ثقافتنا القيميّة ووقفة مع ذواتنا

د. نهلة الشّلبي أستاذة النحو والصّرف – جامعة العين – دولة الإمارات العربيّة المتّحدة

  يتفق الجميع اليوم على أنّ (المجتمع العالمي)، يعيش صراعًا وفوضى قيميّة لافتة للنّظر، وفراغًا أخلاقيًا مهولًا، وتعديلًا للمنظومات القيميّة، التي تهمل فكرة وعي الإنسان المعاصر بها، وفي غمرة المنافسات التي تقوم بين شعوب الأرض قاطبة لإثبات وجودها، سنسلط الضوء على أزمة تعيشها أمتنا العربية والإسلاميّة، التي أريد لها أن تنصهر في العالم ليعاد تشكيلها ضمن مُعطيات معيّنة، ففكرة (عولمة الثقافة) التي ترجمت بصيغة معلوماتيّة كانت أول تلك التحوّلات؛ نظرًا لانتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ من( فيسبوك، وتويتر، وانستغرام … )، التي ساهمت في صهر العالم بثقافاته المُتعدّدة من ( تحلل، وإباحيّة )، فإذا بها تمثّل وعاءً يصبّ فيه الآخر ما يشاء.

      واليوم؛ نؤكّد على معاناتنا من الذي صُبّ في أوعيتنا، ثم نبحث – بعد ذلك – عن حلولٍ  لنخفّف وطأة المصبوب، فما جاءنا من الآخر حقيقة جاء يحمل ثقافته، وكأننا خلونا من ثقافة مُستقلّة هي ( ثقافة القيمة) في ديننا الحنيف، التي ننظر إليها من خلال(كتاب الله)، و(سُنّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم )، ومن خلال أقوال علمائنا الراسخة في عدم الخروج عن هذين المصدرين الثابتين، وتبعًا لذلك – ترانا اليوم – أمام جيل يتأثر بهذا التّحوّل( العولمي الثقافيّ )، فيستعير ثقافةً ليست منه وليس منها، بعد أن سُخّرت له المئات من الأقمار الصّناعيّة التي تجوب العالم، يرسل ويستقبل دون ضوابط، تلك هي عدّة المُفلس.

     هذا الوضع الكارثي، تعود أسبابه إلى نظرة شبابنا وشاباتنا إلى تلك القوالب الفكرية لثقافتنا، وعاداتنا التي يرون أنّها ما زالت محنّطة، فيما جذبت أفكار الغرب شبابنا؛ لاستخدامها البريق، والإبداع، والإبهار. فثقافتنا بُنيت على فكرة أنّ الأخلاق تقوم على المنع لا على الامتناع، الأمر الذي أدّى إلى ظهور مقولة تتردد على أسماعنا: ” كلّ ممنوع مرغوب “، غير أن ميراث الأنبياء  – كما نعلم – يقوم على فكرة الامتناع لا المنع؛ انطلاقًا من مبدأ (الأمانة)، أمانة الفرد بينه وبين ربّه، تلك التي تساعد المجتمع على الالتزام الخلقي، و(الضمير الفردي) الحيّ اليقظ، الذي يعدّ ركنًا أساسيًا في التزامه؛ لأنه  يذكر صاحبه دومًا بأن الله سيحاسبه على كل صغيرة و كبيرة؛ مستشعرا بذلك مبدأ المراقبة، مراقبة الله له في طاعته بالعمل، ومراقبة الله في معصيته بالترك، ومراقبة الله في الهم والخواطر.

   وها هي أم النعمان، من اللواتي تربين في مدرسة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، تضرب لنا أروع الأمثلة في المراقبة الحقة لله ويقظة الضمير الحي، حيث جاء في الصحيح عن النعمان بن بشير، أن أباه بشير أراد أن يعطيه هدية، يخصه بها دون بقية إخوانه من باقي زوجاته، فقالت أمه عمرة بنت رواحة: فلا أرضى حتى تُشهِدَ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم)،  فأتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: يا رسول الله، إني أعطيتُ ابنَ عمرة عطية، فأمَرَتْني أن أُشْهِدَكَ، فقال:” أعطَيْت كل وَلَدِك مثل هذا؟” قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه  سلم: “اتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم”، قال: فرجَع فرد عطيَّتَه.

   فالضمير الصادق يقدم مصلحة مجتمعِه الظاهِرة، وأهله على مصلحته الشخصية القاصرة، أمّا الضمير  الميّت فيغفل القلب معه عن ذكر الله؛ لذا، ترى الخائن يؤمن، والأمين يخوّن، والكاذب يصدَق، والصادق يكذب، فيخبو العدل، ويكثر الشح، ويقل الناصِح، فتستمطر على إثر ذلك الآفات والعقوبات، التي تهدم البنيان لبِنَة لبِنَة.

   هذه الأزمة القيمية المدمرة، التي تجتاح مجتمعاتنا اليوم، تحتاج منّا – أخي القارئ وأختي القارئة – إلى وقفة صادقة مع ذواتنا؛ نطرح فيها بعض الأسئلة، التي تساعدنا على تصحيح مسارنا، فنتمكن – بعد ذلك – من بناء منظومة أخلاقية ذاتية،  تدرأ مخاطر الانزلاق إلى الحرام بشتّى أشكاله.

   هل يمكننا العيش بدون (قيم) وضوابط أخلاقية وسلوكية؟ وهل قيمنا ثابتة أم متغيرة ؟

القيم – كما نعلم – هي المعايير والضوابط في الحياة، بها يتجسد ضمير ووجدان الأمة، وهي الموجه والمنظّم لسلوك أفراده وجماعاته، وهي التي تعبر عن خصوصيته وهويته، وبالتالي فلا بدّ أن يكون إنتاجها إنتاجًا ذاتيًا، غير أنّ القيم اليوم قيم (متغيّرة)؛ لأنها تنتقى انتقاء بما يتناسب مع المقام والمقال؛ إذ أصبح لكل فرد قيمه الخاصة به التي يسير على هديها، يهاجر بهجرتها، ويعود بعودتها، فالتّغيّر، والزّوال إذًا، هما القوتان المتحكّمتان في حياتنا المعاصرة، وهما اللتان تغيّران من نسيجنا الوجودي، وتصوغان حياتنا وعقولنا في إطار وضعيات ومرجعيات جديدة لم تكن مألوفة من ذي قبل.

  والنّاظر في حال مجتمعاتنا العربيّة، التي داهمتها الحداثة من دون استعداد كامل وواع لها، يلحظ حالة التّصادم الكبير التي حدثت بين المنظومتين التقليدية والحداثيّة، فنحن نعيش خصوصياتنا حتى البداوة، وننغمس في عالميتنا حتى الثمالة، نستخدم أحدث الأدوات في حين ترانا نرفض أحدث الأفكار والمناهج، نتشبث بالأصول – حتى النخاع – على صعيد الخطاب والكلام، ولكننا نخرج عنها ونطعن بها بأفعالنا وممارساتنا، وهذا ما جعلنا نفقد بوصلة (القيم)؛ لأننا آثرنا أن تنحو التنمية في مجتمعاتنا منحًا ماديًّا، فشيّدنا المباني الشاهقة، وبنينا الجسور مددناها هنا وهناك، ولكننا ضحينا بقيمنا الرّوحية، فغيبنا تأهيل الإنسان الذي أصبح يتعامل معها خارج مرجعيتها العلوية المرتبطة بالقانون الإلهي.

   إنّ حالة (الاغتراب) التي نعيشها في عالمنا العربيّ، ناجمة عن محاولتنا العيش في عالمين غريبين عنا؛ نظرًا لبعدهما الثقافي والفكري والتاريخي، فعالم الثقافة التّقليديّة الذي ننظر إليه بعين الاحترام والقدسيّة يشدّنا للعيش في إطاره، غير أنّه لا يضمن لنا حاجاتنا، أما عالم الثقافة الحديثة في القرن الواحد والعشرين فيشعرنا في كل لحظة بالنقص؛ لأننا نستهلك منتجات لم نسهم في بنائها.

   هذا (الاضطراب والتّخلخل القيمي) الذي يعيشه العربي، خلق منه كائنًا غير مستقر، يعيش صراعات وانهيارات نفسيّة في سياق مواجهة التموجات الثقافيّة القيميّة، التي تتعارض مع المنظومة القيميّة السائدة؛ ساعية إلى هدمها والحلول مكانها، فاختلّ على إثر ذلك توازنه السيكولوجي والثقافي؛ والسبب في ذلك يعود إلى عدم حسمه  في اختياراته القيمية، وتأجيله لذلك. فشخصيته التي أصبحت مفككة البنية، تجدها أكثر استعدادًا لتشرّب القيم الأجنبية الوافدة، وذلك بدوره يخلق حالة من التذبذب على مستوى الانتماء الثّقافي.

   ومن المعلوم لدينا أن المنظومة القيميّة مرتبطة بالكائن الإنساني، الذي لا يتوقف عن التغير والتبدل إلا بموته؛ لذا تعتبر منظومة القيم منظومة متغيرة لاختلاف الأجيال والعصور. وعليه، فإننا اليوم أمام إشكالية (الثابت والمتغيّر) التي لا تسمح لنا فرض منظومة قيم، واعتبارها ثابتة لا تتغير، لكننا – في الوقت نفسه – لا نعني بــــــ( التغيير) فتح سوق القيم على مصراعيه، وأخذ ما يتدفق علينا من قيم وافدة؛ لأنّ مسؤوليتنا أكبر من ذلك بكثير؛ إذ الأصل أن تكون منظومتنا القيمية قادرة على التكيف، والمواءمة، واستيعاب القيم الأخرى، وتحويلها لصالحنا حتى لا تتضاد معها.

   أخي القارئ، أختي القارئة،

أدعوك إلى وقفة مع نفسك تطرح عليها السؤال الجوهري الآتي: هل تكمن السّعادة فيما حققناه من رفاهيّة نتيجة التقدم العلمي الهائل؟    نحن اليوم نشتري أحدث الجوالات وأكثرها تطوّرًا، ونفرش بيوتنا بأفخم أنواع الأثاث، ونرتدي أجمل الملابس، ونتعطر بأفخر العطور، ونقود أفخم السيارات، غير أننا لا نشعر بالسّعادة، والدّليل على ذلك أننا عندما نختلي بأنفسنا لنتأمل حقيقة حياتنا، ندرك ساعتئذ أنّنا فرغناها من شيء جوهري ألا وهو ( معنى حياتنا )، وفي ظل غيابه سنبقى نعيش لحظات متتالية لا معنى لها ولا هدف ولا غاية.

شاركنا رأيك!