جدلية التناقض بين الأمن والثقافة

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو 20200617_223525-1.jpg
د. جمال الهاشمي

د. جمال الهاشمي

من علل استراتيجيات الصنائع الثقافية أن تفيق المجتمعات على تحولات ثقافية جذرية مباشرة، فيجعل المجتمعات بين أزمتين متصارعتين تقسم المجتمعات بين محوري الشر والخير، أو بين تطرف الانفتاح وفوبيا الانطواء، وبدلا من توحيد المجتمعات تشتيتها، ومن تمكينها تهميشها، كما تعتبر الصدمات الثقافية وفقا للدراسات النفسية والاستراتيجية من أهم القوارض الأمنية التي تهدد السلم والتماسك الاجتماعي ووحدة الدولة.

وانطلاقا من ذلك مارست ممالك وإمارات العالم العربي سياسة العزل الثقافي لمجتمعاتها وفجأت عمدت إلى الانفتاح والتغيير المفاجئ، تحاول بهذه الطريقة أن تظهر وجها مختلفا لسياستها بعد أن تبين لها أن العالم ليس أكثر من قرية لا يُخفى كثير مما نعمله أو نفكر به، متجاهلين أن العالم بهذه التطورات التقنية والتكنولوجية والاستخباراتية أذن صناعية تتصنت على الألسن البشرية، وأسلحة متساوية ومتداخلة، بل وكل شركة أوروبية وأمريكية لديها أجهزتها الاستخبارية الخاصة وبعضها تتفوق على دولها في هذا الجانب وترفد دولها بكثير من البيانات المعرفية التي تقدم لمراكز القرار وترتبط بها مراكز بحوث عالمية، ناهيكم عن تنوع وتعدد طرائق الاستخبارات المتبعة.

أما النظم العربية فليست لديها معايير أمنية مطلقا وتفتقر رغم استيرادها للتكنولوجيا المتطورة، وتعتمد على العالم المتقدم في توفير خدمات التصنت خلال العمليات العسكرية أو السياسية، وفي كل حقبة جديدة سيكون ويكليكس جديد مدعوما بأجندة خفية ترعاه وتديره شركات عالمية بالتعاون مع حكومات عابرة لقوميتها، فالشركات بطبيعتها لها مصالح من دولها ولدولها مصالح متداخلة.

عندما تتوفر المعلومات عن النظم العربية الحاكمة عبر صحف أجنبية أو مواقع ويكليكس فمعناه أن هذه النظم مخترقة وغير قادرة على حماية خصوصيتها ومن باب أولى من الصعوبة حماية شعبها، ويرجع أسباب ذلك التصنت إلى فوبيا النظم الحاكمة وارتباكها في التعاطي مع طبيعة التقنيات الأمنية.

هنا يظهر لنا إشكالية الاندفاع في عمليات الانفتاح دون صناعة الوعي الشعبي وفق معايير صالحة للتعاطي مع الآخر، وكل تلك التغيرات المفاجئة تحتاج إلى سياسات عميقة في كيفية تغيير الطريقة والأسلوب وليس بانتعال الأخلاق الأخرى ثم تتوجيها بنفس الوقت.

هناك نباهة استراتيجية للغرب عندما يصدر العالم المتقدم السلاح الى العالم العربي حيث تتحدد من خلاله عدة تقنيات بيانية وجغرافية وزمنية وفي المقابل فإن الانفاق على التسليح من شروط الصداقة بين دول الاستيراد والتصدير، في الوقت الذي يرى الغرب أن هذه البلدان المستوردة تحتاج لقيادات تدير لها كثير من الآليات وخصوصا أجهزة الرقابة والوقاية. فتتعاقد معها مرة أخرى باستيراد نخبة من بلد التصنيع لإدارة المعدات.

وبنفس الوقت تؤسس مراكز البحوث لإدارة السياسات من خلال ثقافة الاستيراد للكثير من هذه النماذج ليس لأنها قوية منهجيا وإنما لكونها تطلع الأجهزة العربية النائمة بمجريات ما يحدث في بلدانها عبر علاقة الكادر الغربي المدير للعقليات العربية البحثية بالشركات الأمنية والقيادات الاستخبارية لبلدانها، ومن ثم توجه سياسات الدولة عبر مراكز البحوث الغربية أما الجامعات العربية مراكزها البحثية والمراكز الأخرى فليست أكثر من منصات ثقافية استعراضية كاستعراضات القوات العسكرية.

ليس لي من هدف شخصي موجه لأية دولة أو نظام عربي، وليس من أخلاق الباحث مطلقا أن يستخدم دراسته بتوجهات عاطفية، وإنما الغاية من ذلك التنبيه لخلل يجب النظر فيه عبر إثارة إشكاليات موجهة تمنح المثقف السلطوي إن كان قارئا للنظر في الخلل القائم والبحث عن معالجة ذلك عبر وضع استراتيجية مستقبلية واستجداء استراتيجية تكتيكية معالجة، وعبر هاتين الاستراتيجيين يستطيع الخروج من مأزق الاتكالية الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية.

ونؤكد أن الأزمة الثقافية التي تتولد عن الانفتاح أخطر من الأزمات التي ولدت بسبب الانغلاق وكلتيهما أزمة، وأخطرهما التناقض بين ثقافة الانغلاق وثقافة الانفتاح، وهنا يأتي الدور الإداري السياسي الفطن في كيفية المعالجة وإدارة الأزمة والإدارة بها للخروج منها وتحويلها الى قوة.

لا شك أنه ليس هذا كل ما أريد قوله ، فالعقول متفاوتة ومتكاملة، والإشكالية تعتبر من مهمة جدا لإدارة الأزمة وتحليلها والكتابة عنها ووضع حلولها عبر مشاريع مطروحة مغلقة لتكون أول مراحل بناء الأمن وليس عبر الأثير والنقشات المفتوحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهذه من الأزمات الأمنية وإن ظن البعض بتفاهة ما يقول، وإن كان في الغالب أننا كباحثين نتنافس مع المغنيات والراقصات على وقفات المسرح والاستعراض، متجاهلين دورنا كباحثين مسؤولين نساهم في رشادة صناعة القرار من وراء الكواليس وننشر بحوثا أخرى ممنهجة وموجهة للوسط الاجتماعي ونقيم دورات وورش عمل تكون لها رسالة وليست مظهرا من مظاهر التسلية ونزف ثروات الشعوب والأمة عبر نخبة متعالمة تضرها ولا تنفعها.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية

شاركنا رأيك!