ظل المتنبي “دراسة في شعر المتنبي” للدكتور حسن الأمراني: مقاربة شارحة.

د. الحسن بنيعيش. أستاذ باحث ـ المملكة المغربية

   أحاول في هذا العمل المتواضع تقديم كتاب “ظل المتنبي” للشاعر المغربي حسن الأمراني في ثلاث محطات:

 أ ـ المحطة التأطيرية.

ب ـ المحطة التفكيكية.

ج ـ المحطة التقويمية.

      ولابد قبل ذلك من رسم معالم الطريق، وتقديم مهاد نظري حول شاعرية أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي.

       يقول أدونيس في معرض حديثه عن أبي الطيب المتنبي : “… الذي خلق طبيعة كاملة من الكلمات في مستوى طموحه ..الروح الجامحة التيَاهة التي تتلاقى فيها أطراف الدنيا .. الموجة التي لا شاطئ لها .. أول شاعر عربي يكسر طوق الاكتفاء و القناعة، جمرة الثورة في شعرنا ، جمرة تتوهج بلا آنطفاء إنه طوفان بشري من هدير الأعماق ، و الموت هو أول شيء يموت في هذا الطوفان “[1]، وشروح ديوان الرجل أكثر من أن تحصى تزيد على الخمسين بين قدامى ومحدثين ، و ما ألف في شخصيته أو شعره فحدث ولا حرج ، نذكر من كل ذلك على سبيل المثال لا الحصر :(معجز أحمد) لأبي العلاء المعري ،( شرح ديوان المتنبي) لكل من : ابن جني ، الواحدي ، العكبري ، اليازجي ، البرقوقي وآخرين … كتاب( المشكل من شعر المتنبي)لابن سيده المرسي الأندلسي، (المنصف للسارق و المسروق منه) لابن وكيع التنيسي، و(الكشف عن مساوئ المتنبي) للصاحب بن عباد ،و(الرسالة الموضحة/ جبهة الأدب)للحاتمي(مع المتنبي) لطه حسين إلخ…

           وكفى بأبي علي الفارسي شاهداً على تضلّع المتنبي في اللغة، كيف لا وقد انصرف عن الكوفة و ما أدراك ما الكوفة! معقل اللغوين الفطاحل، و الشعراء المُفوهين، والخطباء المصاقع، و العلماء الأجلاء كالدؤلي و الضبي و الكسائي و أبي جعفر الرواسي و ابن السكيت و الكميت و الطرماح بن حكيم و دعبل الخزاعي و أبي العتاهية و جابر بن حيان … ممن سبقوه أو عاصروه؛ إلى بادية السماوة ليرضع العربية في صفائها و تتشربها نفسه نقية بهية… ثم أليس هو الشاعر الذي – حقاً- ملأ الدنيا      و شغل الناس حتى قال ممّا يحفظه العام قبل الخاص، و الخامل قبل النبيه:

     وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ***    إذا استوت عنده الأنوار والظلم

        أنَا الذي نظرَ الأعْمى إلى أدبِي  *** و أسمعتْ كلماتي منْ به صممُ

         أنامُ ملءَ جفونِي عنْ شواردِهَا *** و يسهرُ الخلقُ جرّاها و يختصمُ   (2)

            إنه الرجل الشجاع، الطموح ، المؤثر للمغامرات ، المتعصب للعروبة ، المفاخر بنفسه المعتد بها حتى كان أفضل شعره في الحكمة و فلسفة الحياة و وصف المعارك الضروس في صياغة لغوية محكمة و فريدة …

       إنه شاعر فحل ظاهر الفحولة، كان يلقي الكلام ولا يلتمس له تعليلاً. فإذا سئل ف شيء يقول: اسألوا الأعور، يقصد ابن جني.

  سئل ابن الأثير عن سر خلود المتنبي. قال: ” إنه يتحدث عن خواطر الناس”. فالمتنبي لابس حُلل المجد الشعرية وشاعر العربية الكبير بلا منازع.

أ ـ المحطة الـتأطيرية:

          ظل المتنبي “دراسة في شعر المتنبي” كتاب للدكتور حسن الأمراني الشاعر والأديب المغربي  عمل أستاذاً للأدب والنقد ورئيس شعبة اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الأول ـ وجدة.  رئيس تحرير مجلة (المشكاة) المهتمة بالأدب الإسلامي.

   صاحب الدواوين الشعرية: الحزن يزهر مرتين 1974 ـ البريد يصل غدًا (بالاشتراك) 1975 ـ مزامير 1975 ـ القصائد السبع 1984 ـ الزمان الجديد 1988 ـ مملكة الرماد 1988 ـ ثلاثية الغيب والشهادة 1989 – سآتيك بالسيف والأقحوان 1995 وأعمال أخرى.

  يقع كتاب “ظل المتنبي” في 112 صفحة من القطع الصغير، ويحمل الرقم 22 ضمن إصدارات مكتبة سلمى الثقافية، الطبعة الأولى 2010، صدره صاحبه بتنوير وعقده في أربعة فصول هي: ينابيع الرؤيا، الطائر المحكي، ركب الخالدين وصدى العنقاء.

  * قراءة في العنوان:

        العنوان هو العتبة الأولى للنص، يقول الناقد الفرنسي جيرار جنيت Gérard Genette : “العنوان هو النص الموازي للنص “”Le titre c’est le texte parallèle au texte” ففهم العنوان على نحو صحيح يمهد للفهم السليم لمتن النص إذ هو تكثيف له، والعنوان منطلق والنص هدفه، فظلُّ المتنبي كتب بالبند العريض حتى ألقى بظلاله عما سواه من باقي مكونات الغلاف اللغوية والسيميائية.

    إنّ المتنبي دوحة عظيمة ألقت بظلالها الوارفة على سائر الشعراء مُجايليه ولاحقيه عرب وأعاجم، فاستظلوا وقطفوا من رياضه… أليس هو القائل مخاطباً سيف الدولة الحمداني:

          أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما*** بشعري أتاك المادحون مرددا.(3)

ب ـ المحطة التفكيكية:

       (ظل المتنبي) كتاب يفتتحه صاحبه بتنوير في ثلاث صفحات (ص5..ـ ص8) في بيان فضل وقيمة المتنبي الذي يسميه المغاربة “المتنبه” وصدقوا فهو النبيه الفطن الذكي النابغة الفارس الذي لا يشق له غبار في مضمار الشعر.

 أما الفصل الأول المسمى “ينابيع الرؤيا” فيمتد من الصفحة التاسعة إلى الصفحة السادسة والثلاثين حيث المتنبي نسر كاسر يتصيد فريسته من عل، وهو يطل على القرون الخوالي حتى إذا ظفر بالمعاني لدى القدامى من فحول الشعر العربي، أعاد التشكيل اللغوي في لمسة فنية فذة حتى يطابق رؤيته الخاصة، إنه يطوع المعاني لتلبس لبوساً متنبياً متفرداً.

  يعتبر الفصل الثاني “الطائر المحكي” أقصر الفصول إذ يقع في صفحتين فقط (ص37 و38) مستمداً نسغه من بيت المتنبي المشهور:

             ودع كل صوت غير صوتي *** أنا الطائر المحكي والآخر الصدى.

 وفي رواية أخرى “الصائح المحكي” وهذا البيت من قصيدة ي مدح سيف الدولة مطلعها:

             لكل امرئ من دهره ما تعودا *** وعادة سيف الدولة الطعن في العدا

    عنونَ الدكتور الأمراني الفصل الثالث  ب”ركب الخالدين” (ص41 …79) وفيه موازنة بين المتنبي ومن سار في ركابه كالبارودي وشوقي و الجواهري والبياتي فهو قبلة شعراء النهضة العربية في رسالتهم التنويرية.

      في “صدى العنقاء” وهو الفصل الرابع والأخير (ص81… ص111) يجلي الكاتب الحضور القوي للمتنبي في رموز الشعر الحديث معلناً عن نفسه شامخاً بأنفه، إنه باسط ظله على السياب والجواهري والبياتي وأضرابهم من فحول الشعر المعاصر. تقول الدكتورة ريتا عوض:” ومن الحضارة العربية الإسلامية، من تراثه القومي الثري استمد البياتي رموزه وصوره. عاد إلى رموز هذا التراث، إلى صانعيه: الحلاج والمتنبي وأبي فراس والمعري وديك الجن وطرفة بن العبد ووضّاح اليمن وابن عربي، ليكمل رسالتهم ويعيد صياغة رؤيتهم برؤياه الحديثة وتجربته الشعرية المعاصرة ليتواصل معهم وينقطع عنهم في الوقت نفسه، فتتحد تجربته بتجاربهم فتشكل الإضافة الجديدة ويغدو التراث القديم معاصراً وحديثاً”.(4)

ج ـ المحطة التقويمية:

         إن دراسة شعر المتنبي من خلال ظله الوارف دراسة متميزة جمعت بين النظر والتطبيق، وهي على الجملة نص حجاجي توسل فيه الكاتب بوسائل إقناع متعددة اعتمدت الحجج الدامغة والأدلة الساطعة للبرهنة على عبقرية المتنبي وظله الممتد في الزمان والمكان حيث أطل من القرون الغابرة بصوت مجلجل، فملأ الدنيا وشغل الناس.

      ركِب الدكتور الأمراني لغة تمتح من الأصول إنها متأثرة بعبق آي القرآن (ولكن المتنبي يقطع رجاءه ويغيض ماءه وما تخفي الصدور أعظم ص21 ـ إلا أنه كان كالتي نقضت غزلها ص22 ـ وعلى أنه خاض مع الخائضين ص24 ـ غادر بلاط حلب مغاضباً وفيه من الأحبة من فيه ص37 ـ على ما أخذه الشعراء منه من المعاصرين والمستأخرين ص38 ـ ثم فكرا فقال أحدهما لصاحبه ص39 وهلمّ جرا. ولا غرابة في ذلك فكل إناء بما فيه يرشح، وكل ينفق مما عنده.

        ولأمر ما جعل الكاتب الفصل الثاني في صفحتين فقط، فالطائر لا يستقر بمكان أو لعله لا يطيل المكوث، وهو انعكاس حقيقي للمتنبي الذي حلق في سماء الكوفة وبادية السماوة والشام ومصر وبلاد فارس ..

        إنّ من لطائف التفاتات ومقارنات الكاتب التمييز بين الأدب ومختلف العلوم والصناعات (فإذا كان الطبيب الذي لا يعرف اليوم إلا ما  كان يعرفه أبقراط وجالينوس يعتبر أمياً، لتجاوز الطب المعاصر الطب القديم بما لا يقاس، فإن حال الشعر والفنون بصفة عامة ليست كذلك، إذ من ذا يزعم أن الشعراء المعاصرين سيلغون هوميروس أو فرجيل أو سعدي أو المتنبي، وذلك لما لأولئك من خصوصيات؟ فالشأن في الآداب والفنون مختلف عنه في العلوم والصناعات.

      ما أعظم مقارنة الدكتور الأمراني بين المتنبي وشوقي (شوقي الذي يتضاءل أمام ممدوحيه إلى درجة لا تليق بشاعر كبير، وأقصى ما كان شوقي يرجوه أن يحرز لقب شاعر العزيز. أما المتنبي فما كان يرى في ملوك عصره أنهم أكبر من أرانب) ص56  / (إن شوقي على شاعريته الفذة لا يصلح أن يكون أجيراً عند أبي الطيب) ص58

    * خلاصات:

     المتنبي شاعر أسطوري ألقى بظلاله الممتدة على اللاحقين بل حتى على السابقين، إنه كان يجدد معانيهم بما يوفّر لها من حسن السبك ودقة النظم وكثرة الماء. فهو ينبوع ثرّ من ينابيع الإبداع عند الشعراء المعاصرين، وهو العنقاء التي لا يدركها طامع، وإنما مبلغ المتأخرين من الفن والإبداع أن يكونوا صدى العنقاء. لأنّ معظم من حسب في حلبة الشعر لا هم في العير ولا في النفير.  يقول المتنبي:

           وما الدهر إلا من رواة قصائدي*** إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا

         ودع كل صوت غير صوتي فإنني*** أنا الطائر المحكي والآخر الصدى.

    هكذا فالدكتور الأمراني تفنن في دراسته لشعر المتنبي في رسم ظلّه الممتد بالبرهان والدليل نظراً وتطبيقاً. في الوقت الذي نجد فيه  انحسار ظلال شعراء آخرين من المتقدمين والمستأخرين .(تنسلخ قصائد منهم وهي واقفة تحت ظلها، جارية على رسلها؛ لا يحصل منه السامع إلا على عدد القوافي وانتظار الفراغ، وأنت لا تجد لأبي الطيب قصيدة تخلو من أبيات تختار، ومعان تستفاد، وألفاظ تروق وتعذب، وإبداع يدل على الفطنة والذكاء، وتصرف لا يصدر إلا عن غزارة واقتدار).(5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ** مراجع الدراسة:

(1) مقدمة للشعر العربي ـ أدونيس  ـ دار الساقي ؛ طبعة 2009، ص 56

(2) شرح ديوان المتنبي ـ عبد الرحمن البرقوقي ـ راجعه د. يوسف الشيخ محمد البقاعي؛ دار الكتاب العربي بيروت ـ 1427 هـ /2006م. الجزء الأول، ص 258

(3) المرجع السابق ـ الجزء الثاني، ص 290

(4) كتاب العربي ـ العدد53 ـ15 يوليو2003 كلمات من طمي الفرات ـ نخبة من الكتاب؛ ص82

(5)  الوساطة بين المتنبي وخصومه ـ القاضي الجرجاني ـ تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي ـ المكتبة العصرية ـ بيروت.1966ص 54


شاركنا رأيك!