تعليم المحتوى التاريخي بين الموضوعية العلمية وذاكرة الضمير الجمعي

أ.لحسن محمد لمين

طالب دكتوراه التاريخ العسكري المعاصر         باحث في تاريخ الجزائر

كثيرة هي المحتويات والمناهج المنجزة في سبيل تلقين تخصص التاريخ من المستويات الأولى لمراحل تعليم الطفل إلى أعلى مراتب التدرج العلمي، تتنوع في مواضيعها، وتطرح إشكاليات عدة، ولكن ما يمكن التوصل إليه أثناء إجراء مسح دقيق وإخضاع تلك المحتويات تحت مجهر الحقيقة والموضوعية، نجد تجاوزات في حقها؛ إذ غالبا ما تخضع إلى ذاكرة تاريخية يحوم حولها مرجعية وأصول المجتمع وضميره الجمعي، وعليه يقع الانحراف الموضوعي للمحتوى ويضحى حبيس إيديولوجيات وأهداف استراتيجية تتنافى والملمح العلمي، وعليه من خلال هذا المقال نحاول إيجاد مخارج عملية ميدانية التي تمكن المتعلم والمعلم في آن واحد من تجاوز تلك المستعصيات التي يمكن أن تكبح المسار التعلمي التاريخي المبني على الأمانة والحقيقة بعيدا كل البعد عن الذاتية والنزعات الفكرية المتعصبة.

1.علاقة المحتوى التاريخي بذاكرة الضمير الجمعي:

     تخضع جميع المحتويات التعليمية المتعلقة بالتاريخ لجملة من القواعد، والتي ترتبط ارتباطا مباشرا بذاكرة الضمير الجمعي لمجتمع المتلقي أي المُتعلم، وبيئته الفكرية والعناصر الهُوياتية له، والتي تستقى من العرف والعادات والتقاليد، والتأصيل الإثني، كعناصر أصيلة، بينما يمكن أن تخترق ذلك متغيرات دخيلة متعارضة مع العقلية الذهنية لذلك المجتمع.

     وعلى هذا الأساس؛ فإن البرامج التعليمية في مجال التاريخ لا تخلو من انتقاءات مستقاة من الذاكرة التي تمثل الوعاء الذهني الحامل لتراكمات تعود لمعطيات الماضي، تُجمع في شكل تصورات وتخيلات مشكلة صورة ذهنية للفرد المُتعلم حول وقائع تاريخية ومواضيع علمية مرتبطة بتطور المجتمعات الإنسانية.

     وعليه يصبح المحتوى التاريخي الخاضع لتبعية الذاكرة الجمعية للمجتمع، ذا توجه ذاتي صانع لأجيال متعلمة وفق أسس غير علمية بعيدة عن الحقائق ويتميز ب:

-عملية استعادة للماضي الإنساني قصد العبرة واستخلاص الدروس خاضعة لتفسيرات إيديولوجية وتلقين يتماشى مع الأغراض والمصالح السياسية بالدرجة الأولى.

-بناء الرؤى الأنثروبولوجية مغذية لأطروحات التعدد العرقي قصد بلوغ مقاصد التمييز العنصري وكل أشكال الاحتقار والاستعلاء الحضاري على أساس التشويه.

-استثمار لمراحل تاريخية وإعادة توظيفها بما يتكيف والراهن وبناء خطط استراتيجية بعيدة المدى.

     ومن خلال ذلك يمكن فهم خطورة توظيف الذاكرة في البرامج التعليمية لتخصص التاريخ؛ إذ ينتج عنه تحصيل علمي مبني على:

-في حال خلو المحتوى من الذاكرة: نتاج تاريخي علمي موضوعي قائم على النقدية والتفسير.

-في حال امتزاج المحتوى بالذاكرة: نتاج عاطفي انتقائي اقصائي لإحياء الماضي وتمجيده.

    ومنه أصبحت مختلف الحكومات في العالم تسعى لصناعة تعليمية في مجال التاريخ لما يفرضه الضمير الجمعي لمجتمعاتها من جهة، ولما يتناسب مع رؤى السياسة العامة واستراتيجياتها المستقبلية، وهذا ما يرسخ في ذهنية المُتعلم جملة من الصفات يمكن تلخيصها في:

-تمجيد فاعلو الحدث التاريخي وجعلهم سببا في الحاضر دون معرفة التطورات والمسارات.

-خاصية اقصاء الآخر في البناء الحضاري للإرث الإنساني.

-توليد الأحقاد والضغائن بين الأدميات على أساس عرقي أو فكري.

-صناعة أمجاد بناء على التفسير الأسطوغرافي والابتعاد على البراهين العلمية.

2-مستوجبات المحتوى التعليمي في مجال التاريخ وآلياته:  

     إن صناعة المناهج التعليمية ووسائلها من أكثر الأمور صعوبة في الإنجاز المتكامل وعلى الأسس المتينة، وهو ما يجمع عليها مختلف المتخصصين في البيداغوجيا ومدربي التنمية البشرية، وذلك نظرا لما يمكن أن يكون لذلك المحتوى من تأثير على صناعة الأجيال وما يمكن المراهنة عليه وما ينتظر منهم.

     ولعل المحتوى التاريخي إحدى الإشكاليات المستعصية في عملية بناءه بما يتوافق والموضوعية العلمية والحقيقة التاريخية دون أي تحريف أو مغالطات أو لبس في المعطيات، ذلك ما يمكن أن يؤذي إلى فقدان في آليات التعليم الموضوعي، والابتعاد عن المغازي وسوء التقدير للأشياء ما يخلق خللا في العملية التربوية والتعليمية للأجيال الناشئة.

     ما يستوجب مراعاته في عملية صناعة الوحدات التعلمية في مجال التاريخ نشير إلى:

-ارتباط المحتوى بالأهداف العلمية وبنتاج ثقافة المتلقي.

-انتقاء المواضيع التاريخية ذات البعد الإنساني والحضاري.

-الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في مجال التاريخ بدلا من التركيز على الجوانب السياسية والعسكرية بنسب عالية واهمال باقي المجالات.

-الابتعاد عن الذاتية والنزعات الإيديولوجية في توجيه المنحى العلمي لما يتعارض ومبادئه.

-اختيار موفق بين المحتوى والمادة التوثيقية ووسائل التعليم بما يتماشى والإمكانات المتوفرة.

      وعليه فإن المحتوى يرتبط بآليات تنفيذه ميدانيا، ويتوجب التنويع في ذلك، عبر خلق فضاءات تتماشى والامر، وتوفير وسائل بيداغوجية تمكن من المتعلم والمعلم أداء الوظائف بشكل تام؛ إذ أصبح الجانب النظري وحده غير كاف لأداء الوظيفة البيداغوجية، بل توجب الجانب التطبيقي ضرورة تستدعي الاهتمام بها، كون التاريخ ليس عبر واستخلاص دروس وفقط، بل هو إحياء للماضي الإنساني وفهم للتطورات والمتغيرات، فكان ادخال الوسائل التكنولوجية والزيارات الميدانية ووسائل الاعلام أنجح الوسائل البيداغوجية لتلقين محتوى تعليمي تاريخي على أكمل وجه.

     يمكن التوصل إلى أن المحتوى التعليمي للتاريخ لابد من إعادة مراجعته في عملية صناعته بدء من انتقاء مواضيعه ووحداته وصولا إلى اختيار أنجع لوسائل تطبيقه بما يتماشى وبيئة المتلقي، مع مراعاة شروط العملية التعليمية التي تستوجب الحرص الكامل على توفير المادة الموضوعية والنزاهة في الطرح دون الاقصاء أو التحريف أو التشويه أو الطعن أو اصدار الأحكام الارتجالية غير مبنية على أسس وبراهين وحجج منطقية وتتلاءم مع ظروف وأسباب الزمكنة آنذاك، وذلك لبلوغ مقاصد التعليم الحقيقي.

شاركنا رأيك!