صراع القيم ودوره في صناعة التحولات المستقبلية: دول الشرق الأوسط بين التاريخ والنموذج

د. جمال الهاشمي 

إن صراع القيم أو الصراع عليها من الأسس الفكرية والعقلية والواقعية التي تغير معالم الدول وأنظمتها ونظمها، وهي الأساس البنوي لبقاء الدولة أو انهيارها، وكلما كان النظام السياسي جزء من النظام المجتمعي وممثلا عنه زاد من فرص بقائه، وكلما كان مناهضا لقيمه ومعتقداته زاد من فرصة فنائه.

وفي هذا السياق وتحولات القيم نعيد قراءة النموذج الأمريكي من حيث بداية النشأة والتأسيس حيث تمكنت البروتستانية المضطهدة من تأسيس دولة عادلة أمريكية، وقدرات اقتصادية ومركزية مالية، وكانت تلك هي بداية القيم البروتستانتية التي تطورت بعقليات المشرعين الدينيين والعقلانيين، وبهذا النصر تجاوزت البروتستانتية  فكرة القيادة الروحية الذي كان من أهم خصائص الكاثوليكية ورغم تشددها على التنويرين والثورات العلمانية إلا أن القيادة البروتستانتية والكالفنية خرجت عن الجغرافيا التي تتمركز فيها السلطة الكاثوليكية إلى جغرافيات سياسية أخرى، وتوافقت مع القيادات الزمنية التي كانت تهددها الكاثوليكية بالثورات الاجتماعية.

ولم تكن تدرك القيادات الروحية أن هناك ثورة خفية كامنة ستفككها من داخلها وأخرى ثورات اجتماعية ستفكك السلطتين معا الزمنية والروحية، وهذا ما لم تتهيأ له السلطتان فقد انشغلت الكاثوليكية بمقارعة الحركة الدينية اليسوعية التي كانت أول من اخترق الأصولية الكاثوليكية قبل البروتستانتية وأسست للعقلانية التنويرية.

هناك يأتي دور القيم الأصولية في التجديد، فإذا كانت اليسوعية قد أخذت بالمفاهيم الانجيلية التي تتعلق بالرحمة والسلام والمحبة وتمكنت من الانتشار وشكلت إحدى قوى الضغط في ثلاثين دولة، وتمكنت من الحكم في بعضها إلا أنه يعود لها الفضل في ظهور العقلانية والعلمية والبروتستانية.

كان من داخل المجتمع قد برز المفكرون المهمشون من السلطة وكان المفكر هو المثقف الموسوعي، وبدأت في صالونات أدبية، أخذ هولاء في نشر كتابات عقلانية سرية وتوزيعها ولم تكن وسائل الانترنت والتواصل متاحة حينها في أول معالم النهضة الأوربية التي ابتدأت من العقل إذ لم يكن النص الكاثوليكي قادرا على خلق التنمية والأمن والعدالة والمساواة والرخاء.

لكن القيم الدينية المنشقة عنه تمكنت من ابتعاث ثلاث مقومات للنهضة: العقل والنص والعلم، وبدلا من الصراع بينهما بدأ التوافق واندمج الكثير من رجال الكنيسة بما فيهم الكاثوليكية من قبول العقلانية بل والتنظير لها وتشريعها نصيا.

وبدلا من الصراع على القيادة السائدة في العلاقة بين السلطتين الزمنية والروحية، كانت البروتستانية أكثر وعيا بالواقعية السياسية والدينية وأن دخولها في معركتين سيهدد بقائها ويعرقل نموها، ومن ثم قسمت السيادة بينها وبين النظام، فاحتفظت لنفسها بالقيادة المجتمعية، وفقا للقانون والدستور الأمريكي، وكذلك الكالفانية في سويسران وبهذا الوعي القيمي الحضاري أصبحت من أهم المحددات المجتمعية لسياسة الدولة والعقلانية السياسية، وبها تشكلت  أمريكا العظمى وبأولئك المهاجرين المنبوذين المضطهدين في أوروبا.

وعطفا على التنويرين العقلانيين الذين جعلوا من العقل أصل وجوديا  فإن المعاناة التي أثارت اهتمام المؤسسين للنظام السياسي الأوربي المعاصر من جهة، والبرجوازيات التي كانت تعاني من السياسات الضربية للسلطة والكنيسة شكلوا ثنائية تعاونية إذ كان البائسون يكتبون عن الإنسانية ويقدمون الفكر وصفة الدولة المدنية، بينما الطامحون أو البرجوازية الثرية يعمدون إلى طباعة ونشر هذه الكتابات وتوزيعها بين الناس، وقد كانت القراءة والكتابة والتأليف منتشرة حينها إلا أن العلم الذي يجدد الواقع ويغير في النظام ويؤسس للحضارة كان مغيبا عن العقل الأوربي.

كان المهمشون النبلاء هم أساس التغيير والتجديد والتنوير، من رجال الدين ومن فئات الشعب، وهنا يجب التفريق بين أنواع المهمشين، فهناك طبقة وهي نادرة وعزيزة الوجود من هذه الطبقات مهمشة منبوذة من السلطة بينما يتمتعون بسلطة فكرية وجدت قبولا مجتمعيا، وهولاء هم قادة الوعي والتجديد والنهضة.

ومن أولئك المنبوذين سلطويا وكنسيا طبقة رجال الدين الذين ثاروا على الكنائس والأديرة التقليدية والتعينات الوظيفية في الكنيسة والتي كانت تخضع للسلطة الزمنية في التعيين من جهة وسلطة البابا من جهة على أساس مبدأ الولاء الشخصي للشخصيتين القياديتين في السلطتين الزمنية والمكانية وليس على أساس الكفاءة والمعايير العلمية.

أما الطبقة المهمشة المبنوذة من المجتمع، فهم أولئك الذين كانوا في السلطة أو قريبا منها، وكانوا يشكلون بطانتين بطانة الملوك و تسيطر على مقاليد النظام في الدولة،  وبطانة البابا وتسيطر على مقاليد الأمور في الكنيسة.

وقد ظهر بوجود هاتين البطانتين المنبوذتين المصتارعتين أو المتعاديتين انحرافات أخلاقية قادت المجتمعات إلى العبودية والرذيلة والتحرر، وظهر حينها فساد الرهبان الأخلاقي واستغلته السلطة الزمنية لاسقاط هيبة البابا، بينما ظهرت مراكز الترفيه والأندية وتسيسها من قبل الملوك لإلهاء المجتمعات وتجفيف منابع الثورات المجتمعية.

ولم تكن هناك أية قوى أكبر من هاتين المتصارعتين المهمشتين، وهو ما أدى إلى بروز شخصيات وطنية من أولئك النبلاء المهمشين داخل السلطة الزمنية أو الدينية أو خارجها، وكانت الثورات التي تصاعدت لمواجهة البطانتين وطنية أخلاقية ودينية وعقلانية.

وذهب ضحية تلك الثورات الكثير من الملوك الأوربيين وخنق البعض بأمعاء الخنازير، وسقطت السجون وأغلقت أديرة الرفاه ووضع النظام والقانون والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية تحت مفهوم الإخاء.

وقد ساهمت الصراعات القومية بين الدول من اسقاط الأنظمة الحاكمة أو تهميش سلطتها.

إن المعاناة كان معيار لطبيعة اسقاط النظم فقد كانت اسقاط النظام في فرنسا قاسيا، بينما لم يكن كذلك في بريطانيا، ومنذ ذلك الوقت والأنظمة تحكمها مؤسسات نبيلة خفية تشرف على العمليات الديمقراطية والنظام.أما اليوم فقد شهد الكثير من الاختراقات والتنافسات في العالم الأوربي، ويرجع ذلك إلى طبيعة التنافس المادي بين الدول الأوربية والدول الأسيوية، وأن صعود القوى الأسيوية هو التهديد الذي أسهم في إحداث الصراع داخل النظام الأمريكي والأوربي.

لم يكن العنصر الأمريكي المهاجر من البوريتانيين هم الذين مارسوا حرب الإبادة على الهنود الأحمر، لأن ذلك كانت من صنيعة الاستعمار وليس من صنيعة المهاجرين الفارين من أوروبا.

هنا نأتي بتجربة أخرى فتراجع أمريكيا المعاصرة قد سبقه تراجعا في قيمها الأخلاقية والبروتستانتية، ومنذ منتصف الثمانينات وهناك صراع بين قيم البروتستانية المعتدلة والقيم المتطرفة التي ساهمت في بروزها تطرف السياسة والحكم.

إن التطرف في الأساس هو وليد الصراع واستغلال القوة الجائرة، ولهذا كان الصراع بين القيم السياسية الحاكمة والقيم البروتتسانية المجتمعية قد أوجدت طبقة المحافظين الجدد وهم الذين تطرفوا بالقيم السياسية واستخدام القوة في أفغانستان والعراق، وكان لهذا التطرف تأثيرات سلبية على الاقتصاد والشرعية الدولية وكذلك التطرف العرقي والديني داخل المجتمع الأمريكي.

وهي القيم البروتستانية التي بلغ عدد المؤمنين بها ستين مليونا تتراجع عن قيم المستضعفين المهاجرين، وتخلت عن العدالة الذي كان أقصى طموحات المهاجرين المضطهدين، وأخذت بالقوة الصليبية، والعنف وسيلة لتطويع المخالفين، وخلق مدينة الألفية، ولهذا كان التطرف السياسي مع بوش الأب والابن هو بداية الخروج عن الموازنة المنطقية لمفهوم الدين.

بينما يسعى طبقة النبلاء من الديمقراطيين إلى إعادة الموازنة واستخدام السياسات الناعمة وحماية المؤسسات التي كانت هي الأساس لاستمرار وبقاء الدولة الأمريكية، ويحاولون إعادة خلق وابتعاث القيم الرومانية المسيحية في الدولة، وهذا التحالف  الجديد ” أوكاس” بين بريطانيا وأستراليا وأمريكا إنما هو تحالف قيمي تاريخي، وقد سبقه تحويل كل إمكانيات بريطانيا العظمى أثناء فترة الأفول إلى أمريكا.

فهل تسعى أمريكا لإعادة خلق النموذج الجديد في استراليا أو إعادتها إلى بريطانيا بحسب معايير و فلسفة القيم الحضارية.

لقد كانت أمريكا دولة دينية في بداية النشأة  إذ لم يعاصرها قيادم دولة دستورية دينية أكثر تمسكا منها، ثم تحولت مع نشوة الأحادية والنصر والتضخم الحضاري إلى دولة متطرفة سياسيا وعسكريا ومجتمعيا ودينيا، وهذه التطرف الديني البروتستاني ارتبط بالصليبية التاريخية، وهو جزء من ثقافة التدين الكاثوليكي التي خرجت منه وعليه.

إن دولة الجور تبدأ بانحرافها عن قيم العدالة، العدالة، وهنا نسجل انحراف أحفاد المقهورين عن القيم العدلية التي بنيت بالمؤسسين دولتهم، وانفرطت الوحدة المقننة بالتخالف داخل المنظومة نفسها، أي منظومة الحكم وبهذا الاختلاف انقسمت المجتمعات تبعا لانقسام السلطة.

وتظل القيم ومفاهيم العدل والمساواة والأخلاق شعارا لجميع الصرعى المتصارعين ، فهو صراع قيم الأنا المقدس والآخر المدنس، فالقيم الدينية لم تعد أكثر من كونها مبررا أو مقررا لقرارات الأنا المطلقة.

للدين والقيم الأصولية مداخل متعددة، وليس كل مداخلها صحيحة، ومن هنا تأتي فكرة هجر القرآن وتعطيله، والهجر يكون بترك الأحكام إلى غيره، أما التعطيل بإبقاء الشرائع ظاهريا والحكم بخلافه.

وقد أدرك مع كارل ماركس أن التاريخ يتجدد بعالم الأشخاص والزمان والمكان والرموز، وقسم التاريخ إلى مادي  ومثالي وثوري وديني ، والحديث عن تاريخ الأديان هو حديث عن تجسيد النصوص بالفعل الإنساني.

وجعل من التاريخ الثوري تجديدا للطبقة الحاكمة، وأنا الحكم يتحول بحسب ضعف الرأسمالية المادية واختلافها وصراعها، فهو أدرك أن الثورة دون اختلاف منظومة الرأسمالية يزيد من أزمة الطبقة العمالية، لهذا جعل وحدة العمال مدخل لاضعاف السلطة الرأسمالية لأنهم الأدوات الوحيدة التي تراكم الثروة للتسلط الرأسمالي والحكم والقوة، وبالفعل تكن من اسقاط الطبقة الاقطاعية، وهو ما أدى إلى بروز البرجوازية بنظام إداري جديد ووضعت منظومة اقتصادية أخرى منحت العمال بعض الامتيازات.

ومع تطور التقنية والتكنولوجيا برزت الرأسمالية كقوة شبيهة بالاقطاعية من حيث الاستغلال لكنها جزء من الدولة وإدارتها، وبها ارتبط الاستعمار، وبهذه السياسات الاستعمارية تمكنت من حفظ مجتمعاتها وترفيهها مقابل استغلال شعوب الدول الأخرى وافقارها، وما تزال شركاتها تتمركز في جغرافية العالم، وتربط بقاء أنظمة الحكم بوجودها، لأرتباط الاقتصاد العالمي بالمركزية الدولية.

وتعد المركزية المالية والاقتصادية مركزية رأسمالية يقودها المستعمرون الجدد وتمنع هذه المركزية مقاعد ثانوية لأنظمة الحكم العربية، وبيدها القدرة على افقار الدول وتفكيكها، فهي مركزية متكيفة مع الواقع والتاريخ ولديها القدرة على الانتقال الجغرافي من دولة توشك على الانهيار إلى دولة صاعدة توشك على القياد.

لقد برز داخل الإسلام أول فرقة في التاريخ عطلت القرآن واتخذته شعارا، وجردته عن تفسيراته النبوية ولغته التي يفهم بها الأحكام على فهومه، تلكم الخوارج أول فرق المتكلمة التي أصلت لمعجمية القرآن.

وقد أدرك عمرو بن العاص السياسي الداهية خصائص التفكير الجغرافي ونفسيات المجتمعات بعد معرفة أنصار الخليفة الرابع علي بن أبي طالب،  فرفع المصاحف للتحكيم شعارا لتغرير أنصار الخلفية وتفريقهم، وتبريرا لأنصار معاوية وتوحيدهم، ومن هنا نشأ الخلاف داخل الفرقة الواحدة التي كانت على الحق وقتلت زعيمها بالتكفير من أنصاره الذين كانوا من شيعته.

وما يزال القرآن يرفع تحت شعارات سياسية معارضة أو متسلطة للتلاعب بعقول المتدينين والعواطف الدينية، في أول خلاف مع المعارضين في اليمن والداعين إلى تحكيم القرآن رفع الرئيس علي صالح القرآن شعارا للحكم، مع أنه وخلال فترات المشاركة في الحكم بين المعارضين والسلطة لم يكن القرآن إلا شعارا وظيفيا للبقاء في الحكم أو المشاركة فيه.

وخلال الحرب الدولية على العراق وفترات الحصار رفع صدام حسين القرآن شعارا للمقاومة والدفاع بعد أن أدرك خذلان الأيدلوجية البعثية لوجوده، واحتمى نظام الأسد بالتدين السياسي الشيعي خلال الحروب العقائدية في سوريا.

واستخدم القرآن شعارا للقرآنيين الحوثيين خلال فترات الحروب على صعدة ،كما استخدمه الإصلاحيون شعارا  للدستور خلال معارك الدستور والانتخابات الديمقراطية، وانتهت المعركتين بتغييب القرآن عن مؤسسات التعليم والحكم والدولة والنظام في الوقت الذي كانوا فيه جزءا من النظام أو منفردين في الحكم.

لم تكن المؤسسات التي سيطرو عليها قائمة على أصوليات التنمية والكفاءة والرحمة والعدل والمساواة، بل كانت تقوم على المحاصصة، والمرباع من الغنائم، والغلول، والسيادة، ولم يتميزوا عن دعاة القومية بالانفتاح  والتوليف، بل كانوا أكثر تأدلجا وتصنيفا وتضيقا على المخالف وتشكيكا بقيمه وأخلاقه ودينه ومبادئه.

وعلى هذا سارت السلفية الحزبية وبنفس الخطوات انزوت بالتعصب والانغلاق والاستغلال، وهكذا التشيع السياسي الذي تحول عن التشيع التقليدي.

إن العقلانية السياسية العربية تسيس بالقيم ولا تقيمها، وتتخذها وسيلة من وسائل التسلط والنفوذ والحكم ومبررا شرعيا للصراع مع الآخر، وليس وسيلة من وسائل الإصلاح والعدل.

والتشابه التجريبي يدل على تشابه العقول، والنوع الإنساني لا يختلف عن بعضه في التفكير وان اختلفت الجغرافيا، وقد ظهر في المغرب العربي حزب العدالة والتنمية جزءا من المنظومة العالمية الدولية، وبرزت له إنجازات إعلامية لم ترتبط بالواقعية،  وكان أول من وسع التجارة مع إسرائيل التي اتخذها شعارا لتنظيمه ودعاية لإعلامه،  وتفلت المتأسلمون عن القيم أكثر من الحكومات القومية، وجرأوا أنظمة الحكم على ترك المبادئ،  وكانوا أول من يؤيد سياسة التطبيع غير المشروط مع اليهود.

وأشبه في بعض جوابنها بتجربة الصراع التاريخي الذي اختزلته المقولة الممشهورة “إن قلوبهم مع الحسين صامتة وسيوفهم مع يزيد ناطقة” ذلك أن المصلحة المادية تفوقت على المصالح الشرعية؛ لأن في الأولى خصوصية وكثرة وتميز، وفي الثانية عمومية وقلة ومساواة.

لم تكن القيم محددة للسياسة والحكم ولم تكن المبادئ محددا ومنظما للسياسة، بل كانت السياسة متجردة عن حدودها وأصولها الشرعية وتأصيلاتها القيمية، فالصراع بين القيم أسوأ وأخطر على المجتمعات والأمة من الصراع بين القيم.

في مصر قامت الثورة الشعبية بشعار الإسلام هو الحل، ولم تكن لها برامج عملية، بينما ظل الشعب يبحث عنها كمصدر من مصادر التنمية، والعدالة المثالية ، أو بحثا عن اعادة الخلافة المفقودة، ثم تبينت لجماهيرها أنها ليست أكثر من شعارات تستخدم لإضفاء الشرعية.

وهناك قواعد قرآنية حذرت من استغلال الشعارات الدينية “يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تعلمون” بل إن تشعير القرآن والدين مقتا وبغضا وبعدا عن الله وأكثر نفاقا وأبعد عن سلامة الفكرة الإنسانية “كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”

ولهذا حذر الله الأعراب الذين أسلموا بقوة العدل وليس بطواعية القلب فقال: “قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”

بل إن القرآن وضح بالتقرير أن تشعيير القرآن والدين من السلوكيات المشؤومة والسلبية التي تخرج من الدين بالنفاق أو بالكفر وفي أكثر الاحتمالات تزندقه فقال: “الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله”

إن أية  شعارات قيمية دينية تتضخم إعلاميا لا تقدم المنجزات ولا تحقق النجاح وستتحول إلى جلاد لانصارها واعدائها معا، وعبر التاريخ ظهرت شعارات المعتزلة وشعارات الدويلات الإسلامية باسم الإسلام والمستضعفين، بل إن من أهم أسباب انهيار الإسلام السياسي التضخيم الإعلامي للمثاليات الإسلامية وغيابه عن واقع الناس وسلوكياتهم وأخلاقهم.

إن الأسلمة من جهة والإسلام  والإيمان شتان والفرق بينهما أن الأولى فكرا و شعارا في المعارضة وتسلط واستبداد في الحكم . أماالإسلام  فهو عنوان الدولة القائمة به. وأما الإيمان فهو عنوان الصحة المجتمعية الذي يتجدد مع التقادم ويزيد مع النقصان.

لم يخلو التاريخ من رفع شعار القرآن حتى أولئك المعتزلة والجهمية كان القرآن مصدرا لحججهم بما يفهمون ويفلسفونه بما يشتهون ويستعقلونه بما يطمحون؛ غير أن الفرقاء اختلفوا فأحدهم فسره تفسيرا قهريا والآخر فسره تفسيرا اختياريا والثالث تفسيرا جبريا. ومن الفرق الأخرى من فسره تفسيرا اسطوريا.

واختلفوا في جنس القرآن أهو مخلوق فهو يفنى والفاني لا يتقدم على العقل لاحتياجه للعقل واستغناء هذا عنه، وإما كلام؛ والكلام موقوفا ليس له بداية وليس له نهاية  والدائم يحتاجه العقل وبه يقام أمره.

إن صراع القيم هي التي ستفرض متغيرات الواقع القادم، فلن تكون الثورات هي الأساس في الحكم، ذلك أن الانقلابات والحروب الطائفية والعنصرية ستغير معالم الدول المعاصرة.

ستلعب الصراعات الجغرافية والثورات المحلية دورا في اضعاف اقتصاد الدولة واضعاف نظام الحكم، وستتقلص الرواتب ويضيق على العمال في أعمالهم، وهو ما سيؤدي إلى تشكيل قوى جديدة داخل المجتمعات تتخذ لها شعارات مختلفة.

وبقدر تفلت أنظمة الحكم عن القيم الدينية ستتعرض لانتكاسات متعددة، وانقلابات من داخلها، واختراقات أمنية وستسعى للتخلي عن القيم ومحاربتها بقدر تمكسها بالسلطة، وستكون هناك قوى إقليمية ستتحول إلى دول اقتصاد حربي، وستسهم الصراعات المحلية من توسيع اقتصاديتها الحربية.

وهي موجودة في الفعل ولكنها ستكون أكثر انتشارا خلال العقود القادمة. أما في حالات أخرى فإن الانقلابات ستكون الصفة التي ستشكل معالم دول الشرق الأوسط.

وستكون من أهم معالم الشرق الأوسط.. وسنتحدث عن بعض الحتميات المحتملة خلال التحولات القادمة وسأقتصر على بعض المؤشرات دون التعمق في تحديد المؤشرات الفاعلة أو المساعدة أو المؤشرات الكامنة داخل الأنظمة ومؤسساتها العسكرية أو داخل المجتمعات ومراكز النفوذ الاجتماعي أو داخل القوى الاقتصادية ومراكز النفوذ الاقتصادي أو القوى العقائدية ومراكز النفوذ المسلح:

  • سيكون اضعاف مصر مرتبط بالظروف الاقتصادية والمتغيرات الدولية والصراع مع أثيوبيا وهذا سيهدد الأمن والاستقرار للدولة، وهناك عدة استراتيجيات للخروج من الأزمة يتوقف على تحويل أزمة المياه إلى اقتصاد تسعى من خلاله الدولة المصرية إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع أثيوبيا، أو تقديم تنازلات للدولة الإسرائيلية، وفي حالة العلاقة مع الأولى ستعود مصر إلى التأثير في منطقة الشرق الأوسط، بينما إذا فضلت العلاقة مع إسرائيل ستكون مقيدة بالاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة، وستكون مسرحا لصراع القيم المختلفة.
  • ستلعب المتغيرات القادمة دورا كبيرا في تغيير معالم الدولة الإيرانية وسيكون تغيير الدولة واضعافها ممتدة عبر الحدود الأسيوية والحدود الجنوبية، ويرتبط بقاء الدولة بحل التنازعات الموجودة داخل المنطقة مع المملكة العربية السعودية، وبقاء الدول يعتمد في الأساس على ضمان بقاء دول الشام والعراق والدخول في علاقات اقتصادية وأمنية، بيد أن تهديد الدولة الإيرانية من الحدود الأسيوية أكثر تهديدا لأمنها واستقرارها لأن مركزية الصراع تتوجه من تلك الحدود باتجاه منطقة الشرق الأوسط، وستدخل دول المنطقة في صراعات الحرب الباردة بالنيابة.
  • ستؤثر حرب اليمن بشكل مباشر على أمن المملكة العربية السعودية وسيكون لها تأثيرات داخلية عميقة، ذلك أن دخول السعودية دون برامج اسراتيجية حربية في اليمن، ودخولها في صراع القيم والنفوذ على مستوى الدولة، وتغييبها دوليا، سيدفع بالنظام للتعاون الاستراتيجي مع إسرائيل لمواجهة إيران، وستكون كلفة الحرب مع إيران أشبه بحرب الكويت بالنيابة على العراق، وسيكون له تبعات أمنية على مستوى الأزمة مما يهدد أمن واستقرار الدولة.
  • تمارس المتيغرات الدولية والإقليمية على الدولة التركية ضغوطا اقتصادية وفكرية، وبقدر طموح تركيا نحو إعادة إحياء العثمانية الجديدة فإنها توسيع جبهاتها في منطقة آسيا الوسطى وفي سوريا وليبيا يشكل تهديدا لقدراتها الاقتصادية، كما أن النزعات الانفصالية الإثنية يهدد أمن وبقاء وتماسك الدولة.
  • فرضت المتغيرات الدولية على المغرب العربي الدخولي في التطبيع مع إسرائيل، وهو ما سيؤجج الصراع مع الجزائر من جهة والصراع مع اسبانيا من جهة أخرى، وسيكون ذلك له تأثير سلبي على أمن دول المنطقة المغاربية برمتها، وسيؤدي إلى اضعاف المؤسسات العسكرية في كل من الجزائر والمغرب، وسيؤدي هذا الصراع إلى تغيير معالم الدول ومن ثم التأثير على أمن واستقرار الدولة وإعادة التسلط الاستعماري من جهة أخرى.

 

أما بالنسبة لدول الربيع العربي  فإنها ستسمر في الصراعات حتى تتشكل معالم الجغرافيا الانفصالية داخل الدولة ومن ثم ستدخل هذه الدول المنفصلة في صراعات مسلحة مستمرة. أما في حالة انتصار الدولة الموحدة على الانفصال، فإن الدولة ستدخل في صراع مقايضة مع دول الجوار وفي  صراعات حدودية مستمرة.

ومن ثم سيكون التغيير داخل الدولة ليس على أساس الثورات المجتمعية وإنما على أساسين : الانقلابات المسلحة داخل الدولة وستتنوع إلى انقلابات عسكرية وهي الغالبة أو مشتركة مع القوى القبلية والتنظيمات السياسية والطائفية داخل الدولة.

ففي السودان واليمن والعراق وليبيا ودول الشام  سيسطر الانقلاب والنزعات الانفصالية من تغيير معالم دولها والدول المحيطة بها بما في ذلك الدويلات الصغرى، وجميعها ستكون أحد أدوات الصراع العالمي بالنيابة.

شاركنا رأيك!