عنف العالم: قراءة في الوقائع السياسية لمنطقة الشّرق الأوسط من خلال كتابات نعوم تشومسكي وإدغار موران.

سعاد زريبي / المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

 يعيش العالم المعاصر في مرحلة خطيرة من تطوره المعاكس أي التطور الناتج عن الاستعمال المقلوب لمنتجاته وتقنياته. فلئن شهد العالم المعاصر تطورا ملحوظا في معدلات الإنتاج و الابتكار  التقني إلا أن هده الوسائل قد ساهمت في تشكيل وجه مشوه للإنسانية: تغيير فظيع في الملامح و طمس عنيف للهوية الإنسانية وتضخم للفردانية و تزايد أشكال العنف؛ حيث لا يقتصر العنف على العدوان المادّي والجسدي بين الأفراد، بل قد يطال  أيضا العنف المسلط على الطبيعة والإنسان والعالم الذي تقوده الدُّول المهيمنة؛ عندما يتعلق باستعمال أعمى و لا مشروط وغير مبرّر للتقنية بكلّ ما تعنيه التقنية من الوسائل المدججة بالعنف والقوة من أجل السيطرة على البشر كالمعدات العسكرية والحربية التي تستعملها الدول الكبرى من أجل السيطرة على الشعوب الضعيفة و الهيمنة على ممتلكاتها الطبيعية، أو تلك الوسائل المُعدة ل”عسكرة الفضاء” كأقصى وسيلة عنف تهدد العالم والحياة في العالم.

  إنّ تعدد أشكال العنف يبصم على دخول العالم في مرحلة خطيرة من تفكيره في الآخر والحياة والعالم، حيث كلّ شخص يعتبر مهدد من طرف شخص آخر أو أنه يهدد حياة أشخاص اخرين. لقد تشكلت حلقة مفهومية جديدة في العالم تكشف عمق الكارثة الحضارية و الروحية التي تصيب الإنسانية تعبر عن ملامح مسخ أصابت الإنسانية المعاصرة، تدور هده الحلقة حول مفهوم مركزي وهو الإرهاب بوصفه الموضوع الرسمي للعالم المعاصر. فما هو الإرهاب؟

 يعرف كوفي أنان رئيس منظمة الأمم المتحدة في مارس 2005 الإرهاب بقوله: ” إن أي عمل يشكل إرهابا إذا  ما قصد به التسبب بالموت أو بالأذى الجسدي البليغ لمدنيين أو لغير المقاتلين بقصد تخويف السّكان أو إجبار حكومة أو أية منظمة دولية على القيام أو الامتناع من القيام بأي عمل”[i].

لقد انفتح العالم المعاصر على كلّ أشكال الإرهاب و البربرية الموحشة: حروب ، مجازر، تدمير و اعتداءات أنهكت مفهوم الكينونة معا في العالم وللسلام الدائم بين الأفراد داخل فضاء العالم المفتوح على التنوع  والاختلاف. فإلى أين يسير العالم بكل هذه الانحرافات؟

قد تكون الإجابة مربكة من قبل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران[ii] : نحن نسير إلى الهاوية. أما عن أسباب هذا الوضع العالمي الكارثي يعتبر إدغار موران أن ضعف الوعي بالوجود المشترك يضعف من الإحساس بقيمة الحياة فانتشر البؤس، الفردانية، الأنانية و العزلة. إنّ هذا الوضع المروع لحياة الإنسان المعاصر يكشف عن خلل في التصورات، و بالتّالي ارتباك في التنفيذ،  أي خطأ في اعتبار أن العلم و التقنية أداة للسيطرة على الطبيعة، الانسان والعالم و جريمة في توظيف هذا التقدم التقني والعلمي في مشروع التصفية التقنية ـ العلمية للإنسان وهو مشروع يعمل ضد روح الإنسان و العالم.

      لئن عمل العقل الغربي الحديث على البحث عن سبل بناء قنطرة فوق الهاوية كي لا يقع الانسان في الهوة الفاصلة بين المجال المعرفة[iii] و مجال الأخلاق[iv] من خلال بناء قنطرة فوق الهوة الفاصلة بين المعرفة و الأخلاق كي تجعل المرور بين المجالات ممكن،[v] وذلك عن طريق مملكة الذوق وهو ما عمل على تحقيقه الفيلسوف الألماني كانط من أجل أن يحصد في نهاية مشروعه الفلسفي بالأمل بمستقبل جميل للمعمورة أساسه السلام الدائم[vi] يضم كل البشر، فإن الإنسانية الحالية قد سقطت في الهاوية، هاوية الدمج بين العلم والتقنية والأخلاق لتصدم البشرية بأعمال وأحداث خارج حدود الذوق وخارج إطار المعقول الفكري        والأخلاقي. لقد خرج العلم عن السيطرة وبات يهدد الإنسانية بمنتجاته، فطمس الهوية الأخلاقية للإنسان بوصفه كائنا كريما وطيبا.

يشتغل إدغار موران و نعوم تشومسكي[vii] على تعرية حقيقة العالم المعاصر وفضح سياسته المدمرة للإنسانية والتي تشكل خطرا على مستقبل الإنسان.

تكشف الوقائع الحالية عن تزايد أحداث العنف شكلا وعددا، مما يثير القلق حول مستقبل الحياة الإنسانية ونوعية الروابط الممكنة بين أطراف العالم. لم يعد العالم مع تزايد أحداث العنف فضاء للعيش المشترك بين كل البشر، بل صار ساحة صراع وحلبة تتنازع فيها القوى الكبرى لتحقيق انتصاراتها. يقول ادغار موران في كتابه هل تسير إلى الهاوية؟ “أينما وليت وجهك رأيت النظام في تراجع        والعنف يكتسح بشتى أشكاله… وأصبحت الجريمة المافيوزية ممارسة جارية في سائر أنحاء المعمورة وبات قانون الانتقام بديلا عن قانون العدالة بزعم أنه العدالة الحقة… إننا نمضي صوب الكارثة[viii]“.

لقد صورت الدول الكبرى العالم بتشكيل بيكوني[ix] فظيع، حيث الملامح المشوهة وغياب كل سمات الجمال. لقد وقعت الحضارة المعاصرة في مفترقات قبح فظيعة ، تعيش الإنسانية مند قرن ونيف أي مند بداية الحرب العالمية الأولى إلى حدود حرب الفيروسات أي اللحظة الحالية اهتزازات وتوترات عنيفة و مركبات عنف تهدف الى السيطرة على العالم. يمكننا أن ندكر أهم وأبشع أحداث عنف شهدها العالم المعاصر إضافة إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، هوريشيما ونكازاكي، الاستعمار وتقسيم العالم إلى مستعمرات تحت سلطة الدول الكبرى، عمليات التحرر الوطني في جميع المستعمرات التي أسفرت على العديد من القتلى والمشردين، الاستعمار الصهيوني للأراضي الفلسطينية والمجازر التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينين لعل أبشعها مجزرة صبرا وشتيلة، حرب الخليج، الحرب على الفيتنام، هوريشيما ونكازاكي، أحداث 11 سبتمبر 2001، حرب أفغانستان 2001، القصف الأمريكي على العراق 2003، والحرب على لبنان صيف 2006، الثورات العربية ضد الأنظمة الاستبدادية، حرب الفيروسات والأوبئة الفتاكة كالإيبولا والحمى القلاعية والسارس وانفلونزا الطيور، كما ساهمت الطبيعة بدورها في تفاقم حجم الكارثة التي حلت على الإنسانية بحلول الألفية الجديدة زلزال ايران وباكستان وتسونامي كأبشع حدث عنيف نفذته الطبيعة.

      يعيش العالم المعاصر تحت وطأة عنف يرمي بالإنسانية في حلقة متطورة من البربرية الجديدة، أي بربرية يقودها التقدم التقني والعلمي. يقع العلم في الواجهة أمام حقوق الشعوب وحقوق الانسان وحقوق الأمم في تقرير المصير. لئن ساهم العلم في تقدم مستوى العيش البشري وتحسين ظروف الحياة البشرية، إلا أنه قد كشف أيضا عن تواطئه مع سياسة الدول الكبرى في السيطرة على المكان وعلى البشر، فالقنبلة الذرية التي قتلت 200 ألف قتيل من منتجات التطور التقني والقنبلة النووية التي تهدد العالم اليوم هي أيضا من المنتجات العلمية المتطورة جدا، الأسلحة المستعملة والطائرات التي تقصف الأراضي الفلسطينية، اليمنية، السورية واللبنانية؛ هي أيضا منتوج تقني بشري يستعمل ضد البشر وضد الحياة، إن “الحرب التي أمامنا، يقول موران، تتضمن مكونا إضافيا للبربرية وهو التقدم الخارق للعلم الذي وقع في خدمة مشروع تصفية تقنية علمية لجزء من الإنسانية”[x]. يسير العالم في منحدرات عنف تشكل عولمة موازية من العنف والحرب الجماعية حيث الكلّ ضد الكلّ “وكأن لوثة جينية تجدرت في الداخل وبدأ الجميع و كأنهم ضد الجميع. العنف هو الذي يقودهم و يستشري فيهم”. ربما أفلح العلم في وضع تركيبات رياضية، كيميائية حقيقية إلا أن السياسة نجحت بشكل مغاير في وضع الأكاذيب و التعلات التي تحكم بها من خلال في العالم وتتحكم في مصير الشعوب.

العراق من الحرب على الإرهاب إلى صناعة الإرهاب

لقد شنت الولايات المتحدة حربها على العراق بتعلّة محاربة الإرهاب أو مواجهة الإرهاب وردا على الإرهاب، الا أنها بشكل اخر صنعت الإرهاب داخل المنطقة “كان ماركس يقول :”ثمة شبح يلاحق أروبا اليوم هو شبح الشيوعية ونحن بوسعنا القول: “ثمة شبح يلاحق اليوم النظام العالمي هو شبح الإرهاب “[xi] يعتبر تشومسكي أن الولايات المتحدة هي التي صنعت هدا الخطر الذي يهدد حياة الانسان… تقود الولايات المتحدة الأميركية على حدّ زعمها حربا على الإرهاب ألا أنها في ذات الوقت تبني له فضاءات منظمة ومنتشرة الخطورة داخل العالم وتخلق له كل المشاعر الممكنة القادرة على تأجيج مشاعر الحقد والكراهية التي تنمي قوته وجبروته. لقد شخص الكاتب و الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه أصول وبدايات الإرهاب في العراق. يعتبر الفيلسوف الأمريكي أن الولايات المتحدة هي المسؤول الأساسي عن ظهور الإرهاب في العالم و تطور الجماعات الإسلامية المتشددة أو السلافيين الإسلاميين خاصة وأن عدد كبير من مرتكبي التفجيرات لم يكن لهم أي ماضي جهادي. لدلك تشن الولايات المتحدة حروبها على الدول انطلاقا من مبدأ تحسبي تصنعه بنفسها وهو “الدفاع التحسبي عن النفس” تثريه الكثير من الخطابة و التأثير اللغوي لصناعة الأوهام و المغالطات يقول نعوم تشومسكي: “البلاغة الخطابية دائما ما ترفع المعنويات ويطلب منا أن نبدي إعجابنا بصدق و أمانة للدين ينتجونها”[xii].

تصنع الولايات المتحدة مقاسات وحدود للعالم “كتب المحلل العسكري الإسرائيلي المرموق ريئوفن بداتزور يقول “في زمن القوة العظمة الوحيدة التي لا تعرف الرحمة سبيلا الى قلبها والتي تبغي قولبة العالم على مثال رؤيتها الخاصة للعالم ، أصبحت الأسلحة النووية أداة جذابة لشنّ الحرب حتى على أعداء لا يملكون أسلحة نووية ” كان المخططون الأميركيون و البريطانيون على دراية تامة من أن اجتياح العراق سيفضي على الأرجح إلى إلهاب جذوة الإرهاب و زيادة انتشار أسلحة الدمار الشامل”[xiii]  فسرعان ما تحولت العراق إلى المنطقة السوداء من حيث تصاعد أعداد القتلى وأعداد الإسلاميين المتشددين. لم تفرز الحرب على العراق خسائر بشرية ومادية فحسب، بل تسببت أيضا  في  ارتفاع منسوب الحقد والكره والعدوان على كل الدول؛ فلقد صرح مركز الدراسات الاستراتيجية       والدولية CSIS بعد الحرب على العراق أن العراق قد أصبح أحد المراكز العالمية الأكثر خطورة في العالم لتجنيد وتدريب الإرهابيين الإسلاميين المتشددين ثم ينتشرون في العالم ويقمون بأعمال إرهابية وينشرون رؤاهم المتشددة. والعنف وهو ما عبر عنه منفد تفجير لندن بعد مشاهدته للأعمال التخريبية التي شنتها القوات الأمريكية في العراق، يقول: “لقد خالجني شعور بالحقد من أنه لا بد من إعطاء إشارة ما من عمل شيء ما “. لقد تحولت العراق من بلد تحت سيطرة حاكم مستبد إلى بلد تحت سيطرة الفوضى.

إنّ هدا التحول الفظيع  في حال البلاد والعباد جعل العالم يفقد توازنه ويتضاعف قلقه من مستقبل الوجود المشترك في العالم. يتهم تشومسكي الولايات المتحدة في ما يحدث للعراقيين وما يحدث للشعب الأمريكي لأن صناعة الإرهاب في العراق يسبب القلق و الخوف بالنسبة للشعب الأمريكي أيضا نظرا لتصريحات الخبيران في شؤون مكافحة الإرهاب دانيال بنجامين و ستيفن “إن بوش قد أوجد حمى جديدا للإرهاب في العراق و من شأن هدا الحمى أن يسرع احتمالات وقوع أعمال عنف إسلامية ضد أوروبا و الولايات المتحدة”[xiv]. لم صدرت الحرب الرعب إلى كل أرجاء المعمرة وصار الرعب والخوف الغداء اليومي للإنسان في العالم: هناك عنف  نفسي فظيع يسيطر على عقول البشر.

     يعتبر تشومسكي الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها دولة صانعة للعنف والإرهاب دولة فاشلة يقول تشومسكي: “بالوسع التعرف هنا عن بعض الخصائص الأولية للدولة الفاشلة : أحدها هي عدم القدرة أو عدم الرغبة في حماية مواطنيها من العنف وربما من الدمار نفسه. والنزعة الأخرى هي النزعة الى اعتبار نفسها فوق القانون محليا كان أم دوليا؛ وبالتالي إطلاق يدها في ممارسة العنف و العدوان”[xv].

 يعود تشومسكي إلى الأسباب الأولى لتكون حرب على العراق بتعلة الحرب على منطقة تشكل تهديدا لنظام العالم بامتلاكه لأسلحة دمار شامل في سياسة الولايات المتحدة الأولى مع نظام صدام حسين. ويعتبر أن الولايات المتحدة المسؤول الرسمي عن صناعة “صدام حسين” بوصفه حاكما مستبدا. يقول تشومسكي: “كان توني بلير، كلينتون و أولبرايت يعتبرون صدام حسين وحشا، إنسانا غير سويا، لا نستطيع السماح له بالبقاء، بل إنه وصل بعملياته الوحشية إلى الذروة حينما استخدم أسلحة للدمار الشامل ضد شعبه و ذلك من خلال عمليته المروعة التي قتل فيها الأكراد بالغاز: كل هدا حدث إلا أن هناك بعض الكلمات الناقصة. فقد قام فعلا بأعمال وحشية ليس لها مثيل مستخدما غازا ساما وأسلحة كيميائية ضد شعبه بدعمنا و تأييدنا. فقد استمر تأييدنا و ظل صدام حسين صديقا مفضلا   وشريكا و حليفا… فلقد استمر دعمنا له، بل تزايد و تضاعف”[xvi].

  لقد مارس النظام العراقي السابق أبشع أنواع العنف، يعدّها تشومسكي كأبشع جرائم ارتكبها صدام حسين بدعم أمريكي  من مقتل عشرات الالاف من الآدميين، هروب مليوني إلى ثلاث ملايين لاجئ، إبادة عرقية مروعة للأكراد و تدمير حوالي ثلاثة الاف وخمسمائة  قرية كردية لكن كل هذه الممارسات قد دعمتها الولايات المتحدة.

     ليست المأساة في حدوث الحرب فحسب، بل تكمن المأساة في الحرب النفسية العميقة التي أفرزتها الحرب وفي خروج مركب حقد وكره قد يفتت العالم.

  يعتبر تشومسكي أن الولايات المتحدة الأمريكية قد شكلت بحربها على العراق مفهوم “الدولة التي فوق القانون” أي دولة تأبى على الاعتراف بحقوق الإنسان، حقوق الشعوب وحقوق الأمم في تقرير مصيرها وهو ما يخلق معادة الشعوب للسياسة الأمريكية. إن إحراز الولايات المتحدة صفة دولة فوق القانون يغفر لها جرائهما تجاه الإنسانية. يتهم تشومسكي الولايات المتحدة فيما يحدث للإنسان المعاصر من تضخم منسوب الرعب و القلق فلقد تسببت الحرب على العراق في ارتفاع عدد الهجومات الانتحارية، فسجل العالم فيما يزيد عن 20 سنة أي مند 1980 إلى حدود 2003 أي ما يقارب عن315 هجوما انتحاريا؛ لكن مند الهجوم على العراق إلى حدود اللحظة الراهنة ارتفع العدد إلى ما يزيد عن 400 هجوما انتحاريا. لم تكن السياسة الأمريكية في حربها على العراق من أجل حماية البلاد من أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام حسين سوى كارثة سوداء في تاريخ المنطقة، لما تسببت فيه من تدمير للذاكرة و تاريخ المنطقة. فبعد سنتين من الحرب على العراق يعرب رئيس المعهد الأمريكي للبحوث الأكاديمية ماكغوير غيسون “إن العراق يفقد ثقافته وثروته الحضارية والثقافية”.

قد تكون الحرب كارثة مادية وعنفاً مادياً لا يمكن التسامح فيه وقد يطال العنف الذاكرة والتاريخ والفنون: إنها مأساة العراق الدي أفقدته الحرب ذاكرته  الحضارية والثقافية و الفنية. فأي ذاكرة جديدة ستصنعها شعوب العالم المعاصر للاتين من المستقبل.

 إنّ الطموحات الإمبريالية لا حدود لها، يقول تشومسكي منددا بخروقات الولايات المتحدة في سياستها مع العالم “نرى الدولة المهيمنة تعطي نفسها الحق في شن الحرب كما يحلو لها بموجب مبدأ “الدفاع التحسبي عن النفس”[xvii]. فلا تكمن مسؤولية الولايات المتحدة في حربها المزعومة على الإرهاب والعنف في العالم، بل في كونها أكبر مساهم في صناعة العنف في العالم من حيث سيطرتها على أعلى نسب من مبيعات الأسلحة، فتساهم 38 شركة أمريكية على ما يقدر بستون بالمئة من مبيعات الأسلحة في العالم، أضف إلى ذلك أن وسائل التدمير ونشر الرعب و التدمير بالنسبة للدولة المهيمنة باتت لا تعرف حدودا” يعلق خبير الأسلحة جون بايك على ذلك بأن البرامج الجديدة تسمح للولايات المتحدة بسحق أي مكان في العالم في مهلة لا تتعدى 30 دقيقة بعد الإشعار ومن دون حاجة إلى وجود قاعدة جوية قوية”[xviii]فمن شأن أي دولة وأي فرد أو جماعة في الكرة الأرضية لخطر التدمير الفوري و العنف الأمريكي.

يعتبر تشومسكي أن العالم اليوم مهدد بثلاث أشكال من الرعب التي يمكن أن تقبض أنفس العالم وهي “الحرب النووية، الكارثة البيئية و حقيقة أن الدولة التي تتزعم العالم هي التي تضاعف من احتمال حدوث هذه الكوارث”.

ههنا تتعاضد قوة العلم والتقنية وقوى السياسة من أجل الفتك بالعالم وبالأحرى بكل دولة تهدد الطموحات الأمريكية. تكمن طموحات الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها القمعية تجاه كل دولة تهدد مركزها في العالم، يمكننا أن نحصي بعض النقاط من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم حسب ما وصفها تشومسكي في ما يلي: أولا إن الولايات المتحدة ستحكم العالم بالقوة متجاوزة بذلك كل القوانين الدولية في حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير، فهي تملك الحق في تدمير كل تحدي يهدد مكانتها قبل أن يصبح تهديدا وحربها تلك هي حرب وقائية من أجل الحفاظ على نظام العالم، ثانيا وهو ما سماه ادم سميث “المبدأ الخسيس أسياد البشرية… كلّ شيء لأنفسنا ولا شيء لغيرنا”[xix]، ثالثا إرهابهم ضدنا وضد نظام العالم وإرهابنا من أجل الحفاظ على نظام العالم فالأول شر مطلق والثاني “ملائم جدا” من أجل قيادة العالم و بالتالي تحقق الوعد الرئيس الأمريكي جورج بوش “ما نقوله هو ما سيكون”[xx]

 يعتبر تشومسكي أن الممارسات التي تقوم بها الولايات المتحدة تسبب الشعور بمسؤولية الشعب الأمريكي تجاه ما يحدث، يقول بوصفه مواطناً أمريكياً إن “أصعب مهمة تنتظرنا أي منا هي أن ننظر في المرآة بمنتهى الصّدق”.

فلسطين متى يشفى العالم من فلسطين؟

يعتبر إدغار موران أن القضية الفلسطينية الموضوع الأساسي للظلم في العالم وأن الوضع اللانساني الذي يعيشه الفلسطينيون هو مسؤولية عالمية أي مسؤولية دول داعمة للعدوان الإسرائيلي، وتمثل الولايات المتحدة الداعم الرسمي للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، وذلك سياسيا وعسكريا، فهي تدعم مواقف إسرائيل في السيطرة على الأراضي الفلسطينية وفي دعمها عسكريا وذلك ببيع الأسلحة المتطورة من أجل ممارسة العدوان والتدمير للأراضي الفلسطينية “قتلت إسرائيل ما يقارب من 45 ألفا… والسؤال هنا كيف تتعامل الولايات المتحدة مع كلّ هذا؟ الرد بمنتهى البساطة: تتعامل بالسكوت”[xxi].

يعتبر إدغار موران أن فلسطين بمثابة السرطان الذي يصيب عضو من الجسد، ففلسطين هي العضو المريض أي المصاب بالسرطان الذي يهدد حياة جسد العالم و يصيب روحه بالغثيان. يقول موران إن “الظلم الأكثر خطورة، ليس ماديا و إنما أخلاقيا؛ فهو لا يقاس بالدولارات بل بمدى حرمان البعض من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الأقوياء. السّرطان، الظلم هو النصيب اليومي للشعب الفلسطيني.

إنّ الإهانة المنظمة التي يتعرض إليها الفلسطينيون تحس بها بشكل كبير الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية والإسلامية، فإذا بقي هذا السرطان بلا علاج، وإن لم يعترف بحق الفلسطينيين في بناء دولتهم فإن الوضع العالمي سيزداد خطورة”[xxii]

إن انعدام الاستقرار في المنطقة يمثل انشغال حقيقي بالنسبة للمفكرين الغربيين لأن الوضع المليء بالعنف في المنطقة يسبب ارتفاع الإحساس بالقلق حول المستقبل.

فلئن عدد تشومسكي الخسائر المادية التي أنتجها العدوان الأمريكي وخاصة تضخم سلطة الإرهاب، فإن إدغار موران يعتبر أن فلسطين قضية أخلاقية وأن العنف الدي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين لا أخلاقي ولا مشروع. إن واقع الذي يعيشه الفلسطينيون يجعل من العالم أرض مريضة وتحيل الأوضاع،  يقول إدغار موران “إلى عالم يصعب الإقامة فيه  والاستقرار الآمن وببث و إيجاد كل أشكال الهمجية أو ردود الأفعال المفاجئة و الأصوليات التي تمارس تفتيتا مروعا للعالم”[xxiii].

لا يتوقف العدوان الإسرائيلي من تدمير الأراضي الفلسطينية والتعدي على ممتلكات الفلسطينيين وتعذيب وتشريد مواطنيها، انتهاك الكرامة وتشديد عمليات التعذيب والإرهاب والقتل غير الشرعي وتدمير الممتلكات و التشريد والاقتلاع   والاستيطان والاستلاء على الثروات الأساسية مثل الحياة و الكرامة  بل في جزها في خانة “الدولة الفاقدة للأهمية” أي دولة تمتلك “حقوق سلبية” لأنها دولة تقلق “حفظ النظام” العالمي.

إنّ العنف الذي نندد به هنا، هو العنف المسلط على الفلسطينيين “وماذا عن الفلسطينيين؟ إنهم أناس ليس لديهم أي ثراء، ليس لديهم أي قوة ومن ثمة فليس لديهم أية حقوق إن الأمر أشبه بالعملية الحسابية”[xxiv]. إنها أبشع أنواع العنف التي تمارسها الأنظمة المستبدة المالكة للأسلحة على الشعوب التي لا تمتلك الأسلحة.

 ختاما يقول إدغار موران “نحن ضائعون في هذا العالم: إنه الهلاك؛ لكن هذه البقعة الضائعة هي عالمنا بنباتاته وحيواناته لكن هذه البقعة الضائعة هي بيتنا المشترك وحديقتنا التي يجب حراثتها”.[xxv]

  على العالم المعاصر التفكير في طرق للخلاص من المأساة التي صنعها بنفسه بسكوته وموافقته على سياسات الدّول الكبرى.


[i] تشومسكي، من يمتلك العالم؟، ترجمة أسعد الحسين ،دار نينوى للدراسات و النشر والتوزيع ،سوريا ،2014

[ii] فيلسوف و عالم اجتماع فرنسي تميز بدفاعه على الانسان من خلال تندده بكل أشكال العنف والتطرف في العالم .يدعو إدغار موران إلى ضرورة إحترام قواعد العيش المشترك داخل العالم الدي يجب أن يتأسس على التضامن وإعتبار العالم “وطن” الجميع من كتاباته :إلى أين يسير العالم؟،ثقافة أوروبا و بربريتها…

[iii] كانط  ،مقد العقل المحض ،ترجمة غانم هنا ،مركز دراسات الوحدة العربية .

[iv] كانط ،نقد العقل العملي، ترجمة غانم هنا ،دراسات الوحدة العربية .

[v] كانط ، نقد ملكة الحكم ،ترجمة غانم هنا ،مركز دراسات الوحدة العربية .

[vi] Kant, Projet de Paix perpétuelle,in œuvre philosophique , Paris ,Gallimard, 1986 .

[vii] فيلسوف أمريكي وعالم لسانيات ،إتسم بمعاداته للسياسة الأمريكية وخروقاتها في الاستبداد بالشعوب و التدخل في مصيرهم و خاصة سياستها في الشرق الأوسط ويعتبر تشومسكي أن الولايات المتحدة الأمريكية تأخذ ملامح الدولة الفاشلة .من أبرز كتاباته :من يقود العالم ؟،الدولة الفاشلة وإساءة استعمال القوة ،الربح فوق الشعب ،طموحات إمبريالية ،أوهام الشرق الأوسط …

[viii] إدغار موران ،هل نسير إلى الهاوية ترجمة عبد الرحيم حزر ،إفريقيا الشرق ،المغرب،2012،ص12، ص15

[ix] نسبة إلى رسومات فرنسيس بيكون

[x] ادغار موران ،ثقافة أوروبا و بربريتها ،ترجمة محمد الهلالي ،دار توبقال للنشر ،الطبعة الأولى 2007، ص 58

[xi] ع جان بودريار ،نف العالم ،ترجمة عزيز توقا دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا،2005 ،ص 65

 [xii]  من يمتلك العالم؟، ص 11

[xiii] نفس المصدر ، ص 27

[xiv] المصدر نفسه ، ص 31

[xv] نفس المصدر، ص 8

[xvi] تشومسكي أوهام الشرق الأوسط ـ تعريب شيرين فهمي ،مكتبة الشروق الدولية ،الطبعة الثانية ،2006،ص 51

[xvii] تشومسكي ،طموحات إمبريالية ،ترجمة عمر الأيوبي ،دار الكتاب العربي ،لبنان ،2006،ص 10

[xviii] تشومسكي ،أوهام الشرق الأوسط ،ص 19

[xix] طموحات إمبريالية ،ص 11

[xx]  تشومسكي ،أوهام الشرق الأوسط، ص 38

[xxi] تشومسكي ،أوهام الشرق الأوسط ،ص 56

[xxii] عنف العالم ،81

[xxiii] عنف العالم ،مقدمة إبراهيم محمود ، ص 35

[xxiv] أوهام الشرق الأوسط ،67

[xxv] إدغار موران ،عنف العالم ،ص 91

شاركنا رأيك!