بين إلهية الاعتقاد وإنسانية التشريع

أ.م. د أسعد عبد الرّزاق الأسديّ/ كلية الفقه ـ  جامعة الكوفة

لم ينتهِ الجدل في إشكال العلاقة بين الدّين والإنسان، وما هو المتوقع من مصير الدين والإنسان على المستوى الغائي. فهل الدّين للإنسان أم الإنسان للدّين؟ وبعبارة أدقّ: الدين من أجل الإنسان أم الإنسان من أجل الدين؟

وهذا التساؤل ينطوي على مجموعة من المسائل التي تتعلق بمكتسبات الإنسان تجاه الدِّين من جهة، واستحقاقات الدين تجاه الإنسان من جهة أخرى. وفي خضم الواقع الراهن يرتبك الوعي المحايد في تحديد مسار كل من شقي التساؤل، ذلك أن محورية الإله تستقطب الفكر الديني بنحو عام، ومحورية الإنسان تستقطب جلّ نزعات التنوير المعاصر تحت أي مسمى كانت..

   ولا يمكن المكوث طويلا أمام هذا الجدل؛ إذ يغلب على الذهن البشري الاجترار وعدم الحسم في قضايا مماثلة، على ان هذا لا يعني تسطيح الموضوع بقدر ما يعني ضرورة العمق والتفصيل؛ فقضايا الدين لا يمكن الحكم عليها مرة واحدة بحكم واحد، بل هي على نحو من التفصيل. وما الجدل إلا بسبب الخوض في قضايا الدين من دون اعتبار التخصص في شؤونه ومجالاته المتعددة. فغالبا ما يتم الخلط بين عالم الاعتقاد وعالم التشريع؛ فإذا أردنا البحث في محورية الإله نجدها حاضرة في مجال الغيب والعقيدة، فجلّ الحقائق الدينية مرتبطة بالمطلق، أما مجال التشريع فإنه يستهدف صلاح الإنسان، وتنظيم شؤون حياته.

فالدين للإنسان في بعده التشريعي، ولا يمكن صياغة قواعد تشريعية مالم يتم وعي متطلبات الإنسان وضمان مصالحه، ودرء المفاسد عنه. بينما يكون الإنسان للدين في بعده العقدي، فالإنسان كائن متدين من خلال حاجته الوجودية للمطلق، ومن هذا التفصيل يمكن تأسيس مساحة لحلّ هذه الإشكالية عبر قراءة واقعية لمسائل الدين، والفصل بين متطلبات الاعتقاد ومعطيات التشريع. وإذا ما حصل بعض التضاد أو التناقض في بعض الشؤون، فإنّما هو بسبب الخلط الحاصل بين المجالين: مجال الاعتقاد ومجال التشريع.

   إنّ متطلبات الإنسان واستحقاقاته الحياتية تكاد تكون مرعية من جانب التشريع الإسلاميّ عبر منظومة التشريع التي تستهدف تنظيم شؤون الإنسان في الأحوال الشخصية والمعاملات المالية والقضاء؛ في حين تتثمل استحقاقات الدين على الإنسان في رسم حدود الاعتقاد وما ينبغي على الإنسان من وعي وإدراك للحقائق الدينية على مستوى تمثل الخالق في بناء رؤية كونية تضمن حق الله تعالى في تصورات الإنسان وحياته الروحية التي تقع ضمن مسار الارتباط بالمطلق.

وعلى وفق هذا التفصيل يمكن حلحلة الإشكال حول محورية الإله أم الانسان عبر التفصيل في الرؤية تجاه ما على الإنسان وما له؛ إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود تجاوز للحق الانساني في كثير من المباني التشريعية؛ فالنزعات المتشددة التي تصادر حق الإنسان، إنما كانت بسبب الخلط بين العقدي والتشريعي ومحاولة إنزال العقدي محلّ التشريعي؛ فتشريع قتل الإنسان تحت غطاء الدين كان مستساغا بسبب قراءة جامدة للنصوص الدينية، جعلت من بعض المفاهيم حقائق مقدسة متجاوزة لحق الإنسان في الحياة، بحيث جرى إلباس العقائد بغطاء تشريعي. ومن ثم محق الحقوق، ليصبح الانسان تحت وطأة القراءة الفقهية للعقائد الدينية، فإذا ما تم إلباس بعض قضايا العقائد لباسا تشريعيا حينئذ نتوقع انحراف المقصد التشريعي تحت غطاء القراءة العقدية المنغلقة.

فالتكفير مثلا أخذ منحىً متصلبا عندما تكثرت أسبابه وفق قراءات بشرية تمارس التكفير بنحو من الاعتباط استنادا الى حقائق عقدية قابلة للتأويل، فطالما كانت مساحة البحث في مجال الاعتقاد رحبة، وطالما كانت مسوغات السؤال والشك متاحة أمام العقل الإنساني، لكن الواقع الفقهي لدى بعض النزعات المتشددة صنعت واقعا مظلما يصادر حق الانسان في الاعتقاد، مما جعل أسباب التكفير قابلة للتكثر بحسب قراءات تخلط بين الاعتقاد والتشريع. لهذا ينبغي وعي الأولويات، وما التكفير إلا حكما شرعيا يستهدف صالح الإنسان لا متجاوز له.

  لو طالعنا نمط التفكير الفقهي لوجدناه لا يختلف عن نمط تفكير القانون الوضعي وهو يراعي مصالح الإنسان، فعلم اصول الفقه يحرص بنحو دقيق على صياغة تشريعات الاحكام بنحو يساوق منظومة الفك القانوني، والمساحات التي يتحرك فيها العقل الفقهي غير مفارقة بالمرة لمساحات البحث القانوني. وثمة صلاحيات للعقل الانساني في قراءته للنص التشريعي من خلال الاستناد إلى بناء العقلاء ومسلمات العقل البشري والمصالح والمفاسد التي يثبتها العقلاء من البشر بما هم عقلاء. كل ذلك من شانه أن يكون مؤشرا على إنسانية التشريع قبال إلهية المعتقد بنحو من التوافق والتوائم بين حق الله تعالى من جهة وحق الإنسان من جهة أخرى.

كذلك ينبسط البحث الكلامي في مجال العقائد ليصوغ لائحة الاعتقاد بنحو من الموازنة بين متطلبات وجود الإنسان ومتطلبات الاعتقاد بالله تعالى على النحو الذي يقدمه القرآن الكريم من فلسفة الاستخلاف وبناء مكانة الانسان في الرؤية العقدية حسب القراءة المعتدلة التي تتوافر عليها منظومات علم الكلام لدى مختلف المدارس الإسلامية بالأخص.

   لذلك؛ على فضاءات الثقافة أن تعي هذه الثنائية المعمقة بعض الشيء والتفصيل بين مجال العقائد ومجال التشريع للخروج بقراءة واقعية لمتطلبات المعتقد من جهة ومتطلبات التشريع من جهة أخرى، من دون توهم وجود تناقض كما تعكسه القراءات الدينية المتشددة لدى بعض النزعات.

ومن المهم ان نعي أن إشكال محورية الإله قبال محورية الإنسان في الفكر الديني كانت نتيجة للانفصال التام بين اليمين واليسار من جهة، وذوبان المسار المعتدل بين الاثنين. فبات الاتجاه المعتدل غير ملاحظ أو موضع تهمة من أحدد الجانبين: المتشدد أو اليساري، مما كرس تلك الإشكالية ووظفها بنحو مبالغ فيه. فأصبح من السّهل توجيه التُّهم الى الدين من خلال بعض الممارسات وتعميمها على الدين؛ في حين يحاول الاتجاه المعتدل أن يبرز قراءته مرارا من دون جدوى بسبب تطرف اليمين واليسار في كلّ ظرف زمانيّ أو مكانيّ.

شاركنا رأيك!