علم الكلام المعاصر بين أصالة المحتوى وحداثة الموضوعات (رؤية نقدية)

           د. رضوان ضياء الدين

أستاذ جامعي ومتكلم ومفكر إسلامي

علم الكلام هو من العلوم ذات التكيّف الزمكاني لقدرته على مواكبة تطور المسائل التي تمس صلب العقيدة الاسلامية ، فهو علم يهتم بمسائل العقيدة الدينية والدفاع عنها أمام باقي الرؤى الدينية والعقدية الأخرى . فهو كما عرّفه المختصون بأنه (( علم يُقتدرُ به على اثبات العقائد الدينية مكتسبة من أدلتها اليقينية القرآن والسنة الصحيحة لإقامة الحجج والبراهين العقلية والنقلية وردّ الشبهات عن الاسلام ))(1) ، أو كما عرّفه عضد الدين الأيجي (( علم يُقتدر به على اثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه ))(2) . وغيرها من التعريفات التي لا تخرج عن اطاره الموضوعي العام وهو الدفاع عن العقيدة الدينية ودفع الشبهات عنها .

  إذ تكفّل هذا العلم بالدفاع عن العقيدة التوحيدية للإسلام فضلاً عن النبوة والمعاد ، فتعدّ هذه الثلاثة الأصول العقدية المشتركة لدى جميع المسلمين وإن اختلفوا في تفاصيلها سعةً وضيقاً .

  وقد اختلف علماء الاسلام في هذا العلم بين القبول والرد والحياد وأخذ هذا الاختلاف ردحاً من حياة الاسلام العلمية اثباتاً ونفياً ، فهو بالأساس مصمم للدفاع عن الأصول العقدية الاسلامية قبال الرؤى العقدية الاخرى التي تشاطر الاسلام بيئياً وجغرافياً سواء كانت مخالفة له أو موافقة .  

  وعلى ما يبدو أنّ هذا العلم قديم بقدم دفاع الانسان عن بيئته الدينية وبما يراه عقيدة ، فهو وإن ارتبط بالإسلام غير أنّه أقدم من الاسلام نفسه . إذ نرى أنّ القرآن الكريم يزخر بمسائل كلامية كلّية أو جزئية سبقت الاسلام دينياً ، فالمتأمل للقصص القرآني المختص بالأنبياء أو غيرهم يجد أنّ أغلب المسائل المطروحة هي مسائل كلامية وإن لم تسمَ بهذا المسمى وبالأخص ما يتعلّق بمسألة التوحيد وعبادة الإله الواحد في دعوة الرسل والانبياء ، غير أنّ هذا العلم أخذ دوراً كبيراً في الاسلام ويرجع السبب في ذلك على ما يبدو إلى الرقعة الجغرافية التي ظهر الاسلام فيها وتوسع عليها ، إذ تنوعت بها المصادر الدينية العقديّة لوجود ديانات كاليهودية والمسيحية من جانب ووجود عقيدة تعدد الآلهة من جانب آخر ، فهذان الأمران كان لهما أثر كبير في رسم صورة طبيعة المسائل الكلامية للإسلام في عصر نشؤه من جهة توحيد الآلهة ونفي أن يكون الإله أباً .

  ولكن لتطور الاسلام علمياً وتوسعه مجتمعيا واتساعه على بقعة جغرافية كبيرة فيما بعد ودخول أقوام من غير العرب الى الاسلام وكما لا يفوتنا الدور السياسي الذي لعبته الخلافة وخلافاتها أثراً كبيراً في نمو هذا العلم وتناميه فضلاً على تحويل بوصلته العلمية داخلياً والبحث في تفاصيل المبادئ العقدية الأساسية للإسلام موجهاً فيما بعد انظار بحثه نحو الاختلافات بين المذاهب العقدية الاسلامية ذات النشوء السياسي في أغلبها ، فظهرت بذلك نزاعات كلامية بين الفرق كالشيعة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والسلفية وصلت الى حدّ الاقتتال والقتل والنفي وحتى حرق المؤلفات والتهجير ، ومع ذلك فهو أيضاً لم يغفل الدفاع الخارجي للعقيدة الاسلامية أمام العقائد الدينية الأخرى . وشيئاً فشيئاً وصل هذا العلم الى قمة الرواج في القرنين الرابع والخامس الهجريين فضلاً عن التماهي مع السلطة الحاكمة والدفاع عن رؤاها السياسية التي ألبست ثوب العقيدة في أحايين كثيرة الى ان أصابه الأفول في منتصف ونهايات القرن الثامن الهجري فضلاً عن الانغلاق المذهبي .

  يعتمد هذا العلم على نوعين من الأدلة ، الأدلة العقلية والتي هي عبارة عن مزيج من المقولات الفلسفية والاستنتاجات المنطقية والرؤى الفكرية مرتبة ترتيباً منطقياً أرسطاليسياً للدفاع عمّا يروه أسساً عقدية ودينية . وأدلة نقلية وهي مزيج من آيات قرآنية ونصوص حديثية وسيرة تاريخية جعلت للدفاع عن الأدلة العقلية أو معززات لها . والمتكلمين وإن جعلوا من الأدلة العقلية أساساً في أثبات العقيدة غير أنهم يعتمدون بالأساس على الادلة النقلية مسبقاً لإثبات العقيدة كلامياً .

  وتجدر الاشارة الى أنّ السنة لعبت دوراً مفصلياً في مسائل علم كلام التفصيلية بين المذاهب الاسلامية فبإختلافها واختلاف مصادرها أدت الى ظهور مقولات دينية اسلامية متعددة فضلاً عن الرؤى المذهبية في مسائل التوحيد من مثل الصفات والأفعال للذات الإلهية ، ومسائل النبوة وعصمة الأنبياء وحدودها سعةً وضيقاً ، ناهيك عن موضوعات أخرى كالعدالة والإمامة وتفصيلات أخرى وكان للإسرائيليات والمسيحيات والغلو دور كبير في ظهورها نظراً لاختراق السنة تاريخياً والوضع والتدليس فيها .

  ومع بداية القرن الثامن الهجري بدأ هذا العلم بالانغلاق على مسائل الخلافات المذهبية داخل الاطار الاسلامي ولم يتعداها ولم يطور من قبلياته إلّا في بعض الفذلكات الشخصية تبعاً لشخصية المؤلف بل أصبح أداة لتوسيع الخلاف المذهبي ، فأمسى علماً لإثبات ما هو مثبت  .  

  وفي منتصف القرن الثالث عشر الهجري – التاسع عشر الميلادي – وللاحتكاك المباشر بين الغرب الثائر على تراثه والشرق المحافظ عليه وظهور المستشرقين والرؤى التي حاولت أن تعطي صورة واضحة مستجدّة لفلسفة الدين وماهيته وطبيعته وواقع الاحتياج المجتمعي له من عدمها ، ظهرت مسائل جديدة وموضوعات متنوعة احتيج بها لعلام الكلام أكثر من احتياج المسلمين الى الفقه والعقيدة نفسهما ، لأنّ كلا العلمين ليسا قادرين للدفاع

عن المسلم بقدر ما يؤمنه علم الكلام من وسائل علمية دفاعية ، ولكن الذي حدث أنّ المسائل الجديدة وُوجهت بسيف من خشب فقد رجع المسلمون في ردودهم عليها إلى ما تعاهدوه من كلاسيكيات علم الكلام للدفاع عن الاسلام والتي أصابها الصدأ المذهبي دون النظر الى عامل التغير الزمني للمسائل والاتجاه التطويري لمناهج البحث العلمي في العلوم الانسانية ، فلذا احتيج الى ظهور علم كلام جديد ومعاصر يستمد جذوره من علم الكلام القديم اعتماداً على أصالة محتواه العلمي انطلاقاً الى حداثة الرؤى وطريقة التفكير والدفاع .  

  إنّ الحاجة الى ظهور علم كلام معاصر من جهة والتمسك بعلم الكلام القديم خلقت فوهة زمنية واسعة في طبيعة التعاطي مع المسائل المطروحة والموجهة الى الاسلام فمن غير المجدي أن تكون مسائل الإلحاد الحالي تعتمد على نظريات بايولوجية تفسيراً ، بينما ينزوي الاسلام الى زوايا فلسفة التبرير الدفاعي الفلسفي التي عفى عليها الزمن فالإلحاد ايضاً تطورت مسائلة وتنقلّت من الفلسفة الى العلوم الصرفة ، فاللازم أن تكون الردود من سنخ الشبهات لا مغايرة لها ، وهذا للأسف من الأمور التي أدت الى ظهور التباين الفكري والتشدد الديني في المجتمعات الاسلامية .

 إذ أنه كان ولمدة زمنية امتدّت الى ما يُقارب أربعة قرون قد تحولت بوصلة علم الكلام علمياً الى الداخل الاسلامي مذهبياً ، فكل مذهب وفرقة عقدية استعملته في سبيل ترصين دفاعاتها العقدية بما تراه عقلاً ونقلاً دون ملاحظة حركية سير المجتمعات وتطورات مسائلها العلمية فأمسى غير مهتم إلا بالمسائل الدينية العقدية حصراً .

  إننا اليوم كمجتمعات اسلامية تتعرض الى التصدع الديني عقدياً ملزمون بإعادة احياء هذا العلم ولكن ليس بصورته الكلاسيكية النمطية التي تعيش ذهنيتها في القرنين الرابع والخامس الهجريين ، نحتاج إليه مطوراً لترصين الدفاعات الاسلامية ودفع الشبهات التي تطرأ في دراسة الاسلام من قبل المسلمين وغير المسلمين ، فلا الفقه ولا العقيدة قادران اليوم على مجاراة الانفجار العلمي والمعلوماتي للإنسانية وتواشجها ، فعلم الكلام المعاصر اليوم يشبه بدراساته ومسائله الفكر الانساني الاسلامي أكثر مما هو يشبه بدارساته الفكر الديني الاسلامي ، فهو للفكر أقرب منه للعقيدة ، إذ أصبحت منظومته المعرفية أوسع من ذي قبل لتوسع المسائل التي تطرح على الاسلام داخلياً وخارجياً .  ومن هذا المنطلق فنحن بحاجة الى علم الكلام المعاصر ليُجيب عن مزيج المسائل التي تطرح على الاسلام باعتباره ظاهره دينية لا دين .

  فالمسائل التي يجب أن يتناولها هذا العلم معاصراً مزيج من العقيدة الكلّية والقرآن والسنة والتاريخ والفقه نظراً لتشعب الشبهات التي توجه للإسلام لا خصوص المسائل العقدية وإن كانت تحتل مساحة واسعة فيه ، وعليه فعلم الكلام المعاصر اليوم أمام أن يُقسّم مسائله على قسمين :

القسم الأول 🙁 المسائل الدينية ) : وتتمحور الدراسة فيها حول المسائل الدينية العقدية ولكن بصورة موائمة للواقع المعاش ، بعيداً عن التجاذبات المذهبية تمسكاً بالأصول المتفق والمجمع عليها ، والمسائل التي تختص بالقرآن والسنة . 

القسم الثاني : (المسائل الفكرية) : وتتمحور الدراسة فيها حول المسائل المطروحة على الساحة من شبهات حول الأحكام فقهية  وتاريخ المسلمين وعوامل نشوء السنة والتدوين القرآني وطبيعة المجتمع الاسلامي .

 فإننا لو أردنا الدفاع عن الاسلام فلا يمكننا أن نصول بسيف من خشب أمام مدافع فكرية متطورة بل علينا ان نطور علم الكلام بشكل معاصر ونوسع مساحته العلمية بما يتوائم مع عصر الحداثة وما بعدها لدراسة الاسلام كظاهرة مجتمعية لها صبغة دينية تستحق الوقوف عليها وفق آليات منهجية حديثة في دراسة العلوم الإنسانية مبتعدين قليلاً عن الافراط في المقدّس أو التفريد به .   

هوامش البحث :

1 . تحفة المريد على جوهرة التوحيد : ابراهيم الباجوري : ص 38 .

2 . المواقف : ص7                 

شاركنا رأيك!