سياسة النظم بين القوة والفضيلة … بقلم د. جمال الهاشمي

تمر الدول العربية بأزمات سياسية ليست في بنيوية التكوين الاجتماعي وشبكة العلاقات الطائفية والإثنية والاقتصادية وإنما تتجسد الأزمة في الإعاقة الذهنية والنفسية التي تسيطر على قرارات المجتمع والفرد والدولة، بمعنى أنها أزمة تصاعدية مدمرة وأزمة معاكسة.

عندما يحاول بعض الزعماء أن يتشبهون بالقائد السياسي الإداري الفذ الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه مجدد الثقافة والإدارة والمالية الإسلامية، في استعمال القوة، فهم يأخذون القوة المجردة المشبعة بالخوف ..المجردة عن العدل.

نظر التاريخ المعادي ولكل رمز من الرموز أعداؤه أن الحجاج بين يوسف كان غشوما سفاكا وخطبته العصماء تؤكد ذلك، وربما ذهب البعض المتأسلم إلى أنه قتل شيخ المفسرين سعيد بن جبير رحمه الله الذي خرج مع فتنة ابن الأشعث، وهذا السياق تنافى مع القيم المنهجية التي نحن أكثر ما نحتاج إليه في زماننا لننقذ من تبقى من شرف الكلمة وقيم الصدق والأمانة والعدل مع الأحباء والخصوم.

فالحجاج بن يوسف الثقافي رحمه الله كان موهوبا، وكان الخليفة عبد الملك بن مروان فطنا ذكيا ثمن قدراته وأدرك مواهبه فجعله على الجند فاستقامت، وجعله على الإدارة والمالية والثغور والقضاء والعلم، وبفضله توسعت الدولة وتحررت ماليا واقتصاديا، بتلك المعايير الثقافية التي ولد بها ونشأ عليها، ولقد نظرت معظم ما كتب عن الحجاج فلم يرتقي ما قيل عنه عن درجة الإخبار، الحكم بالإخبار من الشناعات المنهجية التي تخالف منهجية الاستدلالات.

فليس الأزمات الاقتصادية ولا الجوائح تهددنا وإن كانت من رذائل فعل الإنسان، وإنما نتهدد بغياب المبادئ الأخلاقية وانتصار الرذيلة، وطغيان الزور على الحقيقة وانهيار مجتمع الفضيلة التي نادى به كبار فلاسفة اليونان والعالم ، وهي تلك المدن التي أنشأتها النبوة وخلافة ابن الخطاب الراشدة ، حيث بدأت تتشكل الطبقات وفقا للمعايير الأخلاقية والقيمية والدينية من ثم كانت لهم ولنا أعظم ثقافة ما تزال كتب الحداثة والمعاصرة الغربية تستنبط منها المفاهيم والمناهج والنظريات، ولقد حاولوا  من قبل تأسيس المدينة الفاضلة ونجحوا في المقاربة وتحقيق الرفاه والأمن والصحة، بينما العالم العربي ابتعد عن مدنه الفاضلة التي أسسها الرشيد ابن الخطاب وحفيده في عدد من مراكز الجغرافيا الإسلامية ولم يكن لهم في مدنهم معايير الثروة التي نذل بها في عالمنا العربي وتسفهنا، حتى صرنا أرذل الأمم سلوكا وأخلاقا وأكثرها هجرة وتسولا.

إنها الحقيقة التي لا أظن أحدا يخالفني عليها، بأننا نمتلك أعظم الثروات لم نؤسس بها مدن فاضلة أو مقاربات للمدينة المنورة، وإنما أوجدنا مدن عاد وثمود وكوارث أخلاقية ومظاهر استهلاكية وتفاوت واستعباد وإذلال وإفقار، إنها العبودية القائمة على الثروة، حتى صارت ثقافتنا تقبيل الريال وعبوديته، وتحولت مدننا الطاهرة النقية إلى مدن سياحية تتاجر بالرق والرذيلة، وميزانية كثير من دولنا يعتمد على الربا أو كد فاجرة، بينما الغرب يحاول تقليص الرذيلة يسارع العرب إلى توسيعها، وبينما يسعى الغرب إلى تنمية ثقافتها ونشرها نسعى لتهميش ثقافتنا وأخلاقنا بإحلال ثقافات ولغات بديلة.

تتجلى الإعاقة من خلال كمية التناقضات السلبية بين القرارات وضدها، ويرجع ذلك إلى غياب المبادئ الثابتة والثقافة المنهجية وهشاشة الرؤى التنظيرية والاستراتيجية، كما دولنا العربي تعتمد على إرادة وإدارة التنمية الغربية منذ أن تركنا ثقافتنا الريعية التي ما تزال إدارة الاتحاد الأوربي تدفع دعما للمزارعين الأوربيين سنويا وتعفيهم عن الضرائب، ثقافة المزارع القومي واعتماد الذات إذا انهارت العملات الورقية.

يظهر للبعض أن القوة والعنف والإرهاب السياسي هي العملية الصلبة والوسيلة الوحيدة التي بها تؤدب شعوبا في طبيعتها وتكوينها صلبة، وهذا يتناقض مع معيار التربية الثقافية التي تنشأ عليها الأمم، فهناك وفقا لفلسفة الجغرافيا دولا يمكن تأديبها بسهولة، وفي جغرافيات أخرى يصعب ذلك، كما أن هناك نوعا من التربية الثقافية والدينية تؤسس نفسيات مكافحة ومقاومة، ونوعا آخر من المعتقدات والثقافات تكتم العنف وتلجمه ولكنها تتحول إلى ثورة فوضوية عشوائية مدمرة تسمى ثورة العبيد، و الفارق بين معايير التربية يرجع إلى طبيعة التكوينات البشرية، كالحيوانات تماما، فهناك عائلة من الحمير متوحشة وعائلة أخرى أليفة ومن الصعب إتلاف المتحوش وفي لمقابل يمكن توحيش الأليف لوجود جنس عام يجمع بينهما كما توجد تباينات نفسية تحدد النوعية.

إننا نمر من التضيق الاقتصادي إلى تضييق فرص التعليم إلى التضيق في احتكار الوظائف العامة إلى رداءة التعليم، وهشاشة البنيات المؤسسية وأحادية القرار غير الممنهجة علميا، حتى أن مؤسساتنا لتصدر قرار في نفس الساعة للرد على قرار آخر مما ينعكس حتما في هشاشة الثقافة وهشاشة الثقة.

كل هذا التمردات الثورية قد تخلق عند البعض مقاومة من أجل المحاصصة الذاتية وهذه أفقر أنواع المقاومات الثورية الانتهازية، بينما تخلق للبعض مقاومة وفقا للمبادئ العامة وهولاء لديهم ثورة إصلاحية تصحيحية من داخل مؤسسات الدولة ومن داخل مجتمعاتها في وحدة تكاملية إرادية تغييرة بناءه،  أما البعض فيؤخذ أسهل الطرق ليس لأنه من ذوي الصبر الجميل، وإنما لأنه تعود المراء والمداهنة وتأقلمت نفسه على الدونية وأصبح مطاوعا للعبودية، وأزمة الدولة أن يصل مثل هذه الأشكال إلى مراكز القرار عندها ليس له إلا أن يتبع سياسة ما تعود عليه، استعمال القوة مع الأضعف الأدنى فالأدنى كتضليل فرعون لقومه واستقواءه على بني إسرائيل، أو عبودية الاستمراء عند بني إسرائيل التي تحولت عبر تاريخهم  إلى فلسفة الخضوع والاستقواء، ذلك التاريخ الواضح الذي يفسر ثقافة العبيد في الحكم والمعارضة، ولا شك أن هذه الثقافة أوجدت الكثير من التناقضات والصراعات داخل مراكز النفوذ ومن خارجها وما تزال بعض من الشعوب وكثير من الأفراد لديهم  نفس الثقافة .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه”، و” وأنزلوا الناس منازلهم” هذا المنازل تتأطر بالمبادئ الثقافية والدينية والأخلاقية، أو ما اشتملت عليها الفضائل، ولهذا نجد العسكري والإداري كطبيعة انعكاسية لا يفرق بين أنواع الحمير الأليفة والمتوحشة، فيجعل سياسته التي تعود عليها في المعاملة سواء، ومن أراد أن يعرف ثقافة العبودية المالية سيجدها مترجمة في الدبلوماسيات المعاصرة عند الكثير من الدول، سياسة الازدواجية العبودية بين عالم السادة والنبلاء الغرب، وعالمنا المرتع بعبودية الحضارة الغربية.

إن أخطر أنواع الحمير في الثقافات السياسية الحمر الأليفة التي إذا تهيأت له الظروف تتوحش توحشا سلبيا وتتمرد تمردا فوضويا، وليس التوحش في طبيعتها الذاتية وإن كانت الظاهرة الصوتية والتمرد من خصالها، كالشعوب التي تتلقف الحرية وتطالب بها ولا تعرف أن للحرية مقاييس أخلاقية وثقافية ودينية، بهذه التقاليد والسلوكيات نشهد أزمة الأخلاق وأزمة الوعي.

فالإداري والعسكري الذي يتحول عن وظيفة الجندية إلى جاب وعساس لا يعرف أن وظيفته أخلاقية ولكنه تعود على حياة قطيع الثيران المتوحشة، كتوحشه من المجتمع الذي نشأ فيه ولعله ذاق فيه مهان العبودية ولا أشك بأن الحرة تنجب حرا والشعوب الحرة تجنب أحرار والعكس صحيح.

إن الإشكالية في العسكري هو في افتقاره لقيم الجندية التي كانت في أكثر دول العالم في المرتبة الثانية من النبالة، كما أنها من التقسيمات الطبقية السائدة الموجود في الهند وأوروبا واليونان وفي العالم العربي القديم باستثناء جنس المغول، وهو ما يستدعي إلى ضرورة إقامة دورا تأهيلية تدريبية للارتقاء بالعسكرية إلى رتبة الجندية،

و لقد كانت العسكرة تعتبر الطبقة الأولى في المجتمع المغولي ومجتمع الفرنجة ، ولهذا كان الفرق واضحا بين دخولهم إلى العالم العربي في حادثة التتار والغزوات الصليبية المعروفة، لقد حمل البيزنطيون معهم الكتب العربية واستاقوا معهم اليهود ليترجموا أما التتار فأحرقوا الكتب ورموا ببقيتها في المياه ثم تعلم الفرنجة من بيزنطة سياستها وأعادوا تشكيل الثقافة المعاصرة قرونا ، يغلب عليها الذاتية، فالأخلاق لا يعني صفة ملائكية وإنما كتمان السوء فضيلة، والإفصاح به رذيلة، ولهذا وردت سبعين آية في القرآن تحض على هذه الثقافة.

ولا تستغربوا عندما تجدو الأصوات المرتفعة ورفع الأصوات الإلكترونية والتقنية، أو رفع الصوت لإنقاذ النفس من الخوف بإخافة الخصم، كلها ما التفت يمينا ولا شمالا إلا ووجدتها ثقافة أفريقية – عربية، ولا أعمم تعميما فجا، وإنما اتحدت عن ظاهرة إشكالية تحتاج لدراسات منهجية.

إنني أضمن استقرار النظم العربية وتنميتها وازدهارها وارتقاء اقتصادها وحضارتها إذا أعيد النظر في الأزمات الإدارية والأخلاقية ليس عبر آلية الترويض المتعبة وإنما طريق التزام المعايير المنهجية وقياس مؤشرات التغيير والرقابة.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية

شاركنا رأيك!