عقلنة المعايير الفقهية بين ضوابط التجديد ومفاسد التبديد: قراءة في السياقات التاريخية

د. جمال الهاشمي

ثنائية بدأت متناقضة في واقعنا الحديث والمعاصر بين معايير النص من جهة ومعايير العقلنة من جهة أخرى، فتوسعت دوائر المعتقدات وملحقاتها والطوائف ومكوناتها والإثننة ونفسياتها.

ولتفكيك أزمات الواقع في الفكر والرؤية والدين فلن أو لا يكون إلا بالعودة إلى متجذراتها التاريخية، سياقات ومساقات وانحرافات. بهذه الثلاثية التشكيلية تشكل الواقع المتأزم والهويات المأزومة المتجمد تارة في شكل أنصاب وأصنام والمتميعة في قعقعة ونقل وآراء، وبين الرذيلتين يسمى الجمود والنقل تقليدا.

وثمار التقليد كآلية منهجية منبوذة تتسمى التقاليد وهي التي أصبحت واحدة من أهم مصادر الدخل للدولة، وواحدة من أهم اقتصاديات الخدمة التي تتشكل في قطاعات الترفيه والسياحة.

فالمقلد على أمرين مقلد على اجتهاد وهو دون المجتهد، ومقلد أعمى على جهل وهو أحد أوبئة التاريخ، والأدمغة المنحرفة بالتدين عن مقاصد الدين، وهذا التراث هو السائد في تاريخ الإسلام وأكثره تدوينا وشرحا وتفصيلا.

 مرت القرون الثلاثة الأولى من بزوغ فجر الإسلام وكانت أكثرها إثارة وإنارة واجتهادا فقد كان خير القرون وفيها تشكلت القواعد الأسية أو الأصول العقلية التي بنيت عليها مجالات الفقه كعلم من علوم السياسيات المدنية وهي مدار الثقافية المجتمعية، والحكم كعلم من العلوم الإدارية وهي مدار العقلية السياسية، والأمن كعلم من علوم الجندية (العسكرية) وهي مدار العقلية الجيواستراتيجية، والتدبير كعلم من علوم الاقتصاد وهي مدار العقلية التنموية.

وقد برز في هذه الحقبة التاريخية تناقضات عسكرية في مواقع الجمل وصفين، نتيجة فكر ورؤية واجتهاد بين قيم العدل كقيمة مطلقة على أصولها النظرية المتجردة عن الواقع ومتغيراته، وبين بين العدل كقيمة نسبية مبني على شروطه العدلية وضوابط إنزاله وتطبيقه.

 في الأولى قيمة مجردة تتناقض مع تطبيقات العدل و نزعة مثالية اضطربت بين أصولية النص والعقل؛ إذ الأصل فيهما التكامل، –  وقد سار عليه الفريقان المعارضان أبرز أئمة الفقه في القضاء علي بن أبي طالب، الذي رأى أن الفصل بين النص وشروط تطبيقه من مسببات الفرقة والتناقض، ولذلك وضع المقاصد العدلية ضمن سياقات فهم النص، وسياقات فهم النص يكون بواقعه، لا سيما وهو أقضي الأمة وأعلمها بأحكام النص والعقل والمصلحة.

ولأنه كان قاضيا عدلا فقد تجنب الدهاء في السياسة وحيلها البراجماتية لأنه كان ترجمان التشريع النظري وأحد الأعمدة الأربعة في التأصيل والتطبيق الوجود لمفاهيم القرآن والسنة والصحبة، بينما انفصل الخوارج كدعاة للتجريد بالقرآن عن القيم العملية لوجود النبوة وهو ما تشكلت به الصحبة النبوية كقيمة شرعية لبقاء هذه الأمة رغم الفتن التي اعتصرت برأس الدولة وأصولها الاجتماعية في عهد الخلفية الرابع علي بن أبي طالب الذي تعرض للتكفير الناتج عن التفكير والرأي دون رؤى واستدلالات منهجية، ووضعت القاعدة التي أسست لثقافة التطاول على الصحابة وتكفيرهم ونفي الصحبة عنهم.

فقد كان علي رضي الله عنه جزء من التشريعات العملية للنبوة، وأحد مفككي ثقافة التكفير،

والمشرع لا بد أن يكون واضحا بينا، كواحد من الخلفاء الأربعة المنصوص عليهم بالسنة النبوية الخالدة “اتبعوا سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي،” وبتوكيد الصحبة القرآنية «محمد رسول الله والذين آمنوا معه”. وقد كانت هذه الفترة ثاني السياقات العقلانية الموضوعية لعقلانية النص بعد خلافة النبوة.

  وفي أحاديث آخرى وضعت المحددات الزمنية، للخلافة الراشدة قبل بدايتها، وقبل انتقالها ببرزخ الصلح الفاصل بين نظام اكتملت فيه معايير العلم النبوي الذي انتهت فترته الزمنية باستشهاد الخليفة الراشد ابن أبي طالب رضي الله عنه، وبداية عهد جديد كان أكثر اقترانا بالواقع ضمن محددات النص بقيادة الحسن بن علي أحد أهم معالم الفكر الواقعي الحضاري وأبرز معالم التغيير في الفكر السياسي الإسلامي.

وفي هذا النص توكيد على شرعية الحكم الإسلامي المتموضع بالملكية العاضة وهي دون القيمة والعدل المنصوص عليه بالخلافة ومن الأنظمة العقلانية في تشريعات أهل الكتاب بل هي من نعم الله على المجتمعات والأمم السابقة وأمة الإسلام  مع وجود الوحي كشرع من قبلنا “وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا”  وهو من أصول الفكر السياسي الإسلامي يوهب ولا يتنزع، ولا يكون موهوبا إلا باجتماع مقومات التمكين، ومتى شاء الله نزعه بفتنة محلية أو حروب خارجية أو باغتيالات سياسية تؤسس لعهد جديد من الحكم على غرار انتقال حكم الخلافة الراشدة المحددة بثلاثين عام إلى الملكية العاضة.

إن هذا التحول في نظام الحكم الإسلامي نتيجة الاختلاف بين الصحبة العدول قد توج بسياق آخر من العلم المصلحي بقيادة السيد الحسن بن علي رضي الله عنه وهو ثمرة التغيير والتحول، وقد جاء بنص نبوي سابق وجاء الصلح مفسرا لسياقاته المنهجية “إن ابني هذا سيدا يصلح الله به بين طائفين كبيرتين من المؤمنين” والله يقول: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”

وفي هذه الرؤية الحسنية وضعت أصول علم السياسة الواقعية، وعلى أساسها قامت أركان وأصول الدولتين الأموية والعباسية.

وقد جاء الصلح بالتدخل فلم يكن القتال بين الحسن ومعاوية وإنما بين علي ومعاوية وكلهم عدول بنسب تتفاوت بتفاوت العلم والصحبة، أما القدرة فلكل منهم خصوصية يتميز بها عن الآخر، والفرق بين علم العدالة وعلم القدرة أن الأولى من المتعلقات الشرعية. أما الثانية فهي من المتعلقات العقلية.

ولهذا كان الصلح مرغما على الفئة التي لو خالفت الصلح لاجتمع عليها المؤمنون بالقتال حتى تنزل على حكم المصالحة أو تفنى لأن “حتى” في اللغة تفيد الغاية، والغاية من القتال ينقطع بالصلح وتحقيق المصالحة بالعدل.

أما الحكم فمتحدد بالبغي وليس التكفير، والبغي محدد بالقتال السياسي أو القتال عن قضية معينة، وليس القتال العشوائي المطلق الذي يفرض على المجتمعات كفرض الخوارج على المجتمعات الآمنة.

إن هذه الحقبة الحسنية الرائدة في تاريخ الأمة هي التي أصلت لعقلانية النص القرآني ونصوص السنة، ، وهي المرجعية المنهجية للعقل الإسلامي المؤسس للمعايير الفقيهة.

وقد تجدد نموذج اختلاف الصحبة بعد تنازل الأمير معاوية بن يزيد عن الحكم، وخلال حكم يزيد مع عبد الله ابن الزبير ثم بينه وبين البيت المرواني، إذ بدأ الأول داعيا لتجديد مفهوم الخلافة الراشدة، والتي انتهت فترتها الزمنية بالثلاثين السنة المحددة، وهو ما لم تنص عليه النبوة ولم تدعو إليه ولم تجعله من أصول الحكم، فكان التكلف باستحضارها وإعادة النموذج الأول الذي لم يكن ولن يكن له مثيل إلا بنبوة جديدة تنزل من السماء مع النبي المنتظر “عيسى عليه السلام” وسيكون من يليه خلفاء ولمدة ثلاثين سنة أخرى وبهذا تكون جملة الخلافة الراشدة مجتمعة تنظيمين وتربيتين تنظيم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو الأساس الأول  لمعالم التاريخي الإسلامي ومرجعيته الباقية، وتنظيم عيسى عليه الصلاة والسلام هو الأساس الثاني للتنظيم بالمرجعية المحمدية  قبل نهاية التاريخ.

ولم يرد نص الخلافة في القرآن إلا في موضعين أحدهما مطلقا وقد ارتبط بمساقات التنمية، والثاني مخصصا وقد ارتبط بمساقات الحكم.

ومن ثم فإن النبوة والخلافة الراشدة هي محدد من محددات الحكم والتفكير والرؤية وليست انموذجا، بعدة استدلالات منها:

  • أن الخلافة قد انتهت بنص النبوة المحددة بثلاثين عام وهي جزء من واقعية النبوة وقيمة مرجعية أسسها الصديق وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم.
  • أن الخلافة ضمن مبشرات النبوة وخاتمة الزمان وقد أعلنت النبوة والقرآن بقيادة نبوية بقيادة النبي عيسى عليه السلام “وإنه لعلم للساعة”.

وقد وقعت خروقات مخالفة للسنة منها:

  • فكر الخوارج: وقد بدأ هذا الفكر مناقضا للخلافة الراشدة، في النص الثاني منها (فترة عثمان وعلي) والبعض تطرف وطالب بمثالية القرآن، فأقاموا منه قليله، وتناقضوا مع كثيره، وما كان قليله ارتبط بترقية الذات، وما كان كثيره ارتبط بالحكم ومصالح النص.

وقد ساهمت هذه الحركة من توسيع عقلانية النص، وبرزت فيها أصوليات القضاء العلوي في أهم ثلاثة محاور:

الأول: محور العقيدة وهو الأكثر تهديدا وخطرا على الأمن المجتمعي وأمن الدولة والدين وفيها أعلن حربه على الخوارج في أعظم معارك التاريخ داخل الحضارة الإسلامية المعروفة بالنهروان، وعلى أصوله سارت إمارة ابن الزبير والدولة الأموية.

ومن أهم ملامح هذه الفرقة وإن تغيرت معالمها الدعوة الشعبية والجماهيرية للخروج بصورها الإعلامية والإكراهية أو بارتباطها بالسلطة وتوظيفها لمصالحها، وتتنوع إلى مذاهب فكرية وأخرى عسكرية جميعها تدعي إلى السنة والقرآن بالمخالفة والمغايرة.

ومن هذه الدعوات المعاصرة تسمية عصور ما بعد الخلافة الراشدة بالخلافة، مع أنه وصفه ملكا وإمارة في نصوص السنة، والبعض يدعو الى تأسيس الخلافة الراشدة كدعوة الخوارج القدامى إلى خلافة النبوة.

فعندما كانت الخلافة الراشدة قائمة طالب الخوارج بخلافة النبوة، ولما كانت خلافة النبوة قائمة طالب الخويصرة بتحكيم القرآن على من أنزل عليه القرآن وشطط فيه وقال: “اعدل يا محمد فإنك لم تعدل”.

والحكم عندي أن كل من يدعو إلى الخلافة من حزب وداعية فإنما هو من ضمن هولاء ومخالف للقرآن والسنة، وكل داعية للخروج على الحاكم ما لم يُظهر كفرا ومخالفة ومغايرة للمنهجية الإسلامية الحضارية.

الثاني: محور السياسة: وهي ثاني أكثر المسائل تهديدا للأمن والسلم المجتمعي، ولذلك كان قتال علي بن أبي طالب لمعاوية قائما على مصلحة شرعية أدركها على ولم يدركها معاوية، ويندرج فيها كل فرد وحزب وتنظيم يجعل من المظلومية وسيلة، ومن السلطة غاية وهدفا

فالسياسة من العلوم المدنية المنضبطة بمحدداتها الأصولية أو الشرعية، وليست أصلا من أصول الدين، ولكنها مصلحة معتبرة، ولا يكون فيها إلا من كان مدركا لها، بعلم فطري لدني كعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، أو علما مكتسبا كعمر بن عبد العزيز، وتثبت الولاية بالتعيين وقد عين أبو بكر عمر بن الخطاب، أو بالشورى وقد أسسها عمر بن الخطاب لمن بعده وصارت نهجا لكل من عثمان وعلي.

ومن ثم فإن الترشيح وفقا للمفهوم الديمقراطي يخالف قواعد ومعايير الشورى كمحدد ضابط ومعيار ثابت من معايير وضوابط الحكم الإسلامي وخصوصيته الحضارية.

الثالث: محور الثورة المجتمعية، وهي من أهم سياقات المظلومية كوسيلة من وسائل تجييش العواطف البشرية بقيم دينية أو إنسانية وقد ظهرت أحكامها بمواجهة الخليفة علي قاضي الأمة لقادة موقعة الجمل وفيها عدول الصحابة كأم المؤمنين عائشة واثنين من المبشرين بالجنة ومن المرشحين للخلافة ضمن الشورى الستة بعد من الخليفة الثاني رضي الله عنهم جميعا.

هذه الأحكام الثلاثة تندرج ضمن قاعدة المصلحة العامة للمجتمع وهي من خصوصيات السلطة السياسية ومن أهم وظائفها في ثلاثة أمور: حماية الدين بحماية الأصول المنهجية، وهي وظيفة تنموية وليست وظيفة إكراهية ما لم يظهر من الفكر المنحرف أعمال تدينه بالعنف وتهديد الأمن والسلم المجتمعي.

ذلك أن تسيس السلطة السياسية للدين والمجتمع أكثر تهديد للأمن والسلم المجتمعي وقد كانت من أهم أسباب زوال دولة بني العباس.

حماية الإدارة بحماية أصوله الوظيفية وفقا لمعايير القدرة والكفاءة والفطنة، وقد وردت أكثر محدداتها في سياسة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي ورد فيه نص نبوي “فلم أر عبقريّاً يَفْري فَرْيَهُ، حتَّى روي النَّاس، وضربوا بِعَطَن”.

وثالثها: حماية المجتمع من استغلال العواطف الإنسانية والإيمانية ودمجهم خارج قيادة ولي الأمر في صراعات عقائدية وطائفية وإثنية، وذلك بتنمية المجتمعات ومعالجة أزماتها المادية والنظر في مناهجها التربوية وفقا للضوابط المنهجية.

أن أكثر الأمور تهديدا للفقه الإسلامي أن تحتجب الأصول العملية بأصول نظرية مجردة عن سياقاتها المنهجية، فالكتابات المتعلقة بصور من حياة الصحابة والعبقرية والتمثيليات الدينية لا تؤسس للرؤية المنهجية لأنها موجهة بعواطف الإنسان، وهي بذلك تجيش العواطف المثالية المجردة عن الواقع كمجلدات علو الأمة في صلاح الأمة التي فيها تشددا في الدين وتنطع وصور قصصية تخالف العلمية المنهجية.

فإذا كانت هذه سياقات مختصرة لتطور منهجية الفقه ومجالات تطبيقاتها فإن تطورات أخرى من علوم الفقه المدنية والسياسية تطورت في العصرين الأموي والعباسي، وتأسست بهما أعظم حضارتين عقلانيتين إسلاميتين، ولفظة إسلاميتين محدد نصي للعقلانية الذكية والذهنية العبقرية وفقا للمعايير الحضارية.

وفي العصر الأموي تقاسم الموالي مع العرب الريادة في علوم الفقه وكان من مناطات الشرف والسيادة في المجتمع ولم يكن الحاكم حينها إلا محددا للسلطة السياسية أو أحد أدواتها الاجتماعية في القضاء.

وتفصل مؤسسات الأقضية عن المجالس الاجتماعية التي لا تقل عن أهمية وفق أنظمة يضعها العقل بمعايير حضارية، ويفصل هذا عن مؤسسات الوعظ التي تقوم مقام المصحات النفسية لمن فاتته التربية التكوينية من المضطربين فكرا وسلوكا، وترتبط جميعها بنسق وظيفي تندمج جميعها في مؤسسات التكامل الوظيفي، وهذه من التصحيحات الحضارية لأية دولة وأمة تجمع بين سياسة الانفتاح المؤثر والبناءات الثابتة. وهذه بتلك وما دونهما لا تقوم الدولة إلا على أزمات تهدد وجودها كدولة وسيادة وقيمة حضارية ونظام.

وبعد تعدد النصوص النظرية وهي كفيلة إذا اتسقت منهجيا من تشكيل حضارة إسلامية، وإذا تجردت عن المنهج تحولت إلى أحد مبددات القيم الوجودية للمسلمين مع بقاء الإسلام لخلوده وخلود نصوصه، والقرآن ليس من الرموز التي تحتاج إلى تفكيك، بل هو مجمل ومفصل فلا يوجد حكم يندرج تحت محدد المصلحة السياسية والاجتماعية إلا وفي النص القرآني توضيحا وتفصيلا وبيانا وشفاء، علمه من علم وجهله من جهل. “ما فرطنا في الكتاب من شيء” فهو بين ثلاثة أحكام: “حلال، حرام، ومباح” وفي الأولاتين محددات النص، وفي الثالثة محددات العقل وفيها يعتمل منهج القياس والتجديد، والتجديد في الدائرة الثالثة ولا تجديد في النص لثبوته وصلاحه واستمراره.

ومن ثم يكون التجديد في دائرة المباح، أما تجديد الإسلام فيس في نصوصه ومدوناته وإنما التجديد بالقيم العملية التطبيقية التي مارسته النبوة والخلافة الراشدة والتابعين، وقرون الثلاثة الأول.

ويأتي التساؤل الأخير والذي هو موضوع عنواننا.. كيف احتجب الإله عن الناس في الديانات السماوية السابقة للإسلام (اليهودية، والنصرانية، والصابئة) عن عباده بالنبوة (إبراهيم وعزير وعيسى -عليهم السلام؟

وكيف احتجب الإله والنبوة بالتأليهيات البشرية لمرضى نفسيين حاربوا النبوة (فرعون، النمرود، وقيصر، والأباطرة اليابان وفي الصين والهند .. ؟

وكيف احتجبت نصوص الوحي بتدوينات بشرية اجتهادية (التلمود في اليهودية، والبابويات في النصرانية، والفقهيات في الإسلامية)؟

ثم كيف احتجب الصالحون والصحابة والأولياء بالأصنام المادية (يغوث ويعوق ونسر) في من كان قبلنا، والأصنام المتخيلة في مسارات التعصب الفقهي – العقائدي داخل الإسلام لصور الصالحين أمثال جعفر الصادق وزيد بن علي والشافعي وابن حنبل  وأبي حنيفة، ومسلم والكليني، ومالك ومحمد بن أباض؟

ثم التأليهات التاريخية والرمزية في صور فرعون  كونقوشيس وصولون وزرادتشت، وأخمين، وبوذا وأفلاطون ويزيد، ونصير، والحسين، وتيمية، والهادي، وتيمية، وأباض، وإسماعيل، الجيلاني، والجنيد، والأردبئيلي، ومرقيون وأريوس، وبولس وبراهما والبابا والحاخام وآشور، وأثينا والفلاسفة  والمدن والحضارات….؟

 ومن جهة ثانية البناء، والخميني، والصدر والأفغاني، والجامي، والتميمي، وقاديان، وبرهان الدين  وسرور وغيرها من رموز الحداثة الدينية التجديدية، ومن جهة ثالثة رموز الانجرار الثقافي للوافد كماركس وفتاح وناصر، وعفلق وغيرها من التوهمات الأيدلوجية المنفصلة عن قيم الحضارة العربية، ومن ثم تجذرات قصصية أخرى كالصدامية والصالحية والقذافية والأسدية والعمارية ورموزا أخرى تتصنم للقادم المليء بالكثير من الارهاصات والتحديات، وفي المقابل التحديات والتشكلات الحضارية التي ستبدد كل هذه الأزمات بصورة أكثر وعي بالعلم والمنهج والحضارة.

وفي الأخير كيف احتجبت نصوص القرآن والسنة بتراث الفقه؟، وكيف تراكمت هذه الأزمات بعد انفصالها عن المرجعيات التأسيسية العملية لوجودها في صدر الإسلام وقرونها.

هذا ما سيعالجه المقالات المستقبلية بمنهجية علمية موضوعية وبرؤية علمية تنموية، تجمع بين محددات العلم النظري وتجريداته ومثالياته، وبين محددات القيم العملية المتولدة عنه بالنص والإشارة والعقل والقياس وضرورياته .. فالله لم يحتجب عن عباده وإنما حجبته اللأدرية، والتبعية والعاطفة “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدرور”

شاركنا رأيك!