تحولات الدولة المعاصرة : الرؤية والاستراتيجية

د. جمال الهاشمي

تحرريون عبيد، ومتدينون هراطفة، ومؤمنون مجدفون ، وأكاديميون ماديون ، وذكور مسترجلون، ونسويات مسترجلات.. بهذه الصفات الفكرية اندرست الخصوصية الحضارية الإسلامية ومن وراءها تحولت القيم الحضارية إلى فلسفات وتراث ومظاهر شكلية جوفاء عارية .

 فما أن يؤذن لحقوق الإنسان وحرية المرأة مؤذن في الغرب حتى نقيم الصلاة ونختمها بما بدأوا بها، والبدايات أصول وقيم ودين، فمن صحت به البداية صحت له النهاية، والفكر يؤسس على أساس متين، فمن لم يكن له من أساسه إلا الشفا سيشهد ما بناه وأنفق عليه منهار، وبه مدفون “فانهار به”.

 كحال متدين لاه يخشع قلبه لصوت القارئ وألحانه، ويغيب عن مدركاته صوت القرآن وأعماله، وذلك الذي كانت عليه الترانيم النصرانية إذا تطور اللحن بنصوص الإنجيل وعواطفه إلى موسيقى ثم تصاوير لتجييش العواطف وتجنيدها وتصويرها لتناسب قدرات التصور وتذوقات الصوت.

وفي عالمنا الإسلامي المعاصر المعتصر بهذه الآفات الحذوة، ظهر فيه ما ظهر في عوالم البشرية السالفة لعوالمه، إذ غابت فيه جماليات النثر، وجماليات الشعر وحلت الأغاني والأناشيد ثم تطورت الأناشيد المتأسلمة تقليدا أو على ألحان المغنين، ثم تغني بالقرآن على المقامات وصار الصوت والتصويت من الجماليات الفنية ومن الأذواق النفسية لكن ليس على أذواق الفلاسفة وتنمية العقل وإنما على ذوقيات المجون وتحريك العاطفة.

هذه المظاهر متحضرة وليست حضارية، حداثية وليست أصولية، تقليدية وليست تجديدية، وهي المظاهر التي بها تجيشت المجتمعات العربية ودفنت في أخاديد أحزاب وطوائف ومعتقدات وقبليات وإثنيات.

  إن الكلمات القرآنية والنبوية إذا لم يكن لها أثرا قلبيا وعقليا وسلوكيا يتعمق فيها الضمير ويتجسد بها الأخلاق المجتمعية العامة لن يكون مستقبلها بأجمل من حاضرها.

وقد نهض في العالم الغربي  فكرا جديدا من القيم التاريخية القومية ولكن بصبغتها المسيحية بعد أن تخلت عن الدين الذي قامت عليه حضارتها التقدمية بقيادة المسيحية الإنجيلية والبروتستانتية في الغرب وأوروبا والأرثوذكسية المستنيرة روسيا.

وأحلت بدلا عنه الفلسفة القومية التاريخية العقلانية والعلمية في المجتمع كقيمة وهوية مجتمعية جديدة، والواقعية السياسية في الإدارة والحكم، ولأن الحضارات لا تنهار وإنما تتلاشى فقد أثرت العلمانية تأثيرا سلبيا على القيم المجتمعية والأسرية والاقتصادية، وكانت اليعقوبية أو اليعاقبة والشيوعية والنازية قد أحدثت تحولين اجتماعين في المجتمع:

  1. التوحش المجتمعي: وفيه جملة من السياسة الأمنية الممنهجة التي اتخذتها الدول القومية أسلوبا تقنيا لقطع أواصر الترابط المجتمعي وتوسعت في فنونها حتى فشلت الأسرة في الغرب فشلا قيميا وانهارت الكيانات المعمقة لوجودها، وقد أثر هذا الفشل على القيم الفطرية المتعلقة بالأبوة والأمومة، ومن يرد معرفة ذلك فعليه استقراء ظاهرة الانفصال الأسري واستقلال الأبوين في معزل عن الأبناء، مع بقاء زيارات متبادلة في المواسم والأعياد كنوع من ادخال السعادة على الأبوين المغتربين في عالم المادية الممزقة لأواصر المثالية والسعادة العائلية، ولأن هذه السياسة كانت سلبية فقد تعرضت مجتمعات أوروبا للغزو الاجتماعي الصيني والمغاربي والأفريقي حيث نرى أن هذه المجتمعات التقليدية تؤمن بقيم الأسرة والاستقرار والأبوة وهو ما أدى إلى شيوع الزواج المختلط رغبة في البحث عن المفقود إلا أنها سعادة مؤقتة قد تطول وقد تقصر ويذهب الأطفال من الجيل القادم ضحايا بين ثقافتين متصارعتين داخل الأسرة من جهة، وثقافة المدرسة والمجتمع والصحبة من جهة أخرى؛ مما سيؤثر هذا الانفتاح على الأجيال القادمة نظرا لازدياد وتصاعد حجم الباحثين عن الكنز الأسري المفقود التي كانت تتميز به المسيحية الأوربية التقليدية قبل أن تتحرر بالعقلانية المادية، رغم فساد الكنيسة والحكم فقد ظلت القيم العائلية أو قيم المحافظة توازن بين فساد الحكم والكنيسة. ومن أراد تتبع ظاهرة الأزمة فعليه الاستقراء النفسي والمجتمعي والفكري والثقافي لجيل المولدين والمخلطين داخل المجتمعات الأوربية، وانفصال القيم الأمريكية وتعددها إلى قيم إثنية وعرقية وفكرية وأيدلوجية، وظاهرة الانفصال والعنف الأسري والطلاق الشائع حتى في أوساط الأقليات المسلمة في هذه المجتمعات. وقد بدأت سياسات الحكومات الغربية تتجه نحو القيم المسيحية الأسرية والمجتمعية منذ الثمانينات، وساهمت الظروف المادية والأزمة المعاصرة في إحداث نقلات نوعية نحو التقليد والقيم المسيحية الأصولية التي تأسست بها الحضارة الغربية التقدمية، وفي المقابل سلك العالم العربي نحو تمزيق الترابط المجتمعي نظرا لظاهرية القيم وانفصالها عن النفس المجتمعية والأسرية والواقع وطغيان المادة، بينما تمكنت القيم الأسرية الترابطية في الصين من بناء أكبر اقتصاداتها المعاصرة.

لقد كانت قيم الترابط المسيحي والمجتمعي والإنساني التعايشي في أوروبا من أهم معالم وأسس بناء الحضارة الغربية الماردة التي تجني شعوبها الحالية ثمار ما صنعه الأجداد ويبدو عليها الانحسار والتخلي نحو قيم المسيحية التقليدية الكنسية وهو ما ينذر بوجود تحولات عقدية قد تعيد دول أوروبا إلى القوميات والهويات المحلية، وسيحل بدلا عن ذلك سياسة التحالفات السياسية بين وحدات وهويات وسيادات قومية ولغات مستقلة وسيتجذر داخل الدولة الواحدة كيانات ومعتقدات إثنية وجهوية متوقعة، لأن المجتمعات إذا دخلت في صراع مع الدولة سيحل بدلا عنها المعتقدات والتضحيات والتنافس على السلطة أو معارضتها.

أما على مستوى الاتحاد الأوربي فستحل العلاقات القائمة على قواسم ومصالح مشتركة مما قد يهدد وجود الاتحاد الأوربي بعد خروج بريطانيا الذي ساهم خروجه في نشوء تيارات اليمين التقليدي المتطرف في مجتمعات دول الإتحاد، وهو خليط مهجن بين قيم المسيحية والهوية القومية، ولأن المجتمع الغربي يشعر بتهديد هويته من قبل الإثنيات المهاجرة التي أخذت من جغرافية الغرب وطنا دائما لاستمرارها واستفادوا من حقوق الإنسان والأنسنة الأوربية ووظفوها توظيفا سلبيا فمن الطبيعي أن تحدث نزعة مناهضة لهذا الوجود، لا سيما وأن هذه الإثنيات لم تقدم النموذج الأخلاقي والحضاري، فهي تمارس الإسلام كطقوس مسجدية ورمضانية وتعصبية منفصلة عن منظومته الأخلاقية التي كانت تعد أهم مفاتيح الدعوة النبوية والدينية وأساس التأثير في قيم الآخر. 

فالقيم الفكرية القوية لا تحتاج إلى قوة عسكرية بل هذه تحتاج للفكر العقلاني والقوة الأخلاقية وعلى هذين المدخلين النظري والسلوكي سيبحث الآخر المختلف عن المعتقد ونصوصه الدينية لمعرفة الظواهر الأخلاقية وسيختار من النصوص ما يوافق السلوك ويبني عليه؛ فإن كان التعصب والتطرف والإرهاب والنفاق متجسدا في سلوك الأقليات، فسيتأولون وسيفلسفون نصوص الجهاد ونصوص المرأة ومفاهيم التقية بما يتوافق مع النماذج السلوكية للأقليات لأن المنهجية الغربية مادية تبدا من المحسوس وتنتهي بما وراءه أو القوة المحركة له.

بينما المنهجية الإسلامية الصحيحة تنطلق من النص والواقع والسلوك الفرد والمجتمعي وغيرها وتتوسع في منهجيات تتداخل مع بعضها تداخلا عجيبا ومثيرا ومثيرا للفكر والرؤية والنظر اذا استثنيا المنهجية التقليدية الجامدة القائمة على تجسيد النص تجسيدا ماديا، دون مراعاة ضوابط وشروط ومحددات ومعمولات ومقومات وأصوليات النص.

ومن ثم سنجد كثير ا من المعتقدات تتعامل مع النص القرآني كنص مخلوق وليس ككلام من الله، لأن المخلوق أقرب في المقاربات المادية إلى التتصورات الوثنية أو المتخيلات الناتجة عنه.

وهنا ينبغي علينا التفريق بين مادية القوة العسكرية وقوة الفكر المستقيم بدليل من حادثة الغزو التتري وانهزام جيوشه القوية عسكريا أمام الدولة العباسية الغارقة في ترف الثروة وفقراء من حولها يموتون جوعا وصراعات على السلطة مزقت المجتمعات وتآكلت معها القدرة السياسية، وكذلك انهزام الدولة العثمانية العسكرية وانهزام السوفيت القوة العسكرية الحديثة التي هددت العالم الغرب.

إن كل دولة تعتمد القوة العسكرية في سياستها المحلية والخارجية تنكسر وتنهزم في النهاية وتنهار اقتصاديا وأخلاقيا وأمنيا وفكريا وأخلاقيا. وعلى أساس ذلك قامت الدول العربية القومية التي صنعت جيوشا تتفوق بالمقارنة على جيوش أوروبا وأمريكا، بينما تمكنت دول أوروبا من قيادة هذه الترسانة العسكرية العربية والإسلامية بسياستها نحو خدمة المصالح الغربية، فالسياسة والفكرة والتنمية والاقتصاد من قيم الحضارة، والدولة العسكرية تتخذ سياسة مضادة لمفهوم السيادة والأمن المجتمعي.

والقاعدة أنه كلما تضخمت الدولة عسكرية على حساب الفكر والثقافة والهوية الحضارية والتنمية كانت دولة سلبية، وقد تحدد ذلك في علم الاستراتيجيات العسكرية منذ نشأتها مع طائفة القانونين المعاصرين للطاوية في الصين وقوة اسبرطة العسكرية التي التهمتها أثينا  وأذنت ببروز الإغريق في الفكر اليوناني، وروما التي تمكنت من استثمار الفلسفة كقوة فكرية وإدارية والمسيحية كقوة حضارية لصناعة أعظم إمبراطوريات التاريخ وبالمثل الدولة الأموية الواقعية التي أسست للدولة العباسية ووضعت لها قاعدتها الحضارية حتى انفصلت رويدا عن قيمها الحضارية وكانت بداية انحسارها فكريا مع الخليفة المأمون وانهزامها حضاريا تزامن مع انتصاراتها العسكرية في عمورية.

  • التوحش الفكري والثقافي: وهو أن يلتقي الفكر والفكر في اتجاهات متعااكسة، متآكلة، متناقضة وليست بنائية متكاملة، وقد برزت هذه الظاهرة تحت إطار ما يسمى الأمن القومي أو الأمن الوطني، ومن ثم بدأ التركيز على تضخيم القوة العسكرية وعسكرة المجتمعات أيدلوجيا وقوميا وقد  تسبب هذا في نشوء العديد من المعارك القومية أبرزها مصارع وهمجية الحربين العالميتين التي كان فيها العرب والدولة العثمانية واحدة من أدواتها وضحاياها. وقد كانت هاتان المعركتان خلاصة الحضارة الأوربية وأخر ثمارها ونهاية لتأثير دول أوروبا منفردة في السياسات العالمية، وسياسيات الشرق الأوسط مفسحة الساحة الدولية للتنافس الثنائي وغياب ميزان القوى، وهو ما أدى وفقا لتراث الفلسفة الواقعية إلى نشوء مفهوم التحالفات العسكرية “الأطلسي وحلف وارسو” وبالاجتماع قوة الدول العسكرية القومية التي رسمت سياسات عقلانية تخلت بها عن الأمن الأحادي والهوية القومية وطموحات نابليون وهتلر وموسوليني إلى اصطناع هوية جماعية اعتدالية مبدؤها الحياة والرفاه للجميع، وبذلك أخذت بالأصول القديمة التي تنتمي إليها كافة اللغات والهويات الأوربية وهذا يحتاج إلى قراءة في العمق وليس التاريخ و الفرق بينهما كالفرق بين الترف والحاجة.

  يدين اليمين الغربي المتطرف الناشئ والصاعد حاليا لعوالم قوس الأزمات والشرق الأوسط بالفضل لوجوده، وسيأخذ بالقوة العسكرية لحماية الأمن القومي قد يكون قاسيا مع الآخر ولكن في قسوته الفضل الذي سيعيد ابتعاث وإحياء قيم المجتمعات العربية الممزقة، وسيسهم في تحولات دول الشرق الأوسط، وسيكون من حسنات التحولات التاريخية لأن الفضيلة والنموذج والقيم السياسية والثقافة إذا سقطت تَستلحق حتما بقيم مبددة لوجود الدولة وتماسك المجتمع، وقد تبدد ونهار القيم المؤسسية الحاكمة والقواعد الخفية التي تتحكم بإدارة مؤسسات وسياسات الدولة من خلال أدواتها في السلطة التنفيذية. لأن قوة هذه الدول ليس في سلطتها التنفيذية وإنما في قدراتها المؤسسية المبنية على العلمية المنهجية وليست العاطفة الانفعالية التي تطغى على مهرجي السياسة في دول العالم المتخلفة، كمثقفيها الذين يتحدثون بفلسفة الكلمات ولا يعلمون معانيها، والمعنى ليس المترادف أو المصطلحات أو التعريفات المعجمية إنما هو الواقع والفعل والممارسة.

 لعل المفكر الاستراتيجي المتميز بذهنيته السياسية يدرك مدى فشل  أجهزة إدارة العلاقات الدولية والسياسية للدول العربية في مسلك الثنائية مع دول الغرب، حيث يقتصر العقل السياسي العربي في علاقاته مع السلطة التنفيذية ممثلة برئيسها، وهذا المخزون في العلاقات نابع من الثقافة السياسية العربية القائمة على رمزية الحاكم وتماهي الدولة والمجتمع أو ذوبانهما في شخصية الحاكم.

لهذا كان العامل الديمقراطي والانتخابات الغربية دورا في صناعة المعادلات السياسية والأمنية والحلفاء والأعداء عالميا، ومن وراء ذلك مؤسسات خفية تختار الحاكم مسبقا بإرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع ليقوم بتطبيق السياسة المسبقة له ومن خلال حزبه الذي يعد صانعا استراتيجيا رئيسيا في إدارة الدولة.

إن الفشل العربي في علاقاته مع الآخر أخذ بأربع منحنيات أساسية:

  1. الفشل السياسي: ويرجع ذلك إلى تضخيمه السفارات والهياكل والمظاهر والرسميات الدبلوماسية دون عقلانية منهجية لهذه الرؤية في معرفة الكيفية المبدئية وكيفية الانتهاء، فهو يخلط بين الغاية والوسيلة والثابت والمتغير والظاهر والعمق والرئيس والدولة، والشخصانية والمؤسسة.

وهي أشبه بسياسة ملكة سبأ التي أرسلت الهدايا لشراء الحاكم، ولكنها استوعبت الفكرة رغم جهل قومها فأدركت أن القيم السليمانية الإسلامية أقوى من قوتها “نحن أولو قوة” حيث من خبرتها ووعيها فطنت إلى عامل القوة الفكرية وقوة القيم من خلال رسالة واحدة وسفارة واحدة، هذه الفطنة العميقة لامرأة خالدة في التاريخ يعزز من فضيلة الفكر والثقافة والمفهوم الحضاري، وقياسا عليه فإن تجيش المد الإسلامي بشقيه السني والشيعي الجانب العسكري يخالف منطق التأثير الفكري كأساس لاستعمالات القوة، وكلما كان العقل متصلب بالقيمة أو متخليا عنها تقوده الأعمال المبنية على التخلي والتصلب إلى الفشل.

  • الفشل الإعلامي: يعد الإعلام كالسياسة من المظاهر السلبية العربية الفاشلة إذ هي أشبه بدعاة الأسلمة الجهادية يجيشون العواطف المجتمعية ويستخدمون معول الهدف في الدول العربية المستقرة بتعبئة المجتمعات عسكريا من خلال استغلال قيم الإسلام والوطنية والأيدلوجية والتاريخية، ويرجع ذلك إلى أن الإعلام مرتبط بالسلطة السياسية الموجهة وأيدلوجيات مادية مسبقة يؤدلج العاطفة لتفكيك المجتمعات وقد استخدمت فلسطين وسيلة من وسائل التأثير الإعلامي القومي ثم الإسلامي بشقيه الشيعي والسني، لمن أراد معرفة ذلك سنجد أن حجم التبادل التجاري مع إسرائيل زاد مع صعود  الحكومات الإسلامية أكثر مما كان عليه في عهد الأيدلوجية القومية كإيران والمغرب وتركيا وتونس، وارتبطت به الكثير من الإثنيات والأقليات الدينية التي تعلن العداء له كالحوثية في اليمن.
  • الفشل الأيدلوجي: وهنا نقف على انهيار القيم الحضارية والأخلاقية لدى أكثر الأحزاب السياسية في أية دولة عربية ديمقراطية تؤمن بالعمل الحزبي، فإذا كانت قيادات الأحزاب القومية ترتبط بعلاقات استراتيجية مع السياسة الغربية فإن علاقتها الخفية مع سفارات الدول العظمى ساهمت من تفكيك الخصوصية الأمنية لمفهوم الدولة، وكذلك على سبيل المثال العداء في اليمن أو في مصر بين المعارضين والحزب الحاكم أدى إلى تعرية الأمن العسكري والأمن الحدودي وسياسات الحزب على الولايات المتحدة والغرب الذي أجاد في تسيير العواطف المجتمعية نحو خدمة مصالحه القومية في هذه الدول، فقد كشفت الأحزاب الإسلامية التي كانت تتعرض من السلطة الحاكمة لكثير من التهديدات بتهمة الإرهاب إلى أن حكامها يصنعون الإرهاب والقاعدة وفتحوا للسفارات الغربية كافة الملفات المتعلقة بسياسة نظمهم  في صناعة هذه التيارات من أجل نفي التهمة عنهم وبالفعل كانت هذه التوجهات قد فتحت للسفارات الأجنبية مخزونا من المعرفة التي كانت ضمن خانة المشكوك به في العقل السياسي المنهجي وصناع السياسات الدولية والعسكرية لدى أجهزة الغرب، وقد ساهم تطويل أمد الثورات العربية من الكشف عن كل تفاصيل المجتمع فمثلا عندما اعتلى الإعلامي المتحدث باسم الحوثية علي البخيتي فقد كان يكشف تفاصيل الأحزاب الإسلامية وعلاقتهم بالإرهاب كما كانت الأحزاب تدافع عن نفسها بالمنظمات الحقوقية وبرموزها بربط الإرهاب والقاعدة بسياسة السلطة والنظام القائم.

أن تصاعد حزب اليمين الغربي الذي انحاز بصراحة إلى جانب إسرائيل في قضاياها المعاصرة ضد مفاهيم الإرهاب قد بني سياسته على الفشل العربي المضطرب سياسيا وفكريا ومجتمعيا، ومع هذا فقد ساهم هذا الفشل المبني على كراهية الآخر من تنامي شعبية اليمين الغربي للبحث عن المجهول المظلم، البحث عن الهوية النفسية وليست الإنسانية في هذه المرحلة لأنها أوشكت أن يغرب شمسها، فإذا غربت تغرب معها الحضارة الحداثية.

إن بروزها على الساحة الأوربية أشبه من حيث الأيدلوجية بتصاعد الصحوة الإسلامية الحزبية خلال عصري الحداثة والمعاصرة، وستأتي بنتائج سلبية على مجتمعاته وتنموياتها وأمنها أشبه بما قدمته الحركات الإسلامية في دول العالم الإسلامي الكبير من نزعات عسكرية منذ تسيسها لمفهوم الجهاد في أفغانستان والشيشان وكوسوفا ضد الشيوعية الروسية التي أجادت فيها أمريكا والغرب سياسيا واستغلت الطاقات الجهادية العاطفية الإسلامية لحماية أمنها القومي من التهديدات السوفيتية الشيوعية، ومن نتائجها الثورات الشعبية التي انهارت بها دول الربيع وفي طريقها دول أخرى وإن ظنت أنها بعيد عنها، وأنها في منأى إلا أن تكون هناك سياسات جادة تبدأ من الفكر والمجتمع وتنتهي بالسلطة.

إن قوة الشيوعية كفكرة بدأت تسيطر على العالم الغربي بقيادة السوفيت، وهو الذي أخاف العالم الغربي فحدث تحولا في العلاقة بين القيم والسلطة أبرزها تحالف المسيحية مع التاريخية لمواجهة الفكرة الشيوعية لأنها أخطر في نظرهم من القوة العسكرية إلا إذا كانت وسيلة خادمة للفكر الشيوعي، فالقوة العسكرية ليس فيها انتصار دائم وإنما القوة في انتصار الفكر والعلم والثقافة.

وقد أدركت العقلانية الغربية أن النصر لا يتحقق على الفكر الشيوعي إلا بوجود أيدلوجية قوية وثابتة ومن وراءها مؤمنون أكفاء، وكان اختيار الإسلام الجهادي وتجنيده عبر العلاقات السياسية مع السلطات الحاكمة وولاة الأمر من أهم أسباب نجاح هذه الاستراتيجية الأمنية القومية للحضارة الغربية.

أما اليوم فإن العالم الغربي سياسيا ومجتمعيا وفكريا قد أدرك خطورة الفكر الجهادي الإسلامي فكانت التوجهات نحو معاداة الإسلام  الأصولي تارة بالحديث عن الأيدلوجية الدينية الخمينية وتارة عن الأيدلوجية الدينية السلفية والايدلوجية الإخوانية كقواعد ومؤسسات أرضية لنشو القاعدة والتطرف، قد ساهم في صعود اليمين المتطرف المعادي للسامية الإسلامية كبديل عن السامية اليهودية وفق استراتيجية الأولويات بسبب تنامي الأقليات المسلمة وارتفاع نسبتها بالمهاجرين الجدد الباحثون عن الفردوس المفقود، وقد استقطبتهم الدول القومية الغربية بما تمتلكه من مفاهيم الأنسنة وحقوق الإنسان كوسيلة من وسائل التعبئة المضادة للمجتمعات وللضغط على الأقليات الإسلامية القديمة المستوطنة من الجيل الثالث والرابع من أولاد الجنود العرب المشاركين في الحرب العالمية ضد دول النازية أو من سلالة الحكام الفارين من شعوبهم وكذلك من سلالة الذين قاتلوا مع الاستعمار الغربي ضد شعوبهم.

والهدف من ذلك أشبه بالتلقيح الذي يحفز المناعة المجتمعية ضد تهديدات الآخر، مما يعني توجيه المجتمعات نحو العلاقات الصراعية والهجومية وتجريده عن قيمه الإنسانية.

لأجل هذه الاستراتيجية يسرت مفاهيم الأنسنة الغربية الهجرة للمقهورين الفارين من دولهم الفاشلة والدموية من أجل تعبئة المجتمعات الأصلية نحو خطر الفوبيا الإسلامي القادم مع المهاجرين والفوبيا الإسلامية الكامنة مع المسلمين القدامى الناطقين بلغات أوروبا القومية، أقصد بذلك المسلمون الأعاجم من أولاد المسلمين القدامى.

  • الفشل القيمي: هو فشل نتيجة لما سبقه في المفاهيم النظرية التي حولت المفاهيم الإسلامية الواضحة إلى مفاهيم سياسية إندماجية أثرت فيها الديمقراطية الغربية فأخرجت فيها مفاهيم ملتبسة ومضطربة برزت بدعوة الإسلاميين إلى الحوار الديني متجاوزين الحوار العقائدي بين السني الشيعي، والشيعي الشيعي، والسني السني، وحتى القومي القومي،  والتعايش الثقافي منفصلين عن الهوية الحضارية هوية مجتمع ووطن، والتناسق القيمي متخلين عن قيم الخصوصية التاريخية والإسلامية، وهذا ينعكس حقيقة في طغيان الثقافة المادية وعبودية الترف والاستهلاك لمظاهر الحضارة التقدمية الكمالية، ولأن المادة قد سيطرت على الإسلامي الليبرالي المستنير القومي الوطني  فقد برزت العديد من تيارات العنف العقائدي والأديلوجي في اليمن والعراق والشام وشهدنا تغيرا في المبادئ العقدية والعسكرية وتحول العدو إلى صديق والصديق إلى عدو، ونجد ذلك الاضطراب في مكونات الشرعية في اليمن والمكونات في العراق والشام وفلسطين، بل شهدنا تخلي الحوثية عن الزيدية القاعدة الأصولية للتشيع في اليمن وتخلي الإصلاح في اليمن والعدالة والتنمية في المغرب وفي تونس عن منابعه الفكرية الإخوانية المصرية  إعلانا منهم بداية جديدة لمفهوم القطرية الإسلامية على غرار القطرية الوطنية العربية المنفصلة عن القومية العربية العامة.

وارتباط الحوثية بمظاهر التشيع الإيراني على غرار التشيع في لبنان والعراق وإن كان في الأخيرة تناقضا وتوافقا، وبل أدى إلى تناقض السلفية مع بعضها في اليمن بين أحزاب بعضها بل وبين الجماعة الواحدة على غرار الانشقاقات السلفية وفي حزب الإصلاح بين طرفي الصراع الحوثية والشرعية، وقد سبق ذلك في الفترة القومية العربية قبل الانشقاقات القطرية القومية وما يلحقها من هويات إثنية وعقائدية وانفصالية انفصالا بين الايدلوجية الواحدة كانفصال بعص سوريا ذو الهوية الإيرانية عن البعث العربي العراقي ذو النزعة الناصرية بهويته المحلية، وتناقض الانفصالين في كل جنوب اليمن والسودان وغيره من دول أفريقيا العربية.  وكل هذه التناقضات القيمية ترجع إلى سيطرة القيم المادية على المبادئ والقيم الأخلاقية والدينية والأصولية. مما أدى إلى انفصال الرؤية عن الاستراتيجية.

  • الفشل الأخلاقي: يعبر هذا الفشل عن ضعف أو انفصام التوجهات السابقة عن سلوكياتها وعلاقاتها وفقا لمبادئها القيمية مع الآخر، ومن أبسط الأمثال تعصب العرب الأعاجم والعرب في دول القبضات الأمنية والعسكرية للدين الإسلامي إضافة إلى أن تدمير المؤسسات العسكرية القومية على غرار ما هو موجود في اليمن والعراق وسوريا قد ساهم من توسيع جغرافية القاعدة وداعش، ومع هذه تعتبر القاعدة وداعش من الجماعات التي تأخذ الطبيعة العربية المعاصرة القائمة على حب السلطة والتشظي وارتباط الرؤية بفكرة الأنا والتعصب والفصل بين القيم النظرية والأخلاق أو الممارسات السلوكية. وقد تحولت ظاهرة الانفصال المجتمعي عن قيمه وأخلاقه وارتباطه بمظاهر التفافة العربية التعايشية نتيجة لهذا التناقضات العربية بين القول والفعل النظر والفهم الرؤية والاستراتيجية.

إن الأخلاق هو مفتاح التدين والأمن والتنمية والتعايش، وللأخلاق قواعد نظرية استراتيجية إذا انفصلت عن الواقع تحولت إلى قيمة مادية، وأن إصلاح منظومة الأخلاق لا بد من العودة إلى منظومة التكوين لوجوده وربطه ربطا منهجيا لتكوين الشخصية المثقفة وشخصية الأستاذ المعلم والمتعلم، كلبنات أساسية لبناء المجتمعات ولكن في إطار رؤية الدولة والسلطة السياسية القائمة على ثلاث أسس: الأمانة والمسؤولية والمنهجية والقيم الحضارية.

وأخيرا فإن التاريخ الإسلامي أكد عبر مسيرته الحضارية إن انتصار حضارة الفكرة هو أساس بناء الدولة الراشدة ودول التمكين وكلما تضخمت الدولة عسكرية تفككت محليا وسلطويا وقد حدث ذلك التفكك نهاية الدولة الأموية مع آخر خلفاء دولة بني أمية مع  مروان الحمار الذي أثقلته الصراعات المحلية نتيجة للتضخم الزائد في حجم القوة العسكرية وانفصالها عن القيم الفكرية، وبالمثل مع آخر دول بني العباس المستعصم بالله الذي قتل بأقدام التتار والفرق بين التضخمين أن الأول اعتمد القوة المبنية على التعصب العرقي للجنس العربي ثم التعصب القبلي الذي قسم جنس العرب  إلى قيسية ويمانية ثم تفككت كثيرا وهو الذي ساهم بزوال دولة بني أمية في رقعتين جغرافيتين منفصلتين أحدهما في الغرب والأخرى في الشرق.

أما التضخم العسكري الثاني في عصر دولة بني العباس فقد كان نتيجة لانفصال الفكر والرؤية والاستراتيجية عن واقع الدولة وهو ما أدى الى تقاسم المجتمعات بين شتى المعتقدات وتوسعها إلى عشرات المعتقدات وتضخم المؤسسات العسكرية بالأعراق الفارسية والعربية والتركية دون قيم مؤسسية جامعة تؤمن حرية الفكر والأمن والحياة المجتمعية، وهو أدى إلى خلق صراعات متجذرة بالعمق القومي بين العرب والترك والفرس ثم توسعت النزعات واختلطت وتماهت التحالفات حتى انتهت الدولة العباسية وتجذرت بزوالها إثنيات قومية متعددة حتى توحدت بالقوة العسكرية مع الدولة العثمانية ولكنها كانت منفصلة عن القيم المحددة لمفهوم القوة العسكرية فأدى بزوالها إلى نشوء الدول القومية من خلفها دول إثنية أو دول تحكمها الصراعات العقائدية والعشائرية والقبلية والحزبية.

شاركنا رأيك!