دور المرأة الأمازيغية في الحفاظ والنهضة بالأدب الأمازيغي

د: آسية شعبان / أستاذة باحثة

حظيت المرأة الأمازيغية في التقاليد الأمازيغية باحترام كبير داخل مجموعاتها “فهن يشاركن في القرارات المتعلقة بالأسرة والحياة العملية واليومية، وبالتربية، كما لعبت المرأة دورا هاما في الحفاظ على التقاليد الثقافية للجماعة، كما كان عمل النساء والرجال مقسما بشكل يظهر بأن التعامل مع الجنسين قائم على مبدأ المساواة، مما كان يجعل النساء مساهمات بفعالية في مواقف الجماعة واختياراتها، كما تبوأت نساء أمازيغيات في التاريخ القديم مراكز الترؤس والزعامة في أقوامهن”.[i]

 كان لهذه المكانة التي تبوأتها المرأة الأمازيغية دور هام في مختلف العصور التاريخية، في الحفاظ على التراثالأمازيغي بمختلف تشكلاته الفنية والأدبية،وفي مختلف المجالات النضالية والسياسية والثقافية، كما أنها كانت تبدع في مختلف الأجناس الأدبية، سواء أكانت حكاية أو شعرا أو أمثالا أو أحاجي….، دون أن توقع إبداعها باسمها بل كانت تهب إبداعها للذات الجماعية مضحية بذاتها ومتنكرة لها، حيث تتركه إرثا وملكا للجميع.

 كما نظمت الأمازيغيات ملاحم كبرى “ألهمت الشعراء وخلدت كل الأحداث التاريخية العظمى وكل تفاصيل الحياة اليومية بأنواع مختلفة من الإبداع الشعري، وحفظت آداب القبيلة عبر حكايات وراء الموقد والأمثال والأحاجي …”.[ii]

 كما ساهمت أقلام المبدعات الأمازيغيات في العصر الحديث في” إثراء الأدب الأمازيغي وتعزيزه، وكانت بدايتها منذ السبعينات من القرن الماضي  في إطار الحركة الثقافية الأمازيغية. ومن الملاحظ على عموم الإبداع النسوي الأمازيغي الجديد؛ غلبة الشعر على ما سواه من الأجناس الأخرى، ويرجع السبب إلى التأثير القوي للشعر على النفوس. كما لجأت العديدات إلى الكتابة في أدب الأطفال، لتؤكد أنها لاتزال المدرسة الأولى التي يجب أن ينشأ فيها الطفل، يتعلم فيها ويكسب فيها هويته. كما انخرطت إبداعاتها في غمار الكتابة المطلبية المرتبطة بالنضال حول مسألتي الهوية والثقافة الأمازيغيتين”.[iii] وهناك أسماء ظلت مجهولة وأخرى بارزة وعريقة كان لها أثر كبير في تغيير واقع الأدب المغربي والأمازيغي …

وهذه بعض الأسماء لنساء أمازيغيات ساهمن في الحفاظ على الهوية المغربية في مختلف المجالات، وشاركن في تدبير شؤون الدولة والمحافظة على العرش المغربي. لكن ما يهمنا هنا هو مساهمتها في المجال الأدبي. فلقد حفظ لنا التاريخ منذ العصر الموحدي أسماء أديبات وشاعرات، لمعن في سماء الأدب، “كالأديبة الشهيرة “أم هانئ بنت القاضي عبد الحق بن عطية”، و”زينب بنت يوسف بن عبد المومن” و”حفصة الركَونية” التي كانت أستاذة قديرة بدار المنصور بمراكش” بل إن من بين النساء الأمازيغيات المغربيات من استطعن، منذ العصور الوسطى أن يكتسحن “النادي الشعري الأندلسي” في غرناطة – بشعر عربي فصيح ورغم حداثة تعرف الأمازيغ على اللغة العربية وآدابها، و”حفصة بنت الحاج الركونية المصمودية” المنحدرة من قبيلة مزوضة بشمال الأطلس الكبير بالجنوب المغربي لمراكش قرب إمنتانوت. وكانت مؤلفات اهتممن بقضايا الشعر والأدب مبثوتة بأشعار البعض منهن، كما هو الشأن بالنسبة “لحفصة الركَونية” التي انحدرت أسرتها من الأطلس الكبير إلى الأندلس، والتي شغل شعرها شعراء وأمراء الأندلس في العصر الوسيط” [iv]

إضافة إلى هذا ومما يتبادر إلى الذهن من أول وهلة ونحن نتحدث عن مساهمة المرأة الأمازيغية في مجال الإبداع الأدبي هي وظيفة الحكي(قص الخرافات والحكايات والأساطير على الأطفال).

إذ إن مهمة الحكي لا تدل فقط على مدى المساهمة في الحفاظ على اللغة التي لها علاقة وطيدة بالفكر – وبذلك فالحكايات والأساطير لا تقوم فقط بمهمة تدوين اللغة وتقعيدها وبتمرير أنماط التفكير ومجالات الفكر ومضامينه المعرفية – بل إن مهمة الحكي تدل أيضا على ما هو أهم: إنها تضحيتها بذاتيتها من أجل المساهمة في تدوين لغة وفكر شعب، متنكرة لذاتيتها ما دامت لا توقع حكاياتها وأساطيرها باسمها. فهي بذلك تعتبر نفسها هبة للوطنية وللهوية بل للكونية بخصوص هذا المجال (مجال الفكر) الذي هو ملكية للإنسان مهما تباعدت مناطقه الجغرافية وتنوعت إثنياته وتنوعت إنتاجاته الفكرية وتعددت تعابيره اللغوية. في إطار هذا الدور الحفاظي على اللغة يقول الأستاذ “عبد العزيز بنعبد الله” عن المرأة في الريف: “في بعض القبائل الريفية مثل قبيلة بني بشير ما زالت النساء يتكلمن بتامازيغت في حين أن الرجال يستعملون العربية لقربهم من جبالة” [v].

هذا بالإضافة إلى مساهمة المرأة الأمازيغية في مجال الإبداع الشعري والغنائي:”وفي مجال الشعر – إذا ما تجاوزنا ما أبدعته الشاعرات والمغنيات في جنوب المغرب ووسطه وشماله – تكفي الإشارة إلى “أغاني تاساوت” ل”مريريدا ن آيت عتيق” وكذا ما أنتج باسم “ميلودة الحسيمية” في الريف، للوقوف على ما تساهم به المرأة الأمازيغية في مجال الشعر والغناء؛ وبالتالي في مجال الحفاظ على تراث لغوي وفكري وفني من قبل مؤلفات ومبدعات غير معروفات الهوية، بالرغم من وجودهن واقعيا. فبعد أن أملت “مريريدا ن آيت عتيق” أشعارها على “روني أولوج” افترقت معه وغابت عنه، فحاول أن يتصل بها من جديد واستفسر عنها في كل مكان، ولم يتمكن من الاتصال بها من جديد؛ إذ ليس الاسم الذي تقدمت به إليه اسمها الحقيقي، كما لا يعرفها أحد في المكان الذي أخبرته بأنها منه. ونفس الشيء بالنسبة للمغنية الريفية التي لا زالت تبدع إلى اليوم ولا يعرف أحد من هي في الواقع. إنه إسهام إبداعي وفني وفكري وأدبي وغنائي؛ ولكنه في نفس الآن نكران للذات الفردية ومساهمة وهبة للذات الجماعية”.[vi]

وتجدر الإشارة إلى أننا نادرا ما نستحضر إنتاجا أدبيا وإبداعيا آخر ساهمت المرأة الأمازيغية في إنتاجه وتوظيفه في التنشئة اللغوية والثقافية والعقلية للأطفال، وهو المتمثل في “الألغاز مع استحضار ما لهذا الجنس الأدبي من بنيات صواتية ومعجمية وتركيبية، وخصوصيات بنياتها اللغوية، ووظائف منطقية إستيتيقية أو جمالية ووظائف سوسيوثقافية”. [vii]

       يتضح إذا أن دور المرأة في الحفاظ على الثقافة الأمازيغية يعد أسلوبا من أساليب صيانة الذات من الاستيلاب، حيث سهلت انتقال التراث الأمازيغي الشفوي من جيل إلى آخر عبر الحكايات وقصص الأطفال والأشعار المغناة…، وهي في قيامها بهذا الدور طيلة المرحلة العصيبة التي مرت بها الثقافة والحضارة والهوية الأمازيغية، استحقت أغلى الأوسمة على الإطلاق، باعتبارها الحامل والحامي الأساسي لهذه الثقافة وهذه الهوية من الاندثار والانقراض.


[i]  مريم الدمناتي، المرأة المغربية والظلم المزدوج،مقالة في جريدة الأحداث المغربية،عدد:15/أبريل/2002.

[ii]  فؤاد أزروال،الأدب الأمازيغي المعاصر بالمغرب مظاهره وقضاياه،مرجع سابق، ص:101.

[iii] فؤاد أزروال،الأدب الأمازيغي المعاصر بالمغرب مظاهره وقضاياه،مرجع سابق، ص:103.

[iv]  الحسين آيت باحسين ، دور المرأة الأمازيغية في الحفاظ على البعد الأمازيغي للهوية المغربية من خلال إبداعاتها، مرجع سابق.بتصرف.

[v]  الحسين آيت باحسين ، دور المرأة الأمازيغية في الحفاظ على البعد الأمازيغي للهوية المغربية من خلال إبداعاتها، مرجع سابق.

[vi]  نفسه، بتصرف.

[vii] نفسه ، بتصرف

شاركنا رأيك!