دولة المغرب بين الأصالة والمعاصرة

د. جمال الهاشمي

يعتبر نظام المغرب أقدم أنظمة العالم العربي على الإطلاق فهو يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وعندما اتحدت عن المغرب العربي فإنني  أتحدث عن تاريخ ضارب في أعماق التاريخ بقرنيه الإسلامي والأمازيغي، ـ وأتحدث عن المغرب بما يعني تثاقف العادات بين جزيرة  العرب الإسلامية مع العرب الفاتحين وحضارة الأندلس الأموية المخضرمة بين عادتين وملوك اليمن السبئية في عرب الأمازيغ المستعجمة وكنعانية الشرق الأوسط العربية القديمة 

أما تاريخه الحديث فهو معلم من معالم الإنسانية الرائدة، وشكلت معلما من معالم القيم الإسلامية المحافظة في اللباس التقليدي اليدوي والطب البديل والمعمار التقليدي الملتصق بثقافة الأرض وما تزال محضن مهاجري العالم الإسلامي والإفريقي،  كما شكلت أنموذجا قادت العالم العربي في أكثر المواقف الدبلوماسية ودافعت عنه وكانت وما تزال أحد القوى الفاعلة التي تشارك في تحديد ملامحه المعاصرة

فإن يممت جنوبا في الصحراء وجدت حسانية الأنصار تربط بين عمق وجودها وتقاليدها العربية الأصيلة، وإن قاربتها  باتجاه الشمال قليلا وجدت فيها أمازيغ تشلحت السبئية، وفي اقصى الشمال ستجد  أمازيغية تاريفت وفيها رياح مختلطة بين عروبية كنعان والعروبية السبئية ، وفي غربها نجد ملامحا من ثقافة الأمازيقية الحميرية؛ فالأمازيع يتنوعون في قبائل عربية مختلفة كانعكاس لطبيعة اليمن الجغرافية حيث سيطر سكان الجبال على ما يتناسب مع حياتهم اليمنية الأولى وسكن الساحل والسهول كل قبيلة بما يتناسب مع نفسيتها البيئيةوبهذا التنوعت تنوعت اللهجات الأمازيغية .

أما عرب الفتح وعرب الدولة العباسية فيتوزعون في مدن الداخل، كما تتنوع الأعراق فيها وهي معروفة ويعيشون داخل هذه القبائل العربية كجزء منهم وهوية مساوية لا يتميز المغربي إلا بألقابه العريقة التي تجذ في ذاتيه قيم الهوية والانتماء.

أما حديثي عن نظامها الشرعي الضارب في تاريخ السيادة والسؤدد فلن يكون إلا كحديث العامة عما يفهمون. وما يزال الطالب الوافد يتلقى المنحة الملكية وكأنها نفحة من الأصالة والتاريخ، ويجد التاجر المستثمر فيها أمنه واستقراره،  هذه الدولة رغم امتلائها بالعلماء إلا أنها تسمع لعلماء المشرق لأنها يتناسب مع نفسيتها، والوقوف مع المغرب في سياستها من انجع السياسات رغم الضغوطات الدولية التي تستغل المشاريع الجهوية.

ينبغي أن نتجاهل السلبيات في دول المغرب كحال بقية  دول العالم العربي مما عمت به البلوى، ، ومع هذل تظل في إطار هذه المقارنة  دولة النموذج رغم قلة مواردها النفطية إذا ما قورنت مع دول المشرق، وهذا ما يميزها عن غيرها من بقية دول الشرق إذا تعمقنا في التسيير الإداري وقيم الوطنية النابعة للشعب المغربي.

دولة المغرب دولة معروفة  في إدارة الأزمات ولها مواقف مشرفة و ما تزال تحتضن  سكان العالم الوافد إليها من المشرق فرارا من فتنها والحروب الدائرة بين مشاريع دولية متناقضة تقاتل عن الآخر الوافد  وقيمه وديمقراطيته وأخلاقه ودينه ومعابده ولا تقاتل عن قيمها ودينها وأخلاقها. فالفرق متسع بين عطش المغاربة للإيمان، وظمأ عوالم الجزيرة العربية للانفتاح والقينان.

دولة حفظت العربية عبر تاريخها رغم خضوعها للاستعمار إلا أنها سرعان ما استعادت قيمها وظهر فيها أعظم مجاهدي الاستعمار الحديث كالخطابي والجزائري وعمر المختار، شعب إيماني بفطرته وإن تحدثت عن الأمازيق فإنني أتحدث عن تبابعة اليمن وملوكها وهامتها الذين استوطنوا المغرب وكانوا سادته،  وأتحدث عن رقتها  وتدينها كحديثي عن الأنصار اليمانية والمهاجرين العدنانية الذين عربوها وأعادوا لغتها إلى عروبتها التليدة المحافظة التي لم تتداخل مع الأجناس الأخرى وظلت في منأى في تلك الجبال الريفية أو في جنوب الصحراء  وجبال الأطلس الشاهقة.

إن الجمال المغربي الأخلاقي ذات نابعة وتاريخية ماجدة،  وأصالة عميقة،  فهو المشرق المغترب، ، وهو الثغر الذي دافع عن الإسلام وما تزال هذه الدولة تهندس قيمها الذاتية الإنسانية رغم التحديات الإقليمية والمحلية والعربية الوافدة بسمومها  القادمة من تدخلات المشرق.

عندما اتحدت عن المغرب فقد عشت فيهم  سنوات من العلم والجمال والكرم والأخوة  والتواضع، شعب يذكرني بعظمة التقاليد العربية القديمة وأصالته الرائدةإضافة إلى تعدده وتنوعه واحتضانهلجميع العرقيات المختلفة،  ويحتضن أفريقيا المهاجرة، بينما مجتمعاتنا القبلية الملوثة ما تزال ترزح تحت كواهل التمايزات العرقية الفاسدة، في تاريخ ملوث يحتاج إلى تحقيق.

لو كان المغرب جارا لجزيرة العرب لكانت أسعد حالا مما هي عليه الآن، فلا يقال عنه بسوء  إلا من غره جهله وتناسى ماضيه وواقعه وعصره، فالمغرب لا يشتري الأصالة بالمال ولا يبيع مبادئه خوفا أو تحت تسمية العلاقات الدولة، ومن نظر إلى ماضيه وجده أعرق دول التاريخ العربي عرقا ونظاما فهو القائم ليست بصنيعة الإستعمار والغرب، وإنما نظامه وحكمه أقدم من دولة أمريكا وصنائعها،  ولا يفتقر الدليل فلديه خزينته من التجارب والعلوم، ومن جهل هذه الدولة فقد جهل العلم وتقعر الجهل وظنه علما ولست أنا من يحدثك عنها ، وإنما عليك بالمكتبة المغربية التراثية لتحدثك عن ماضيه  وحوادثه ومواقفه وتاريخه، ومن أراد معرفة المشرق  القديم فعليه بالمغرب الأصيل. وتزاوج النفحات المجتمعية المغربية بين الرقة والشدة  اليمانية والحكمة والسيادة العدنانية

أما الدراسات الموضوعة والمأجورة لفتح نعرات الهويات العرقية بين عرب فتح الإسلام الحداثى ، بربر العرب القدامى  فتلك مكيدة وقع فيها من ليس له من موضوعية  العلم باعه وليس له من عقلنة التاريخ ثقافة، وليس له من أصول الاستدلال قاعه، ولقد هاتفت بعض تلك الدراسات ساعة ال فوجدت كاتبها يحتاج إلى تعريف، وكيف يسلك مسالك علم الأنسال، بهذه الوقاحة ووينقل أخبارا بهذه الوضاعة،، وما التفريق كالتمييز بين جماعات أمازيغية سبئية قديمة حافظت على أصولها، وبين عرب الفتح الاسلامي المجاهدة التي أعادة صلة القرى بالأقرب والأحق بها في  فلسفة الصلة التاريخية.

ولن تجد شعبا يتحدث عن  إسلاميته ويعتز بعروبته ويغار عليها كالشعب المغربي الكبير – المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا  عرب الفتوحات والعرب القدامى – ، ولمن أراد معرفة البيولوجيا  وعلم التاريخ فعليه بالوقوف تقديرا لهذه الشعوب العربية المنفتحة  التي كانت من صلب أجداد حملوا راية التوحيد ، أو عليه بفتوحات السبئية ملوك برابرة التبابعة، وكما شهدت دول المغرب فقد شهدت العراق والشام والمغرب وأفريقيا عن تلك الهجرات التي شكلت أنموذجا عربيا رائدا وحضارات أصبحت فروعها أصلا وأصولها فرعا، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

كما كانت اليمن من منابع المغرب فإنها تحتاج اليوم لتتداخل مع المغرب كنموذج في التسيير والاعتزاز بالأصالة العربية شريطة أن تغير طاقم سفارتها الخانعة، بسفراء يليق بدولة المغرب ثقافة وذكاء وفطنة وحضارة، كما تحتاج بانفتاحها على المغرب والجزائر لتشكل عمقا للأصالة العربية التي لم تتلوث ثقافتها بالثقافات الوافدة.

ولا أكاد أجد دولة استطاعت في ظل انفتاحها أن تحافظ على قيمها الإسلامية والعربية وهويتها العريقة كدول المغرب لا سيما بعد أن أغلق وابتعد عن سلبية المشرق حيث مشكاته فيه ومنابعه، ومن نماذجه  الفرد الذي لا تستهويه بالرطانة المشرقية، كما  تسوده نخبة  وإن كانت من بينها متناخبة، فما هو حال مشرقنا مشكاة الأنوار التاريخية الذي أوشك أن يودع أساس تميزه ويلهث للبحث عن ثقافة وافدة ويدع ثقافته. وما وجدت مشرقيا هزيلا  في ماضيه إلا وجدته متذبذبا مائعا متقلبا تفتنه الحضارة .

عندما اتحدت عن دولة المغرب لا أتحدث عن المثال الكامل فهي دولة ريعية وليست دولة ثرية مليئة بالمعادن التى تستقطب العمالة ولكنها دولة الكرم الضيافة ، ومع هذا ما تزال  في ظل الوضع العربي المتعثر لها سياستها المستقلة ومحط ترحال وأنظار القوى العالمية ولديعا خبرة سياسية متوازنة توازن الأمور وتتعمق في نتائجها، كما تنعكس الرزانة في رمزية نظامها وأصالة مجتمعاتها.

أما بقاء النظم أزوالها  فهي من سنن الله، من عمل بها أدرك المبتغى ولو كانت هناك دولة خالدة لكانت الدولة الأموية ولمن الأصالىة تتجذروتتعمق وتتوالد من جديد، وتعيد حلقات التاريخ المفقودة برواية المنقطع العدل في علم الحديث، أن هذه  الدولة العربية العريقة بيت الضيافة التي لن تشعر فيها بالاغتراب إذا داهمك تغرب الحال في وطنك، ولن تشعر بفقدان تقاليد المشرق وأصالته التاريخية  اذا احتضرت أو تنابذت ثقافة المشرق في ينابعه ومصادره.

شاركنا رأيك!