ثارات جدل  في فلسفة التطورات العقائدية المعاصرة: الظاهرة والإشكالية

 

د. جمال الهاشمي

انطلاقا من النقد ونقد النقد بهذه العبارة  بدأت تاريخية التداخل الثقافي- القيمي – الأخلاقي يأخذ منحى التداخل والإلتباس والصراع والتشدد  بين دين الإسلام وفلسفة الأديان التاريخية، وبنفس خطوات الديانات السماوية القديمة ومنهاجها وبيئاتها المادية والسياسية والاقتصادية، وما تواتر الأنبياء إلا لتصحيح الإعوجاج المنحرف، وما عيس بن مريم إلا مجددا لدين الإسلام بوحي من الناس وبقوة سياسية وأخلاقية يعيد فيها مفهوم الإسلام كدين وحياة ونظام وأخلاق وحضارة.

غير أن مما يميز الإسلام وحييه، الكتاب الخالد المعجز في مفرادته وتركيبه وقيمه ونظامه وأخلاقه وفي ديمومته واستمراره، والسنة النبوية المحفوظة بعلمائها المجددين، في الأول حفظا إلهيا، وفي الثاني حفظا وراثيا، لولاها ما اكتمل مفهوم العلم، وما وصف  العلماء بالخشية واصطبغوا بالورثة.

وأهل الحديث أكثر الناس وعيا وعلما بالقرآن لأنه المدخل المنهجي في النظر، والمدخل الحضاري في العمل المنضبط بالقرآن، وتنزل السنة البنوية منزلة التوراة والانجيل والزبور  وصحف إبراهيم في كونها وحي منطوق بلسان، إلا أن نطقها بلسان عربي وارتباطها بالقرآن كلام الله يجعلها أكثر قداسة من الكتب السماوية الأخرى ، وهو ما منحها الديمومة والبقاء ببقاء القرآن.

فالأسفار والاناجيل ليس لها سند علمي يمنحه الاستمرار، ولا تقاس عند علماء المقارنة الذي أسسها العالم الفذ ابن حزم الظاهري  إلا بالسنة والقرآن، ولا معقولية إلا بهما، فالعقل مشروط وونطاقه محدود، وما كان مرتبط بالشرطية ومنضبط بالحد فهو ناقص، تابع، لأن العقل يتوائم مع الروح، والروح تحتاج ما يعجز عن توفيره العقل، فإن طغى العقل إلى حد الحاكمية المطلقة ارتبط بمتطلبات الجسد وأهمل الروح، وفسدت العقلانية، وما المدارس المثالية والعقلانية وما تفرع عنهما من مذاهب إلا لاضطراب منهجي ولطغيان العي وانحراف الوعي.

عندما تناقش فيلسوفا تشعر أنه يتحدث بالمفرادات المركبة محولة ومنقولة ثم يتحدث عن هذا الاضطراب السلوكي في النفس ويمنطقها بالفلسفة، فتدور معه في دائرة مغلقة تمنحه التعصب والتشيؤ. ثم تتفتح له أسئلة غير منتهية تخرجه عن القيود العقلية التي هي محدد طبيعي تجعله جزء من نفسه وطبيعته، فإذا تمرد عنها أضرت بفكره وأخلاقه وقيمه.

وقد تأثر علم أصول الفقه عند المتأخرين بالمنطق الآرسطي، وأصبحت مقولاته جامدة منحته منطق المحاورة بالمثل مع تميز ببعض الأصول الإسلامية البحتة، وهذا الإشكال عولج عند كثير من معاصريهم واندفعوا لتنقية الأصول العقلية بالمحددات الأصولية، ومع هذا بقي فيها مثار جدل، وهنا تكمن منهجية العقلانية المنضبطة بالنظر.

أما السنة النبوية بفروعها والسنن التطبيقية لمعاصري النبوة ومعاصري الصحابة فهي من الهدى، والكرامات لا تعني وحي أو اصطفاء حتى نوقفها على عمر ابن الخطاب في رسالته إلى النيل، وإنما متى ما كان الشبيه به موجودا كان الشبه مقاربا لفعله، ولهذا فإن علم الولاية من العلوم التي لها أسس قرآنية ونبوية وتطبيقية وكتب عنها كبار العلماء، ومن ثم فهي علم ابتعدنا عنه بالعجز، والجدل، والابتعاد.

ومن ثم فإن التعرض للسنة النبوية بالنقد ليس منطقيا، وإنما بعلم الرواية والسند، وبعلم اللغة ليس بما نفهمه منها ونحن أمة أقرب إلى العجمة منه إلى العروبة، وإنما باللغة التي كانت لديهم، فإذا اكتملت شروط اللغة التي أنزل بها القرآن كان حديثنا عن السنة يقترب من المنهج.

لن اتحدث عن السنة حتى اتحدث عن المنهج، لأن أي جدل وعلم ليس مبني على أسس منهجية مقبولة يكون سفسطة ومضيعة في حوارات تزيد العي عيا، فيكون عي مركب، عي التضخم المعرفي، وعي الجهل بالشي، وعي الحديث عنه بغير وعي، ومن ثم فإن حديثنا عن النقد المنهجي لكل برامجنا الإذاعية ومحتوياتنا التعليمية، ومنتظوماتنا التربوية ينبغي أن يوضع في مسارات علمية.

الأول: أن نبدأ بنقد آخر ما توصل إليه تراثنا الديني الذي هو من نتائج القرآن والسنة  والعمل والحضارة التي سادت العالم ولن يكون ذلك عملا سهلا وبسيطا، إنما يحتاج إلى قائد واع بأهمية ذلك يصطفيه الله لرعاية العلم وأهله ، وهو أول ما يجب علينا الدعوة إليه وشحذ طاقتنا لتحقيق ذلك وهنا تتمحور العملية الإدارية.

الثاني: تحديد المنهج وهو من الموضوعات المغيبة التي أحدثت التباسا للمثقف والعالم معا، وهذه التحديد هو الضابط الرئيس للمنهج لولاه لتشعبنا بمناهج نقلية ومناهج ذاتية نعممها ونحكمها في وضع الحدود وهي في ذاتيتها جزئية، ولهذا نجد كثير من المقاصدين يتخبطون تقليدا، وتسفسطا لأن ميزان ما يطرحونه وما كتبه المعاصرون لا يخلو عن كونه توليفا لما كتبه الأقدمون، أو  وعظا خطابيا أخرج لنا خطباء تربعوا كمصلحين ومجددين وحكماء وعلماء، ولهذا وجد فيهم التخبط والتهافت، وهذا دليل على أن مرتبة العلم تحدد بالخشية، وعلم الخشية من العلوم التي كانت تحدد رتبة العالم، لأنها منتهى غاية الوصول للعلم، فالعلم سلم الوصول إليها وطريقها.

الثالث: أن نبني المنهج وبناؤه يقوم على أسس ومعايير ومقاييس تحتم العمل عليه قبل ادخال منهجية النقد أو منهجية المقارنة التي بدون ذلك لا يمكننا فهم منهجيتي النقد والمقارنة، وما الدراسات المقارنة والدراسات النقدية إلا دراسات وضعية تقليدية لا نقدية ولا مقارنة.

الرابع: أن يكون التقييم هو الأساس الرابط بين المدخلات والآليات والمخرجات، وبذلك نسمي المنهجية في حالة التقييم إن كانت صائبة أو خاطئة، ناقصة أو كاملة، وما دون ذلك لا تكون قد وقفنا على العلم الذي نصارع به ونتصارع عليه في الوقت ذاته.

لهذا فإن انحراف الأمة عن المنهجية تمييزا عن المنهج، بدأ خطاؤه في القرن نهاية القرن الأول وبدأ انحرافه في القرنين الثاني والثالث وظهر زيغه بالتدرج بعد ذلك. أما واقع الأمة الإسلامية المعاصرة فقد ارتفعت عنها المنهجية، فليس فيها الخطأ فنصححه، ولا الانحراف فنقيمه، وإن كان موجودا فوجوده فرديا، والأصل في المنهجية الفاعلة أن تكون جماعية ومؤسسية، ولهذا كان بعض الأنبياء يعمل نهجا ومنهجا فرديا، ولم تكتمل بناء الحضارة إلا بمن مكنه الله أن يبني أمة حضارية، ولهذا كان موسى ونوح وإبراهيم صلى الله عليهم وسلم أول من أسسوا علوم الحضارة، وما الحضارات اليونانية والهندية والصينية والبابلية والفرعونية إلا من نتائج تلك العلوم النبوية، وليس العكس، وهو ما يعرف بالفلسفات الغنوصية التي خلطت بين علم الوحي وعلوم التجريب.

والإسلام  هو منظومة كلية لا تنفصل السنة فيه عن القرآن، والنقد المباشر لأي منهما بما في ذلك الضعيف زيغ معرفي وزندقة منهجية، ذلك أن الضعيف يبقى ضيعفا حتى يحسن بمحددات السنة الصحيحة والقرآن أو نحكم بوضعه، وما دون ذلك فهو بحكم المسكوت عنه، وهي القاعدة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ” لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم” وهو الذي يتناسب مع قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).

ومن ثم فإن قولي أن الحديث ضعيف لا يعني أنه موضوع أو منكر وإنما هو منطقة مسكونه، ومعنى مسكون أن ذلك هو جهلنا به نصا وعقلا وخبرا.

وهذه ثلاثة أمور أخرى ينبغي التمييز بينها عند قولنا النص والخبر والعقل.

ومن ثم فقد أدخلت المعتقدات خلال عصورهH المتأخرة مع الفلسفة في صراعات فكرية وسياسية  أثرت (بتسكين الثاء) وأثرت (بتشديد الثاء) على المجتمعات وتأصلت فيها  التطورات التاريخية والتأريخية لعوالم المعتقدات والمذاهب والأفكار، وانغمس فيها كثير من علماء الإسلام  وحاولوا مقاربتها بمداخل منهجية وكليات وضعها المناطقة والبعض  غاص في وجدانية اللغة وآخرون اندمجوا في فلسفة اللغة المحضة.

ومن ثم فإننا ومقارنة بين تلك الفلسفة والفلسفة المعاصرة نجدا زيغا لفلسفة اليوم عن فلسفة الماضي، ومن ثم وقبل الحديث عن الفلسفة والحديث عن الفيلسوف يجب علينا من جهة أخرى تحديد الفلسفة حتى تكون موضوعا للنقاش، وقد سلك كثير من فلاسفة الغرب لتحديد فلسفاتهم من خلال المرجعيات الفلسفية الإسلامية التي طورها الإمام الغزالي، وابن رشد الحفيد وابن سيناء، والعامري وابن طفيل، وابن الهيثم, وابن باجة والكندي وطورها مستشرقوا النهضة الأوربية بمحددات دينية إسلامية لكبار علماء الأصول.

والبعض من علماء المسلمين اتخذ المحدد العقائدي ، والبعض جعل العقل محددا، بينما اتخذ الفريق الثالث الروحانية في التفسير الديني، فمن اتخذ العقل استحسن والتبست عليه الظنيات أو المتشابها، ومن دخل في الروحانيات التبست عليه القطعيات.

وهنا جاء خلق فكرة  الإيمان الربوبي لإتباع الإلحاد الفلسفي عند الروحانيين، والتبس عليهم التمييز بين مفهوم الفطرة  معراة عن المتغيرات والمحددات النفسية التي أعادت موضعة النفس على غير ما فطرت به، وللبيئات والثقافات والتعليم والمعتقدات دورا في تحريفها أو تغييرها.

لهذا أدرك علماء السياسة الغربية أهمية الفطرة، فكانت أقضية الحكم تستدعي إبقاء التدين الفطري كنظام أمني يكبح النزعات الإنسانية اللامتناهية، وهي بلا شك نزعات متقلبة ومتكيفة ومتغيرة.

ومن ثم درس النص الإسلامي القرآني دراسة فلسفية، ونفسية، ولغوية، واسبتعد خلال الفترات المتأخرة منهجية الحديث لارتباطها بالسلطة، وصار التفكير الديني يتناسب مع احتياجات المجتمع واحتياجات السلطة، ومن الآول نشأت أصول الآداب السلطانية، وفي الثانية نشأت الأصوليات الاجتماعية، وبين هذين المنهجين وجد التنازع بين أولوية النص وأولوية العقل لدى الفلاسفة الذين قدموا العقل على النص لأنه مركز الخطاب وبه تعقل النصوص، والبعض قدم النص كمحدد للعقل، ووظف التكفير والخروج كأداتين في تغيير الواقع أو الحفاظ على الوضع السائد، ومن ثم كانت الثورات توسع الفجوة بين الحكام وشعوبهم عبر القنوات الشرعية المحددة لأصولية الاجتهاد عند الأثريين، والقنوات الشرعية عند منظري الفكر والأصول الفلسفية.

ومن ثم جاءت الروحانية وهي منظومة فلسفية تجمع الأثر  والعقل والكرامة والسحر بالنفسيات جمعا توفيقيا وبذلك أصلت لمفهوم الأنسنة وعنها ومن خلالها نشأت فكرة مأددة الإنسان أو فسلجته، أو تغييبه عن الوجود  وفي كل مذاهبها عطلت العقل الإنساني ما لم يلج لهذا العلم عبر قنواته وتدرج في التقوى حتى يصل إلى درجة التأثير الروحي في الأشياء، ومن هنا تطورت الخرافة.

والخرافة هي حركة خفية تعمل على تعطيل القدرة النفسية، وهي المرحلة الأولى لتعطيل القدرات الذهنية وصناعة العجز، وتكتسب صفة العلمية، وصفة التأثير، وعلميتها تأتي من كونها قادرة على التأثير في النفسيات من مدخل علم النفس الإنساني لهدمه لا لبناءه (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).

وتمكن بعض فلاسفة المسلمين من التمييز بين الفلسفة العلمية والفلسفة العدمية، والفلسفة، وحددوا حدودها تحديدا منهجيا واستعمل بعضهم الفلسفة العملية في دارسة الأمزجة والأخلاط والأسباب والأبدان والنفسيات والأروح وبهم اخذت الفلسفة تأخذ بعد عمليا وعلى اجتهاداتهم من مدخل الإسلام  تطورت المنهجية العملية للفلسفة من خلال النقد النظري للفلسفة بمناهج الإسلام، فكان الغزالي وابن رشد والكندي والخوارزمي وابن سيناء والفارابي في بعض ما كتبوا وليس كله، أول من عالج تجريدات وخرافات الفلسفة وحولوها الى فلسفة عملية ساهمت بإعادة ابتعاث الموروث الحضاري الفلسفي لدول أوروبا، والصين والهند.

وفي المقابل كانت الروحانيات الفلسفية التي اتخذ موقفا وسطا بين النص والعقل قد تطرفت مجددا في نقض العقلانية لأولئك وبالغت في اهمال الذات والحياة وأعادة العقل إلى حياة الاغتراب والتوحش عبر فلسفات روحانية اتحادية تتحد بالأسمى أو حلولية يحل فيها الأسمى ومن وفيها نشأت العرقيات كأساس شرعي تستمد منه حاكميتها وتميزها على الناس، وهذا نتيجة لجهودها في تعطيل العقل الإنساني وقطع الأسباب وصناعة الحجب، وفي المقابل ومن أجل معرفة المستقبل برزت لديهم علم الأبراج والكشف والقرابين والخوارق الطبيعية، ومن ثم أخضعوا الطبيعة والسنن الكونية لتفسيرات الخرافة والنفسية، ومن هنا فإن الخرافة فلسفة ترتبط بأصوليات علمية: أحدهما علم النفس والثانية علم السحر، والثالث علم السنن، وهذه جميعها تعتمد على منهجية الاستشكاف (الاستقراء والاستباط  والاستخبار). علم يفسر الحال ولا يطوره.

أما الجانب الآخر من الفلسفة العلمية ميزنها بالفلسفة العقلية وهي تعتمد العقل كأساس في فهم النص، وهذه الفلسفة من الموروثات التي صاحب ترجمة الفلسفة اليونانية التي طورت منها كما أشرنا إلى الفلسفة العلمية العملية التي ساهمت في نهضة أوروبا على أيادي فلاسفة المسلمين في الطب والفلك والهندسة وغيرها.

وهنا يمكننا وصف الفلسفة بالعدمية التي سعت لجعل العقل منهجا لتفسير النص الديني تفسيرا فلسفيا، ومن هنا جاءت فلسفة الغيبيات، وهي فلسفة عدمية سعت لاستعمال العقل خارج حدود المعتقل المحدد له، ولهذا كانت عدمية المعرفة، ولم تكتفي بذلك بل هدمت المعرفة الاجتماعية والسياسية والعقائدية، ومن ثم نشأت أصولا عقائدية قائمة على فلسفة التغيير من خلال الثورة  الفكرية وهي التي سلك فيها المعتزلة وجعلوها منهجا اجتماعيا للوصول إلى السلطة والحكم والتغيير من خلال الشرعية القائمة، شرعية النظام القائم، وهم أول من أصل لمفهوم المفكر السياسي (المتكلم)، وكانوا أكثر الفرق تعصبا ورفضا للرأي المخالف، وكان خطرها في محاولة فرض معتقداتها بالقوة والسلطة والتعليم والقضاء، وميزت بين ايمان النخبة القائمة على العقل وايمان العامة القائمة على النص، أو بين الميوعة الفكرية والجمود الفكري،

وهي من التحولات التي غيرت معالم و سمات الإسلام، وقد بدأت بذورها داخل الدولة العباسية، لكنها كانت من أبرزح ملامح التاريخ الإسلام منذ بروز النظم العسكرية بعد سقوط الخلافة العباسية.

وترجع أصولها الأولى إلى كونفوشيوس المصلح الاجتماعي الذي غيرت مدارسه معالم الحكم بالسيطرة الناعمة على الحاكم،  وزرادتشت الذي أصبح قديس السلطة، وبولس الذي أعاد موضوعة المسيحية ضمن نسق السلطة السياسية،  ولكل منهما منهيجات واقترابات تتناسب مع البيئات العقلية والنفسية، واشتهرت بصورة أساسية في المنهجيات السوفسطائية بشكل عام، وهو علم جدلي يجعل من الباطل حقا ومن الحق باطلا عبر أصوليات عقلية منطقية.

وبذلك فهم من الفرق التي تجاوزت كثيرا من السنة وتركت العمل بأكثرها .

ومن هولاء فلاسفة الثورة المادية وهي التي تعتمل القوة الصلبة (السلاح) في التغيير، وتتخذ من القوة أساسا للسيطرة على الحكم والمجتمع، وجمدوا في النص بما في ذلك المتشابه منه، وفصلوا الآيات عن بعضها واخرجوها عن سيقاتها الزمنية والعملية،  وتركوا السنة انطلاقا من مبدأ تكفير كثير من الصحابة، وحاولوا تطهير المجتمع من الخرافة والكرامة، وهم فرقة كلامية دموية تجعل من التكفير مبدأ للحكم، وقد انتشرت حركتهم وما تزال لأسباب تتعلق بفساد بالاستبداد ، والترف والحرمان من جهة، ولأسباب تتعلق بالصراعات السياسية، ولهذا كان الصراع من أهم مرتكزات الفكر الخارجي، ومن النماذج التاريخية  الفلسفتين اليهودية والبوذية، ومنها الفلسفتين اليسوعية والبروتستانتية.

ومن هولاء فلاسفة التعطيل ويؤسسون مذهبهم على مبدأ الإيمان المطلق والجبرية والوجودية، وعنهم نشأت فلسفات  اللادارية أو الإلحاد والعدمية، ووسيلتهم التعايش والاندماج والوحدة الإنسانية،  وهي من أهم علامات هذه الفترة المليئة بالصراعات الطائفية والمذهبية والسياسية والحزبية، وتتجدد بعد الحروب الدينية والعقائدية، وتمارس الجبر والقهر في مرحلة التميكن. ومن نماذجها الهندوسية: البرهمية وشهود يهوه وكثير من النحل المسيحية الشنتوية والتاوية، والأوغسطينية والهرقلية السياسية،وهي المندرجة في الإسلام تحت مفهوم الجهمية. فهم في الأصل أصل المذاهب التجسدية والايدلوجيات الطبيعية التي تجسد الجواهر في صفات متجسدة كتجسيد الله في المسيح، وتجسيد الله في الشعب اليهودي وتجسيد الإرادة الإلهية في التشيع الصفوي، أو تجسيد الله في الإرادة السلطانية كالتجسد الجبري للفاشيستية والعقلانية الطبيعية. وقد كانوا في أوروبا من أهم وسائل الحكم السياسية، وعن ذلك نشأ مفهوم حمير المعبد وحمير السلطان.

والقاسم المشترك بين هذه المعتقدات الإسلامية  بالتكلم بالقرآن، وليس التمنهج بالقرآن كمظام ومنهج وحياة حقيقية، ويتسمون بالقرآنيين، أو القراء، وهو من أهم وأشهر المذاهب القرائية في اليهودية، وفي الانجليكانية ومذاهبها.

ويتفقون في تعطيل السنة وعقلنتها،  وتعطيل لغة العرف المعمول بها خلال فترات الوحي،  والتي تعد  أرقى منهجية إسلامية جسدت النص في الواقع، وقد برزت معالمها في مدارس فقهاء القرون الثلاثة الأولى،  ثم تراجعت اللغة العملية خلال فترات الشعوبية فأصبحت مقيدة  باللغة المعجمية،  ويتجلى الإيمان المطلق بالتضحية الإلهية كما في المسيحية أو مبدأ تعدد الرموز مع بقاء الأصل في المعتقدات الأسيوية وكل الغايات المختلفة تؤدي الى الله من خلال أقنوم المعتقد، وأعمال العباد هي عين تجسيد الله ظلما وعدلا، ايمانا وكفرا، إرادة وفعلا.

والقاسم المشترك بين هذه المعتقدات  استغلال المعرفة الدينية والتنموية كوسيلة من وسائل السيطرة على العقل الاجتماعي أو عقول العامة  من خلال فلسفة القران ككلمات تعطل المعتقدات والأحكام وليس كنظام عمل واعتقاد.

أما المعتقدات المعاصرة فمنها من حافظت على هذه الأصول وتسمى الأوصوليات المدرسية ومنها من تطورت وطورت معه مفاهيم مختفة تهدف من خلالها التكيف مع واقع المجتمعات في الثورة وهذا مذهب التحررين، أو التكيف مع مذهب السلطة وهذا هو مذهب القدريين.

وبينهما مذاهب متأرجحة، وهم الذين يحاولون تجديد بعض جزئيات المنهجة الفلسفية، وجملتها عوارض نفسية تحاول دراسة النصوص من مدخل الظاهرة العلمية، ومدخل الظاهرة الرجعية، ولأنها تدرك أن الإيمان مبدأ وجودي في عالم الإنسان لذلك فإن تبديل الإيمان هو أساس في تغيير الواقع، أما ترك الإيمان ورفضه فهو مدخل للفوضوية المؤقتة التي تتنازع مع الفطرة إلى البحث عن الوجود الأسمى ومن نماذج الفضوية حركة التتار التي كانت الفوضوية العسكرية من أهم وسائلها التفكيرية في البحث عن الأسمى، أو استخلاقه في منظومة الفكر الفلسفي في سلسلة من التساؤلات اللامنتناهية.

وجميع هذه الفرق كفرت وبدعت وفسقت وانطلقت من القرآن والتعليم والسكون والأخلاق والنموذج، وبهذه الطريقة كانت حركة اجتماعية إصلاحية ثم تطورت إلى ثورة اجتماعية ومنها الى صراع مع السلطة أو على السلطة وبدأت من حيث انتهى اليه النظام السابق من استبداد وجبر وتخلف وفوضى.

وقد كتب ابن تيمية في موسوعته المشهورة (درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) وهو الأكثر في أهمية قراءة الفكر الفلسفي من منظوري العقل فيما يعتقل والعلم فيما يعتمل، وما بقي منها سفسطة  لم تتقارب مع العقل فيتندرج في المعقوليات، ولا مع الواقع  فتندرج في المعمولات. وإنما دائرة مغلقة من الجدل اللانهائي الخلاق لفوضوية الصراعات الفكرية والنفسية والسياسية والعقائدية والاقتصادية.

شاركنا رأيك!