صراع القيم في المشروع الروائي لمحمد مادون

الدكتور الحسن بنيعيش. أستاذ باحث ـ المملكة المغربية

 ينهض المشروع الروائي للكاتب والمبدع محمد مادون على ثلاث روايات هي: “وهَج التراب”:  الطبعة الأولى2017، مطبعة سجلماسة ـ مكناس. و”رجع الصدى” الطبعة الأولى، يناير 2018، مطبعة الودغيريون، الرشيدية. و”سراب الليل” الطبعة الأولى، 2018 ـ مطبعة سجلماسة / مكناس. خرجت جميعها من رحم الأوجاع والتأملات والتّبصر. تحمل جميعها تيمات شتى، لعلّ أبرزها (صراع القيم).

        من هنا يمكن التساؤل والتأكد من مقولة هل الإنسان يظلّ بالنهاية نتاجَ وضعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقيمي؟ ثمّ أليس اصطلاحات (الوهج والرجع والسراب) أحلاماً ورؤى تسبر الواقع وتنكش غلالة الخيال المضمّخ بصوتٍ وضوءٍ ينشدان قيماً حقيقية تطمس وجه الزيف والكذب والوهم والمخاتلة؟ وإن كانت منظومة القيم المرجعية في حدّ ذاتها تعرف خلخلة وزحزحة حيث (تطالعنا العولمة باعتبارها ثقافة جديدة لم تقف عند الحدود التي رسمتها لنفسها عند منطلقاتها في البداية، باعتبارها كمّاً من القيم والخِدمات المشتركة في إطار تفاعلي. وهكذا بدأت العولمة تتخذ مسعى استراتيجياً جديداً يعطي انطباعاً لدى بعض المتتبعين بكونه يروم اختزال مختلف الثقافات في ثقافة واحدة، عن طريق خلخلة المنظومات القيمية للمجتمعات، والاستعاضة عنها بمنظومة قيم العولمة)[i].

         في وهج التراب ينهض السيد عبد القادر الهلالي المعلّم بإحدى المدارس في العالم القروي بحِمل تنوء به الجبال ترسانة من القيم النبيلة باعتبار المدرسة منتجة للقيم على رأسها العلم والفضيلة. غيرة الرجل على الناشئة والأجيال القادمة لعلّها السمة المركزية في مؤلّف “وهج التراب“، كلّ ذلك نابع من أهل الوفاء بالعهد أصحاب النوايا الطيبة والحياء والعفّة…  (نحن سكان الجنوب، عندما تخرج الكلمة من أفواهنا، انتهى الأمر… نلتزم بالكلمة ـ العهد ـ ولو تقطع الرؤوس دونها) ص83 (من سكّان الجنوب المعروفين بالصدق والنيّة وحسن الطوية) ص87 (الحشمة والوقار التي تدّعيهما نساء الجنوب؟ أين الأخلاق والسلوك القويم الذي تتشدّق به؟ ص56.

    هذا القادم من جنوب البلاد الحامل لكلّ معاني الفضيلة والخلق النبيل يصطدم بقيم معوجّة فجّة يعتنقها الشيخ وأضرابه تجلّيها الشماتة والخسّة والجهل والوشاية الكاذبة والشّطط في السلطة والرشوة وشهادة الزور والدهاء والمكر والتآمر على أهل الخير (الفصلان السادس والسابع تحديداً) ونهاية الشيخ المأساوية في الرواية هي نهاية كلّ ظالم جشع مفتر…

           تستعيد رواية “رجع الصدى” ذكريات طالب جامعيّ يدعى أحمد في شعبة التاريخ والجغرافيا يتخبّطه مسّ من الواقع والحلم، يرزح تحت نير تقاليد بائدة تفرضها أعراف مجتمع تقليدي ويطمح بفكر تنويري إلى معانقة قيم الحداثة. يصير الوضع مأزوماً وأشد تعقيداً عند الوظيفة والزواج خاصة والطقوس بشمال وغرب المملكة مخالفة تماماً عن شرقها وجنوبها الشرقي.

        ولا بدع أن تكون قيّم الحُلم في رواية (رجع الصدى) أعذبَ من سخافات وقيم الواقع أو لعلّها تغري بذلك‼ سيما و (أنّ من الأشياء أشياءَ تحيط بها المعرفة، ولا تؤدّيها الصفة)[ii] كما عبّر عن ذلك إسحاق الموصلي في الزمن الغابر.

         إنّ صراع القيم يحتدم كثيراً في رواية “سراب الليل” ويتخذ منحنى تصاعدياً يواجه فيه الطبيب “آدم” وزوجته “سارة” كثيراً من القيم الفاسدة التي كادت تعصف بهما وتلقي بالزوج على وجه الخصوص في بئر الخيانة. ما يخفّف من وطأة القيم السلبية كالخيانة والمصلحة الشخصية والتحرّش والمراودة والسفور ونكاية الأعداء ولعنة البطالة… استغراق صفحات مديدة من السراب في تأصيل قيم الوفاء للأرض والوطن والحياء وكرم الرّحل والبداة الحاتمي والأنفة والإباء وعزّة النفس. يقول السارد على لسان المندوب: (نحن نتحرّك حسب مصلحتنا..) ص 123 وفي مقام آخر (لا داعي للتبرج وإبداء المفاتن ولو دون قصد، إنهم لا يقبلون أن تبدي المرأة زينتها إلا لبعلها) ص 74. وفي منحنيات صراع الأديان أو سماحتها يؤكد السارد ( لقد تزوجت فتيات كثيرات من النصارى، لم يعد الأمر غريباً) ص 172 (إنّ الكثيرات انتقلن إلى المسيحية ويعشن في سلام مع أزواجهن) ص 173. وخصّص الكاتب الفصل التاسع للصراع بين التقليد والتجديد جاعلاً التبئير على طقوس الزواج ومطبّاته وكلّ أعطابه الاجتماعية والنفسية.

          يمعن الكاتب والروائي محمد مادون في إبراز التقابل بين وسائل التكنولوجيا المتطورة كالهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية والمنظار وتقنيات السكايب وبين تعطّلها وفشلها الذريع، بل لا جدواها أحياناً في صحراء قاحلة تمتدّ نحو المجهول، لكن تبقي الحلم مشروعاً حلم إنشاء زهرة الرمال الباذخة والشامخة في آن بما يختزنه باطنها من خيرات عميمة ومعادن نفيسة…

       أحسب اختيار الكاتب لأبطال رواياته الثلاثة موفقاً إلى حدّ كبير ـ على مستوى هذه الورقة التي أقدّم في صراع القيم على الأقل ـ حيث الطالب والمعلّم والطبيب بعضٌ من حملة القيم قيم التغيير والحرية والكرامة والانعتاق والمسؤولية .. أو كذلك يراد لهم وينبغي لهم.

   على سبيل الختم:

           يتمتّع المبدع محمد مادون بذائقة فنية عالية متحت من متناصّات متعدّدة تتجلّى في الأمثال الشعبية والعربية الفصيحة، والشعر والغناء الكلاسيكي الأصيل والثقافة الشعبية تغذيها طاقة فوّاحة من التشكيل سهّلت مهمّة الرسم بالكلمات في لغة أنيقة ووصف بهيج تلتقي عنده آليات الكتابة الروائية مشبعة بحسّ كاتب مقتدر، قلمه سيّال متدفّق يعد دائماً بالجديد على مستوى الكتابة وسبر الخيال. سيما وخيار (الرواية من حيث أساسها المعرفي جنس أدبي مفتوح على شتّى الأنماط والخطابات واللغات والأجناس والأشكال البسيطة)[iii] كما يذهب إلى ذلك الدكتور أحمد فرشوخ. والسرديات عامّة كما يقول الدكتور سعيد يقطين (توجّه إلى الانشغال بكلّ هذه القضايا لأنّ السرد موجود في كلّ شيء، وهو فعلاً، تماماً كالحياة)[iv]. أولم يعتبر الروائي الفرنسي ستاندال ـ أحد أبرز روائيي القرن التاسع عشر ـ  الروايةَ مرآةً تجوب الشوارع؟!

      وتبقى بعد كلّ هذا مساحةٌ وفضاءٌ متّسع لفعل القيم وصراعها… وفي نفس الكاتب نفَس عميق من تجليات شتى لتدافع القيم عبر أعمال روائية وسردية سترى النور قريبا.


[i] ـ منظومة القيم المرجعية في الإسلام ـ الدكتور محمد الكتاني، ط 2، 1433هـ / 2011م، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ص 5.

[ii]  ـ الموازنة بين أبي تمّام والبحتري، أبو القاسم الآمدي ـ تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد ـ المكتبة العلمية، بيروت / لبنان، بدون تاريخ، ج 4، ص 374.

[iii]  ـ تجديد درس الأدب ـ د أحمد فرشوخ،  ط 1، 2005، دار الثقافة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، .ص 61.

[iv] ـ مجلّة الراوي (دورية تعنى بالسرديات العربية)،ع 23، رمضان 1431 هـ / سبتمبر 2010م، ص 8.

شاركنا رأيك!