سؤال القصيدة في ديوان: عنقود من تراب للشاعر: لحسن عايي

الناقد لحسن بنيعيش    ـ  مكناس / المغرب

  (عنقودٌ مِنْ تُرابٍ) ديوان شعري للشاعر لحسن عايي عن مطبعة أمين ودغيري  الطبعة الأولى نونبر 2019م، ولوحة الغلاف للفنان التشكيلي لحسن محمودي.     

      يأتي هذا الديوان الشعري ضمن سلسلة من الإصدارات: سحر الامتداد 2001م، كوكب الربيع 2009م، لو تنصت العصافير للبشر 2014م، قطرة مطر أستعجل فتحها 2015م، الصدى الذي يعيدني إليك 2017م، وعنقود من تراب 2019م الذي وضع على سرير التشريح عبر سؤال القصيدة.

    جاء الديوان في سياق متــصل بتراكـم شعري واضح  للذات المبدعة و مناخ ثقافي منفتح عبر وسائط رقمية متعددة و تكنولوجيا سريعة و متطورة في تفاعل إيجابي مفتوح مع الحرص على الهوية، أي عبر ثنائية الانفتاح و الخصوصية.

     “عنقود من تراب” ديوان شعري  تتوزّعه 40 قصيدة ذات أنفاس متفاوتة قصراً و طولا. فإذا كان السرد ينبني على الامتداد، فإنّ الشعر ينبني على التكثيف، الأول صوت الجماعة، بينما الثاني صوت الذات. تأسيساً على ما سبق؛ فالمتأمل في العناوين يدرك – دون إعمال جهد – حضور الطبيعة في المنجز الشعري: عنقود – تراب – الحمام – الربيع – بيدر- الحقول – الماء – الرياح – الشموس – السنابل… فعبر شرفة الطبيعة يطلّ الشاعر على عوالم: “الذات و العالم والكون”، تلك الشرفة التي علق عليها العناوين بدقة و أناقة، و ما توظيف الذوق والشم و السمع و البصر و اللمس، إلا ليشاركه المتلقي الصور والمشاهد المفعمة بالإثارة والجمال وسحر المكان ويستمع إلى نبضه ساعة البوح والوجع التشظي والانشطار في مدّ رومانسي جارف.                                                                         

  • عتبات النص:
  • العنوان: تجمع المصادر اللغوية مختلفة على أن العنقود اسم و الجمع: عناقيد و العنقود من العنب و نحوه: ما تعقد و تراكم من ثمره في أصل واحد و في لسان العرب: “العنقودُ والعَنقادُ من النخل والعنب والأراك والبطم ونحوها “1 فكيف ينتظم من غيرها ليكون من تراب؟

 عنوان ماكر لخلق الدهشة عند المتلقي وتحفيزه على القراءة. ومن الملفت للانتباه أن العنوان يكون عادة مأخوذاً من إحدى قصائد الديوان كما عند الشاعر نفسه كما في “قطرة مطر أستعجل فتحها” و “الصدى الذي يعيدني إليك”، إلا أنّه في هذا الديوان جاء بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد مقرونا بالشوق لا بالتراب: “عناقيد الشوق” (ص 62) لتقديم إضاءة أو لزيادة تعتيم وغموض.

  • الصورة المصاحبة: عبارة عن لوحة تشكيلية للفنان لحسن محمودي و تندرج ضمن تيار مدرسة التجريد أو ما بات يعرف بالانطباعية الجديدة من أشهر راودها: الفنان التشكيلي جاكسون بولوك (1912 – 1952) وفرانز كلاين (1910 – 1962) الأمريكيين، و من أبرز ملامح هذا الاتجاه الفني: إثارة القلق دون توضيحه.

     اعتمدت الصورة تقنية (DROPPING)، أي روح الصباغة بالألوان التي تتشكل منها اللوحة: الأسود – الأصفر – الأحمر… دون حاجة إلى أية وسيطة للتوضيح سواء كانت لغة أو إشارة أو علامة. والعنقود في الصورة واضح منتظم في حبات بنية اللون يتخللها لون أصفر فاقع يحيل على الثراء ويحيطها لون أصفر يرمز إلى الشحوب و الذبول، و الحضور عبر سلسلة من الثنائيات: الغنى / الفقر- النضارة / الشحوب – الوفرة / القلة.

  • سؤال القصيدة:

      ما جدوى الشعر؟ من أقدم الإجابات تلك التي ارتبطت بأفلاطون ومدينته الفاضلة التي تنتصر لقيم العدالة و السعادة و من المعروف إقصاء واستبعاد الشعراء منها، والعلة في ذلك أنهم يملئون العقول بالأوهام و يصرفونها عن الجدّ باستثناء ما كان من الشعر أناشيد تحمس المحاربين. لكن على الطرف النقيض الشعر هو الحياة بل حياة أكثر عمراً حتى من مبدعيها، فهذا امرؤ القيس وعنترة وطرفة وزهير… أحياء بيننا بمعلقاتهم. وما ليلى وهند وزينب؟ وما حمرة الورد لولا عيون الشعراء؟ و سؤال القصيدة يدور في فلك دوائر أربع كبرى:

  • الدائرة الأولى: من المخاض العسير إلى الاكتمال.

       ما يجده الشعراء من المعاناة والمكابدة والجهد، من ذلك الشعراء الذين شكلوا مذهبا شعريا، حولا كاملا من التشذيب والتنقيح وتصحيح ما اعوجّ من الشعر وما لحقه من زحافات وعِلل رقيا به نحو مدارج الكمال، وقدر من الإجادة والإتقان حتى عرفوا بعبيد الشعر. ومنه ما شاع عن الفرزدق: “قلع ضرس أهونُ عليّ من بيت شعر”، و قبله عديّ بنُ الرقاع يقول:                                              

“وقصـيدة قـد بـت أجـمـع شـمـلـهـا  õõõ   حـتّى أقـوّم مـيـلـها و سـنادهـا”

وفي السياق ذاته، يقول المجنون:

“يـقولونَ مجنون يهـيم بـذكـْرِها   õõõ   ووالله مَا بـي مِـنْ جـنون ولا سـحـر

 إذا ما قرضت الشعرَ في غير وصفِها  õõõ  أبى – و أبيكم – أن يطاوعني شـعـري”

وإمام المحدثين نزار قباني يقول:

“غـيـر أن الـحـب مـثـل الشعـر عـنـدي

لا يـلـبـيـنـي بـيـسـر وسـهـولـة 

فاعـذريـنـي إن تـردّدت بـبـوحـي”2

و لا يخفي الشاعر لحسن عايي هذا الأمر كسابقيه  قائلا:

“يـا مـن يـكـتـبـك الشـعـراء

بألـف صـورة و صـورة

سـتـظـلـيـن طـفـلـة الـحـبـر تـركـض و تـركـض

و أنا عـاجـزٌ عـنِ اللـحـاق بـك

عابر أتوكؤ على قـلم مـثـقـل بالسـنـيـن

أنـفـخُ فـي تـجـاويـف الـريـح

فـيـأتـي الـناي شـاحـباً يـغـنـي هـذا الـقـصـيـد” (ص 11)

  • الدائرة الثانية: الأنوثة الاشتهاء و الغواية

لما تنمو القصيدة و تكتمل تصبح ذات أنوثة طاغية:

يقول نزار:

“أريدك أنثى

لأنّ الحضارةَ أنثى

 لأنّ القصيدة أنثى

 و سنبلة القمح أنثى

 و قارورة العطر أنثى

 و باريس – بين المدائن – أنثى

و بيروت تبقى – برغم الجراحات – أنثى”3

الشاعر لحسن عايي قد يحبّ كلّ النساء لكنه يعشق القصيدة، لأنه يتمثلها صوتا     ورائحة و صورة:

“صوتك يعيد رسمنا بشكل جنوني

يرسم شفتين على كل وردة

صوتك غجري

لا موطن له.. و أنا أعب الصدى

صوتك بدايات

تزرعنا في كلمات” (ص 40)

“ترياق عطرك يوقظ فينا الكلمات” (ص 42)

لا يلبث أن يتحول ذاك العشق إلى اشتهاء سافر:

“الاستعارة مخضبة  تثير شهوتي”  (ص 51)

و لاسيما إذا  أصبحت القصيدة عروسة عذراء في قمة زينتها:

“أنا ذاك الطفل المتشرد

أشتهي ما ليس لي

أريد لمس كل شيء” (ص 08)

  • دائرة الوجع و الألم:

   إذا  كان الشعر أرقى أشكال التعبير الوجداني، فلأنّ الشاعر يعبر من خلاله عن تجربته الذاتية، و مضمون القصيدة ينبع من ذاته تلك الذات التي  تثير السؤال عن الحياة والموت والحب والحرية و الجمال والطبيعة عن ذات الشاعر القلقة:    

“ذاك الوجع

خنجر يذكرني بألحان حزينة” (ص 82)

  ألمٌ  ووجع يجعل من القصيدة فراشة تحلق بعيداً باحثة عمّن يمنحها ألوانا جديدة غير لون متشح بالسواد. ولأنّ القصيدة ليل يكبر فيه الحزن، حزنا يحبه الشاعر:

“أكاد أمشي في ليل جريح

يكبر فيه حزني” (ص 03)

“أحب فيك حزني

ذاك الخريف المتبقي فيَّ” (ص 42)

  • دائرة الاحتراق:

     تعتبر التجربة موقف ونظرة، أي رؤيا واكتشاف حقائق عن الإنسان والعالم.     والقصيدة كما يراها الشاعر اليوم شرارة وشعلة، فما قيمة القصيدة إن لم تترك خلفها أسئلة و حرائق و ناراً و دخانا؟

“في كل اشتياق 

أشعل قصائدي

فتيلا أحمله في زقاق مظلم

يحترق المعنى في يدي

مقدمة القصيد تحترق

كرقصة النحل في نشوة الاكتشاف” (ص 06)

فتصبح القصيدة لهيبا لا ينطفئ:

“احرقي أثر السنابل فالصيف ولَّى

 و الحقول الذهبية تستقبل سماء وردية” (ص 27)

يضيف الشاعر:

“كم هو صعب أن أترك نفسي و أركب الحبر

 الرسالة ورق  برائحة الصف المدرسي

شمعة وعلبة كبريت ” (ص 33)

  • على سبيل التركيب:

      لا شك أن سؤال القصيدة سؤال مفتوح بلا نهاية و بحث غير متوقف، من العدمية إلى استشراف آفاق واكتشاف جديد للعلاقات، وتخطي الحسي إلى الغوص في عمق الحقائق، بتوظيف كلّ الإمكانات الإيحائية المتاحة: الرمز والأسطورة        و التاريخ و التراث ونظام صوتي لا يعتمد الوزن الشعري فحسب، بل التوازي الداخلي و التكرار… كلّ ذلك لخلق آفاق فكرية و جمالية تستوعب قضايا الوجود    والطبيعة والإنسان. وفي ديوان “عنقود من تراب” رهان وبحث عن هوية، أما الرّهان ففي زمان القبح و البشاعة تسعى القصيدة إلى أن ترينا الجمال و تعلمنا تقديره:

“تعالي فنخيل واحتي لا يفارق سمائك

سامق سعفه أخضر دائم

شعرك كثيف المعنى يداعب الرياح

لا يخشى خريفا في قلب القصيد” (ص 56)

 البحث عن هوية شعرية أو البحث عن أنساق جمالية مدهشة أو البحث الأبدي عن التفرد:

“و أنا كلمات تبحث

عن فصل ليس كالفصول” (ص 11)

أقول – بحدس لا يخطئ –  إنّ هذه الهوية الشعرية مستمدة من بلدته التي أهداها هذا الديوان: “إلى واحتي الساحرة” التي جعلته مفتونا بها من الرأس إلى أخمص القدمين، و أن عنوان الهوية: لحسن عايي شاعر الطبيعة و الجمال.

  • هوامش:

1. لسان العرب للإمام العلامة ابن منظور، تحقيق ياسر سليمان أبو شادي و مجدي فنحي السيد، دار التوفيقية للتراث – القاهرة / مصر – طبعة 2009م، الجزء 09501).

2. “هكذا أكتب تاريخ النساء” – نزار قباني – منشورات نزار قباني، بيروت / لبنان، الطبعة السابعة 1998م (ص 28).

3. نفسه، (ص 35).

شاركنا رأيك!