بواكي اليمن والبواكي عليها بين علم الحكمة وعلم القيادة

د. جمال محمد الهاشمي


“إلا حمزة لا بواكي له” بهذا الجملة النبوية القصيرة تباكى الأنصار بني إسماعيل من أهل اليمن فمنعهم النبي صلى الله عليهم وسلم التي كانت بكائيته على حمزة تشريعا بالمنع
إن الحزن في علم النفس هي ظاهرة اللاوعي في الوعي الذي يقتات البدن، والصبر هو الدواء والصمت الخفي، وما خرج عن دائرة الصمت إلى دائرة النياحة، إنما يخرج من الفضيلة إلى ضدها، ومن الصبر إلى العنف، ومن الرحمة إلى الغلظة.
دعونا نتأمل القيادة النبوية قبيل غزوة أحد وهو يشير على أصحابه البقاء في المدينة للدفاع عنها، بدلا من مواجهة الغزاة خارجها، وقد قبل -مكرها- الخروج متخليا عن رأيه الحكيم، ومتبعا رأي الأغلبية في أخطر قرار عسكري كان يعلم نتائجه بالوحي مسبقا، لكنه لم يكن يعلم أنها ستكون الهزيمة التي تجدد الانتصار.
يعود الغالبية مسلمين له بما أشار أولا ولكن مساحة التفكير لم تعد مجدية لأن من الحكمة السياسية اتخاذ القرارات الزمنية.
وهنا يتسلل مفهوم آخر أكثر أهمية وهو مفهوم العزيمة التي تعتبر الإرادة جزء منه، وأحد مكوناته أو عناصره المحورية (ما كان لنبي إذا لبس لامته أن يضعها)، وفي إطارها يتصارع مفهوم التوكل والقدر، التوكل تبعا للإرادة الجماعية، لكنه منضبط بتخطيط دقيق، لأن القدر المكتوب يرد بقدر الأعمال.
القول النبوي بالبقاء وحي وفيه تصوير للقدر، ويتضمن الوحي في أعظم شقيه الوعي والهدف منه رفع مستوى العقلانية إلى الفطرة، والفطرة من الدين والقاعدة التي تأسست عليها الأديان السماوية.
ودفع قدر بقدر من الحكمة السياسية وهي في الأنبياء سمة مطلقة وفي بعض من الناس -القلة – سمة نسبية.. لهذا جاء التفضيل لبني إسرائيل بأمرين أو على أساسين: النبوة والملك، وبهما مدار الحكمة السياسية، وما دونهما الفوضوية.
إذ اقتضت الحكمة النبوية أن يكون غزو الوعي وتنقية العقل والذهنية البشرية من التهيئات النفسية والهيئات التخيلية اللأدرية هي الأداة الوحيدة لتحرير العقول من اللاوعي وحفظ القدرات والتنمويات والموارد البشرية بالوعي.
القيادة لا تعني الأمر، ولا تعني أحادية الرأي لأن ذلك يتناقض مع السنن الكونية وسنن الحكمة السياسية والتشريعات النبوية، والقيادة لا تعني التاريخية السلالية، إذ لو كانت بالإرث السلالي لما كان طالوت ملكا منصوصا عليه بالوحي، وهو الأقل جاها ونفوذا وثروة، هنا جاء المعيار النبوي محدد بقياسين:
العلم وهو المقياس الذي يجمع بين علمي الرواية والدراية، والحفظ والأمانة، ثم صحة البدن لأن صحة البدن من صحة العقل وهو شرط في القضاء والحكم، ودلالة على صحتي القوة والأمانة.
دعونا نتأمل في القواعد العلمية التي تأسس عليها علم القيادة، وذاتية القدرة التي قامت عليها علوم الحكمة، ويمكن إجمالها في نموذج سليمان مع أبيه عليهما السلام.
لما كانت النبوة في الأول مقياس للملك السياسي في بني إسرائيل، فإن الجماعة التي صنعها النموذج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد معيار مقياس للحكم في دائرة الإسلام، وهو ما يشير إليه الإسلام في رفض الأحادية لأن عبء القرارات تكون جماعية، وهو ما أدركته الحكومات الغربية المتقدمة فيما توصلت إليه من نظامين:

  • النظام المعرفي للحكم: وهو مقتبس من فلسفة الشورى الإسلامية (العمرية) فلسفة العمق السياسي البشري بعد تاريخ النبوة.
    لن أطيل فالمعرفة والعلم من الأشياء التي يبخل القارئ العربي عليها بوقته، لكن هذه الفلسفة العمرية قسمت مجلس الشورى إلى أهل بدر من السابقة وهو مجلس الحكمة، ثم المهاجرين قسم والأنصار قسم، والمؤلفة قسم.
    وفي طاعون عمواس اختلفت الأقسام الثلاثة وهو أهل النص والإيمان والفضل والسابقة، وتوافق المؤلفة على قرار واحد وهو قرار الرجوع لمن يعرف القصة، وهو الرأي الذي استقر في نفس عمر فأقره وتبعهم وهنا تتجسد العقلانية السياسية. وقد توافقت هذه الرؤية مع النص الذي رواه عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضرا هذه السجلات فاجتمع العقل والنص معا ” ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”.
    وعندما سيطر قرار الشق الأول في بني إسرائيل من الحاخامات والتلمود جعل من القتل توبة لهم “فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم”.
    ومن هنا جاء في العالم الغربي نفس النظام بمفاهيم غربية إدارية “مجلس الشيوخ وفيه النص، مجلس النواب وفيه الرأي، ومجلس المعارضة وفي الرقابة.
  • النظام الجماهيري: ويكون متمما لما سبقه حيث تنزل البرامج والقرارات على الجماهير ليختاروا أفضل الخيارات العلمية المنهجية فيحكم الشعب بديمقراطية الاختيار، ليست العوام مطلقا فوق العلم والمعرفة وإلا لسقطت دول العالم المتقدم إذا احتكمت للفوضوية الجاهلة.
    وقد أشار إلى ذلك الفليسوف اليهودي “باروخ سبينوزا”.

في الأزمة العربية اليوم واليمنية خصوصا ارتباط العامة بالمنظمات الخارجية دون وعي بمعطياتها ومعاييرها، يميلون مع البواكي عليها، لن تكون النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى، وقد قال صلى الله عليه وسلم “كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ”. إلا اليمن لا بواكي لها .. وأهل مكة أدرى بشعابها.

شاركنا رأيك!