بين الْخَجَل والْحَياء

د. محمد الجبالي ـ  أستاذ بكلية اللغة والدين ـ بهانج ـ ماليزيا

  يظن البعض أن الخجل والحياء شيء واحد، أو أنهما بمعنى واحد، والحق أنهما مختلفتان أو قُلْ مُتَنَاقِضين متضادين.

فالخجل صفة مذمومة تنتج عن ضعف الشخصية، وعدم الثقة بنفسها، وعدم قدرتها على مواجهة المشكلات، وعجزها.

إن الخجول إنسان مُتَرَدِّد، مُنْطَوٍ، مُنْزَوٍ، يَخْشَى المشاركة والتفاعل الاجتماعي، وقد يكون عاديا في أسرته وذَوِيه، لكنه مع غيرهم ليس كذلك.

أما الحياء فهو صفة كريمة محمودة، بل هي أكرم خصال الإنسان، لأنها تَمْنَعُهُ مِن فِعْلِ القبيح، وتدفعه إلى فعل الواجبات، وتدفعه دفعا إلى الإتيان بالعمل على أكمل وجه، وعدم التقصير فيه.

      إن الحَيِيَّ إنسان فَعَّال، إيجابي، ذو رأي، وذو وجهة نظر، يَتَّسِمُ بالشجاعة والقدرة على مواجهة المشكلات. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: “الحياء كله خير”، وفي رواية أخرى: ” الحياء لا يأتي إلا بخير”.

النَّشْأَةُ أساس الْغَرْس:

     لعل التربية والتَّنْشِئَةَ هي الأساس الأول في غَرْسِ إِحْدَى هاتين الخصلتين في نفس  الإنسان، فإنهما خَصْلَتَان مُتَنَاقِضَتَان لا يجتمعان في شخص، فَمَن اتَّصَفَ بالحياء ذهب عنه الخجل، ومَن اتَّصَفَ بالخجل قَعَدَ فيه الحياء وانْزَوَى وذَبُ، فإذا نشأ الفتى على تحمل المسئوليات، وتَدَرَّبَ على مواجهة المشكلات وحَلِّهَا، وعلى خَوْض الصعاب والتَّغَلُّب عليها، تَجَشَّمَ الحياء، وصار فيه خَصْلَةً أصيلة، لا تَنْفَكُّ عنه، ولا يَنْفَكُّ عنها، وعلى النَّقِيض مِن ذلك، إذا تَرَبَّى الْفَتَى على السَّلْبِيَّة، والخوف مِن خَوْضِ التَّجَارِب، والعجز عن التَّغَلُّبِ على الْمَصَاعِب، وإذا لم يَتَدَرَّب على مواجهة المشكلات وحَلِّها، ولم يتفاعل فَيُؤَثِّر في الآخرين، ويَتَأَثَّر بهم، صار ضعيف العزم، قليل الهمة، مترددا جبانا، ضعيف الشخصية، عاجزا انطوائيا.

الحياء خلق الإسلام:

   الحياء أعظم أخلاق الإسلام وأكرمها، روى أنس عن رسول الله ﷺ: (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ)، وليس من الحياء السكوت عن قول الحق، وليس منه التَّغَاضِي عن دَفْعِ الْمُنْكر، بل إن ذلك مِن الْجُبْنِ والضعف؛ فإنَّ الحياء فضيلة، والفضيلة تَلْفَظُ الرذيلة. وهو فرع الإيمان، قال رسول الله ﷺ: “الحياء شعبة من شعب الإيمان”.

ولو نظرنا في تفصيل تلك الفضيلة لوجدنا أن الإيمان هو الحياء، فلا يستقيم إيمان المسلم إلا بالحياء، فلا إيمان لِمَنْ لا حياء له؟!

إن الحياء شعور نابع من الإحساس برفعة وعظمة النفس، فيحفظ لها صاحبها قَدْرَها، فَيَسْتَحِي أنْ يَضَعَها مَوْضِعَ الذَّمِّ أو التقصير، فالْحَيِيُّ يَسْتَحِي أنْ يكذب، أو أنْ يخون، أو أنْ يُنَافِق، أو أنْ يفعل مُنكرا، ويَسْتَحِي مِنَ التقصير في أداء واجبه، إنه يَسْتَحِي مِنَ الله فيما أمر ونهى، ويستحي من الناس في أداء الحقوق والواجبات، وحاله في حَضْرَةِ الناس سواء وحاله فَرْدٌ مٌنْفَرِداً.

أعراض الخجل:

أما الخجل فهو شعور بالنقص، إذ يشعر صاحبه أنه أضعف مِنَ الآخرين، وأنه لا يستطيع مواجهتهم حتى ولو لم يفعل شيئاً خطأ، وله أعراض تظهر على صاحبها ذكرتها الكاتبة رندا عبد الحميد منها:

الإحساس بجفاف في الحلق، واحمرار الوجه والأذنين، وتزايد في ضربات القلب، ورعشة في اليدين، وثقل في اللسان وصعوبة في الكلام، والتعرق الشديد، وعدم ثبات العينين عند الحديث مع الآخرين، كما يعاني الشخص الخجول من الاضطرابات النفسية وضعف الشخصية. ويكون غير قادر على الانسجام مع أفراد المجتمع، ويتسم الإنسان الخجول بالانطوائية والوحدة، ولا يفضل التحدث مع الناس، ويخاف دائمًا من الفشل بسبب تردده وقلقه من اتخاذ القرارات.

فضائل خلق الحياء وثماره:

إنَّ للحياء فَضَائِلَ تَكْسُو الْمُتَخَلِّق به، منها:

  • يدفع الحياء صاحبه إلى ترك القبيح، وترك المعاصي وهجرها حياءً من الله تعالى.
  • الحياء مورد الطاعات، وسُقْيَا الأعمال الصالحات، ودافع لأداء الحقوق والواجبات، ومُنَفِّرٌ مِنَ التقصير في أداء الالتزمات.
  • الحياء يكسو صاحبه ثوب الوقار والاتزان والأدب، فمن كان حَيِّياً لا يفعل شيئاً يخلّ بالْمَرُوءَة والْوَقَار، ولا يُؤْذِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الإكرام.
  • الحياء يَدُلُّ على كرم طبع صاحبه، وعلى حُسن خلقه، وطِيب أصله ومَنْبَتِه.
  • الحياء سترٌ للإنسان مِن العيوب، فمَن كان حَيِيًّا سَتَرَهُ الله في الدنيا والآخرة.
  • الحياء يحقّق حياة القلوب، فالحياء مُشْتَقٌّ مِنَ الحياة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنّ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُه، ومَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُه).
  • الحياء يحمل صاحبه على التخلّق والاتصاف بكلّ خلق حميد، وكل طبع جميل، ويدفعه لفعل كلّ عمل خيّرٍ حسنٍ، كما يأمره بترك كلّ خبيثٍ سيءٍ.
  • الحياء يصون عِرض الإنسان، ويدفن مساوئه، وينشر محاسنه، ويجعله محبوباً عند الله، ثمّ بين الناس.
  • وقد تظهر بعض أمارات الحياء وآثاره في الوجه إذا عجز عن أداء بعض الواجبات، أو تعرض لموقف حرج يؤذيه، ويأبى كرم أخلاقه أن يتخلى عنه، ومن ذلك ما عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ، وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا، وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ؛ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ، فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ، وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}[الأحزاب:53].

   ذهاب الحياء عن الناس:

     واليوم وفي هذا الزمان، نشكو إلى الله ذَهَاب الحياء عن الناس، وذهاب الْمَرُوءَة، وقُعُودَ الْهِمَم، وخَوَرَ النفوس، نشكو إلى الله شُيُوعَ الْمُنْكَر، وضَيَاعَ المعروف، نشكو إلى الله بَغْيَ الطُّغَاة، وعُلُوَّ الباطل وأهله، وهَوانَ الحق وأهله، نشكو إلى الله قَهْرَ الصالحين، وضياع الأمانة، وفَشْوَ الخيانة، نشكو إلى الله سوء حال الإسلام والمسلمين، ونسأله وهو العزيز الجليل أن يرفع عن الأمة الظلم والبغي، وأن يخرجها من الهوان والذل، وأن يعيد إليها عِزَّها، فليس لها كاشفة من دونه.

شاركنا رأيك!