ثـقافات و حضارات.. أي حوار؟

أ. محمد عدنان بن مير
ماجسير في إدارة الموارد البشرية -الجزائر

قبل التفصيل في الموضوع كان لزاما علينا إيجاد مفهوم واضح لكل المفردات المكونة للعنوان .  فالحوار وسيلة لتبادل الأفكار و الآراء  و بذلك يعد قيمة أخلاقية و سلوك حضاري لا بديل عنه إذ الحوار مركب الفكر الناضج و المتمتع بالمصداقية الذي يعمل على جلب الفكر الأخر و يبادله الرأي و يشاركه صناعة الحقيقة.

وبهذا يكون الحوار أنجع الوسائل لحل النزاعات و أفضل السبل للتفاهم و التقارب الحضاري بين الأمم و الشعوب . و بالحوار ننقل ثقافتنا و معالم حضارتنا إلى الطرف الأخر إذن فالحوار رابط  حقيقي بين الثقافات و الحضارات وحتى يتبن وجه الربط بينهما بواسطة الحوار نبين مفهوم كلا منهما .

إن الثقافة ليست علما يتعلمه الفرد بل هي المحيط الذي يحيط به و الإطار الذي يتحرك داخله وهي كل ما يعطي للحضارة سمتها الخاصة بها (1) .

كما أنها تشمل المعرفة و العقائد و الأخلاق و القانون و العرف و كل القدرات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضو في مجتمع ما (2)

وأما الحضارة فهي عبارة عن إبداع و ليست تكديس ولا جمع لركام من الأشياء و إنما هي بناء و تركيب لعناصر ثلاث الإنسان و الزمن و التراب .

و هذه العناصر لا تمارس مفعولها ضمن حالة الشتات و لكن ضمن تالف يحقق بواسطتها جميعا ارادة و قدرة المجتمع المتحضر (3)

واعتبارا أن الحوار هو خاصية إنسانية و سلوك حضاري بل هو ثقافة في حد ذاته كان لزاما على شعوب المعمورة الجنوح إليه و سوف نركز على الحضارتين العربية الإسلامية و الغربية  و مدى استعداد كلا منهما لسلوك الحوار كطريقة حضارية بالإضافة إلى مصدر و مشروعية الحوار و العوائق التي تحول دونه و السبل المؤدية له .

1/ دعوة الحضارة العربية الإسلامية للحوار و مشروعيته :-

انه بالرغم من المد و الجزر الذي يكتنف العلاقات بين الحضارتين إلا إن الحضارة العربية الإسلامية ظلت يدها ممدودة للحوار و لازالت إذ الحضارة العربية الإسلامية صاحبة رسالة خالدة و مبادئ سمحة و التي تتمثل في الإسلام ذي الصفة العالمية  (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )5

وبهذه الصفة تكون الحضارة العربية الإسلامية بحق داعية للحوار بين الشعوب و الثقافات مهما اختلفت.فماهي مشروعية هذا الحوار الحضاري ?

ان الحوار الذي تدعو إليه الحضارة العربية الإسلامية مصدره القرءان الكريم و هو مشروع لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) 6

لكن ماهي أركان هذا الحوار؟ و تفهم الأركان استنباطا من قوله تعالى ( فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)7

إذ هي ثلاث أركان:-
-1/ إطراف الحوار
-2/ قضية الحوار 
-3/ الأخذ و الرد في قضية الحوار 

و يتصف الحوار الذي تدعو له الحضارة العربية الإسلامية بتجرده من ذاتية المتحاورين و قد ورد ذلك على لسان النبي ﷺ في قوله تعالى ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)8

و بالفعل كانت و لا زالت الحضارة العربية الإسلامية يدها ممدودة إلى الحوار ففي الأمس احتكي أسلافنا بالحضارة اليونانية

و الهندية و الفارسية  باطلاعهم على ثقافات  متنوعة ونهلوا منها ما وجدوه نافعا لهم و لا يعارض تعاليم العقيدة الإسلامية

فاخذوا الفلسفة و الرياضيات و الأدب لأنهم لم يعربوا شيئا من الآداب اليونانية و الهندية و الفارسية ذات الطابع الوثني ” 9

 و  يعد هذا الاحتكاك بين الحضارة العربية الإسلامية و باقي الحضارات بمثابة حوار حقيقي الذي يجسد المفهوم الذي بادرنا إلى طرحه كما انه دعوة للحوار الحضاري البناء إذ يمثل تبادل ثقافي ومن واجبنا نحن العرب و المسلمين عموما العمل على جلب التكنولوجيا التي تخدم ديننا و دنيانا و نطلع إلى ما توصلت إليه الحضارة الغربية في مجال الإبداع الفني و الأدبي و العلمي و غيرها من المجالات الأخرى بشرط ان لا يعارض قيمنا و عقائدنا التوحيدية و مقومات شخصيتنا العربية الإسلامية.

 و يرى الأستاذ عبد الهادي بوطالب ” على العالم الإسلامي أن يعي بان العالم الغربي يواجها أفقا غامضا  فالمسلمون مطالبون بالتعريف بما لديهم من عطاء للخروج من هذه الأزمة…هذه المعطيات أو العطاء التي يمكن أن تبلور الهوية الإسلامية المتميزة فعلا “1 

حتما انه إذا قمنا بتعريف ثقافتنا العربية الإسلامية و معالم شخصيتنا و مجتمعاتنا ورسالة الإسلام تعريفا صحيحا يعتمد الموضوعية و التمحيص و يبتعد عن التعسير و يدنو إلى التسيير و يترك الشعارات المكسوة بالعاطفة.

فانا الغرب سوف يدرك جزما خصوصياتنا و يتفهمها و يكف عن كيل الاتهامات التي  يقذف بها ألينا  “2

فمن جملة الاتهامات الإرهاب و الأصولية و التطرف و تخلف الأنظمة السياسية في مجال الديمقراطية و حرية الرأي و حقوق الإنسان.

بهذا استطاع الغرب إن ينظر إلى فكرة فوبيا الحضارة الإسلامية من التوصل إلى التحكم المطلق في مصير الشعوب و تصدير أفكار مظلة ضالة   .

ويمكنني هنا طرح إشكال مفاده هل نفتقد إلى منهج سليم و دقيق يمكننا من إيصال معالم و قيم الحضارة العربية و الإسلامية إلى الطرف الأخر وعليه فانه إذا لم نتمكن نحن العرب و المسلمين من إيجاد منهج دقيق نتعامل به مع الغرب فانه يبقى يجاهر لنا بالعداء و يقذفنا بما لا يمت لنا بأي صلة و يتجسد هذا العداء في الجانب الفكري و المعنوي من خلال الرسومات الكاريكاتوري و غيرها تحت طائلة حرية التعبير ولا مناص من أن يتحول إلى صراع عسكري مسلح  باحتلال بلدان إسلامية بحجة تخليصها من الأنظمة الدكتاتورية و الإرهاب  وهوما أدى بظهور حركات مدعومة من جهات القوى الاستعمارية الكبرى تدعي الإسلام في مسعى منها لتشويه صورة الإسلام لدى الرأي العالمي عموما بتدبير العمليات الإرهابية .

 بعدما حسم الغرب صراعه السياسي و الفكري و العسكري بقى الجانب الفكري و الديني مستعصيا رغم حملات الغزو الفكري و الثقافي التي بدأت في الماضي كنظام خفي عن طريق البهائية و القاديانية و الماسونية… وكلها معاول هدم مدبَّر للإسلام وأهله؛ ولذلك يجب على المسلم أن يُفشِي أخبارها، ويُحذِّر من ضلالها، فإن هذا من أعظم الجهاد في هذا العصر، وقد بلغ الضلال بأحدِهم إلى ادِّعاء النبوة كما فعل الدجال (علي محمد الشيرازي)، وغيره ممن تعظمهم (البابية) و(البهائية) و(القاديانية)، وينتشر بعضهم في أمريكا وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، وتعتبر فارس والهند أعظم مهد لفئات الضلال، ففيهما الجمعيات السرية، والفرق الباطنية التي تبث سمومها وتكيد للإسلام

 لتصل اليوم إلى الحداثة و العولمة و الفضائيات التي تدس في برامجها سما و تهدف إلى تمجيد الثقافة الغربية و الدعاية لها بأيدي ناعمة مساهمة في هدم البناء الاجتماعي و الفكري للمجتمعات الإسلامية  حيث نصبت لذلك منابر إعلامية و سخرت أقلام و صحف تطرق قضايا هي من المحرمات في شرعنا ثم يقال بأنها حرية تعبير  عندهم و من الطابوهات عندنا او المسكوت عنه   و هي خلافا لذلك قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوؤكم ) هذا تأديب من الله [ تعالى ] لعباده المؤمنين ، ونهي لهم عن أن يسألوا ) عن أشياء ) مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ; لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها ، كما جاء في الحديث : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ” .

و غاية الغرب من الحداثة و العولمة و الإباحية هو طمس  معالم الحضارة العربية الإسلامية و بالتالي الدعوة إلى التصادم بدلا عن الحوار الحضاري الذي يقوم على احترام خصوصيات المجتمع الذي نحاوره و نو الاعتراف بحقوقه . ومن المنطق ان يواجه هذا الغزو الثقافي و الإباحية من خلال التيارات الإصلاحية التي تجعل من الإسلام مشربها و القرءان الكريم دستورها . ثم إن الغرب  رغم تغنيه بشعارات الحرية و العدالة لا يتوان في نعت التيارات الإصلاحية و الحركات التحررية التي تقاوم من اجل استرجاع حقوق شعوبها المسلوبة و يتهمها بالتطرف و الأصولية و الإرهاب  مجاريا فكرة من صفعك على خدك الأيمن ادر له خدك الأيسر. اذ لم يتعرف العالم الغربي بحق الشعب الفلسطيني بالسيادة على القدس و الأراضي المحتلة  إلا بحلول الوقتية سعيا منه إلى طي صفحة الحق الفلسطيني و طمسه تحت طائلة صفقة القرن . و استقراءا للإحداث التي يعيشها العالم اليوم تقف الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل في فوهة الصراع باحتلال العراق وسوريا .

من أجل إيجاد خريطة سياسية جديدة تمكن الغرب من إحكام السيطرة على مصادر الماء و الطاقة   أو مايسمى منطقة الهلال الخصيب  كما ان هذا الصراع يأخذ منحى أخر في إيجاد عدو آخر هو روسيا التي تعتبر نفسها وريثه العرش السوفيتي و أشلائه في منطقة الشرق الأوسط بالإضافة إلى إيران و تركيا في محاولة منها لاسترجاع المجد العثماني الضائع . إن إحكام سيطرة الغرب وتكريس سياسة العداء جائحة   ليست بأمر جديد  فإذا سلمنا بفرضية أسبقية الغرب في إثارة العداء و تعميقه لدى الراي العالمي تجاه المسلمين فماهي وسائله في هذه الجائحة ؟

شاركنا رأيك!