أدركت الولايات المتحدة أزمة الشيوعية في أفغانستان وجاذبية الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وهو ما دفع بروسيا نحو تطوير المفاهيم الشيوعية ومعالجة خلل الأيدلوجية المتصلبة لكنها بطيئة مقارنة بسرعة التطور التي تبذله الصين لتطوير أيدولوجياتها الشيوعية الماتوسية بصبغتها الرأسمالية.

تعتبر أوراسيا وروسيا في الميثولوجيا الغربية والعسكرية التهديد المحتمل للغرب ويرجع ذلك إلى أن هذه الأيدولوجيات الأسيوية دموية، وتمزيقها أو تفكيكها وخلق صراعات عقدية ودينية وعرقية ضروريا لحماية الأمن الغربي من تهديدات الأوروأسيوية وخصوصا الإسلامية ولذلك كان الصراع بالإسلام وتدميره وانتزاعه من تلك البقاع وغرس المسيحية من المفاهيم الاستراتيجية الأمنية للعقلية المسيحية، وأول الخطط الموضوعة لذلك خلق بؤرة صراع  مركزية بين تركيا وإيران، وهذه وروسيا والهند والصين من جهة أخرى، لأن هذه المناطق كفيلة بخلق معتقدات مختلطة على غرار معتقدات السيخ في الهند، والصفوية في أردبيل، وجميعها ووفقا للاستراتيجية التاريخية سيكون توجهها نحو الحضارة الإسلامية في العمق.

هذه الاستراتيجية الاحتياطية ستكون داعمة لاستراتيجية أزمة الصراع القائمة حاليا في منطقة الشرق الأوسط.

استراتيجية أزمة الصراع من الداخل يعني خلق معتقدات وإثنيات وحزبيات وحتى جهويات لتفكيك الدولة على المستوى المحلي لأهميتها في تكفيك الدولة القطرية وتوزيعها إلى جهويات بنمط ومنطقية القبائل العربية شريطة أن تتشكل دول عربية ضعيفة وتابعة على التخوم والأحزمة الأمنية لحماية العمق الحضاري المسيحي في فلسطين مركزية العالم الحضاري.

 وسيكون الضغط على مصر من إثيوبيا والصراع العسكري على الحدود الليبية وطموحات الدولة اليهودية في سيناء إضافة إلى أزمة اقتصاد رأس المال الاجتماعي المصري وتدمير بنية الأخلاق الدينية كفيل بتدمير بنية الدولة الأمنية القطرية وتنمزيقها، كما أن تفكيك السعودية سيكون من الجنوب والشرق والشمال بالتزامن مع دعم الليبرالية المحلية كمقدمة وممهدة للديمقراطية وحرية المعتقدات وحقوق الأقليات.

أما اليمن كدولة عمق بشري وجيوسياسي يهدد خطوط الملاحة الدولية فهو على خارطة أزمة الصراع بين دول عديدة لتكون نهايتها انفصال الشمال عن الجنوب وإنما إعادة نموذج السلطنات في الجنوب وصراع المعتقدات والقبليات في الشمال.

وفي سوريا سيعاد نظام الولايات الممانعة للقيم الحضارية التي عوقت تحرير فلسطين ما يقارب القرن من الزمان وبلغت الحروب التي كانت بين الدويلات والدول المسلمة أضعاف الصراع الذي كان قائما بين دولة العمق الحضاري لإمارة حلب والاستعمار البريطاني.

ويبقى التشيع العربي أزمة فعلية قد تهدد الفعل الحضاري اليهومسيحي في المنطقة قياسا على انموذج الدولة الحمدانية التغلبية التي كانت شاركت في الحروب الصليبية برؤية حضارية تجاوزت المفهوم العقائدي.

لهذا فإن خلق صراع داخل التسنن بين السلفية والإخوان والصوفية، وخلق صراع بين التشيع العربي والتشيع الأعجمي والجهوي كفيل بخلق صراعات أكثر قطرية داخل المكون الواحد، وقد برزت انشقاقات واقعية داخل التشيع ليس الأعجمي فحسب وإنما داخل التشيع العربي، وكذلك داخل السلفية، والإخوان، والصوفية وبعضها.

وعلى غرار التفكك الذي أزم القومية العربية فإن أزمة الصراع داخل المكون أكثر تهديدا على التنمية وأمن المجتمعات واستقرار النظم العربية من الحروب النظامية الدولية والحروب الحضارية والدينية.

فإن قيل أين موقع النظم العربية والمكونات المحلية من هذه التخطيطات، سنعيد الأزمة مباشرة إلى أزمة  فهم القيم الحضارية، وأزمة الارتباط بها.

فتركيا ترتبط بالعمق التاريخي والقومي لوجودها تحت دائرة القيم الحضارية الإسلامية وإيران ترتبط بعمقها التاريخي والجغرافي والحضاري تحت الدائرة نفسها، بينما وفي المقابل تبتعد الدول العربية تدريجيا عن قيمها الحضارية وتمارس سياسة إحلال القيم الحضارية الغربية دون اعتبارات لقيم الخصوصية العربية، وتحت دائرة القيم نفسها.

وكل هذه السياسات المنفصمة بين مفهوم الحضارة والواقع ساهم ويسهم في تفكيك مجتمعات الشرق الأوسط وتذويب حضارته في قيم وثقافات وحضارة الأخر وقد ساهم في ذلك عدة عوامل أهمها:

  • سيطرة الفكر الغنوصي على التفكير الديني وهو فكر يدرس النصوص بمناهج ومفاهيم وعقلانية الحضارات الأخرى حيث تعيش الأمة العربية أزمة منهجية أثرت في سياسة التعليم والتنمية والأمن والتقارب المجتمعي.
  • سيطرة الأيدلوجيات الوافدة على التكوينات الليبرالية والحزبية، وهو أسلوب يعتمد القيم المادية القائمة على ما لدى الآخر من انفتاح وقوة وتمدن وتقدم.
  • سيطرة التقاليد التاريخية، وهو أسلوب تقليدي تعتمده أكثر التيارات الإسلامية التقليدية، وهي على شكلين؛ الأول يعتمد سياسة العزلة واغتراب الذات في المجتمع (لا يضركم من ضل إذ اهتديتم)، والثاني يعتمد سياسة التجييش العاطفي والتعبئة دون رؤية عقلانية واستراتيجية تشكل النموذج الحضاري، وهذا التنظيم ينمو سريعا ويخبت سريعا ويتفكك ذاتيا إلى تكوينات صغرى متناقضة، وتتولد فيه التنظيمات الإرهابية نظرا لاستغلال العاطفة وحرفية النصوص دون قراءة سياقات المنهجية في إنزال النصوص، مما أدى إلى التوحش المجتمعي والفردي من التدين.
  • غياب منهجية التجديد: وهي منهجية حضارية نابعة عن الخصوصية الإسلامية في جميع منظوماتها النفسية والمجتمعية والسياسة والتنموية.

ومن معالم أزمة الصراع انقسام مكونات الفصائل الفلسطينية إلى سلطات وجهويات ومعسكرات منفصلة عن بعضها، وغياب الرؤية المؤسسية الموحدة لوجود الدولة واستمرار المقاومة نظرا لغياب المحددات القومية بالنظر الى رؤية السلطة الفلسطينية، والمحددات الحضارية بالنظر إلى الحركات الإسلامية، والمحددات الإنسانية بالنظر إلى المكونات الدينية.

ولا تخلو الساحة العراقية من أزمة الصراع التي تسعى لتفكيك أصولية الدولة الحديثة إلى دويلات إثنية وعقائدية نحو رؤية استراتيجية مستقبلية موجهة، ولن تكون بمنأى عن ذلك دول المغرب العربي التي بدت فيه ظواهر فكرية متبلدة أخذت سياقات مجتمعية وجهوية تدار بأساليب السياسة الناعمة للقوى العالمية ومنظماتها الدولية.

أزمة الصراع تتوجه ذاتيا بإمكانيات وموارد الدول الإسلامية، وفي حال وضعت أسسا لتجاوز هذه المرحلة مع استحالة ذلك نظرا لانتشار المظلومية والسياسات الانتقامية، فإن الإستراتيجية الاحتياطية ستمارس الفعل ذاته.

وانطلاقا مما سبق فإن تشكيل محور قطبي للمفهوم الحضاري سيشكل قلعة جوهرية لاعادة تطوير وتفعيل وتوسيع وتجديد قيم الحضارة الإسلامية، انطلاقا من إصلاح الأسس البنوية التالية:

  • البنى التعليمية الدنيا والجامعية.
  • بنية القيم المجتمعية.
  • بنية القيم التنموية.

أما التهديد الأكبر الذي يعمق من أزمة الصراع المحلي توظيف مظاهر الجهاد واستغلاله لإحياء المظاهرات الناعمة وتوقيع العرائض المؤيدة وثقافة السلمية والثورة التي تتحول بعد ذلك إلى عنف اجتماعي وتنظيمات إرهابية، فالأزمة البنوية للقيم الحضارية الإسلامية مختزلة في تنظيمات إسلامية وقومية وجهوية وقطرية.

تلك الشعارات التي تزج تضحي بالمجتمعات العزل هي أزمة مفاهيم التجديد والتمكين ومفاهيم العدل الإنسانية العالمية، وكل مفاهيم التعبئة العاطفية الدينية والقومية تهدد منظومة القيم الحضارية الإسلامية، وتزيد من تخلف المجتمعات والتنمية والأمن.

شاركنا رأيك!