انهيار الأمن وإشكالية التنمية في دول الأزمات: اليمن أنموذجا

د. جمال الهاشمي

إصلاح التنمية يبدأ بمعالجات البؤر الأمنية  بهذه الطريقة يمكن التدرج بإصلاح مسارات التنمية في بلدان الأزمات والدول التي تنتظر دورها القادم للدخول في دول في فوضوية المجتمعات المحلية وتمهد للدخول في ركب الأزمات.

في مقالات سابقة تحدثنا عن أزمة إدارة الأزمات، وهي الأزمة الفعلية التي تتحكم بطاولات الحوار بين أطراف الصراع.

إن تجييش صندوق التنمية لتحقيق الاستقرار والأمن لا يتأتى في دول بداية الأزمات كالأزمات التي بدأتها الثورة. أما بعد طول أمدها وفقدان الحلول المقدمة على مستويات الإغاثة والتصحيح وأخيرا القوة، فلا يمكن أن تعالج بنفس الآليات التي كان من الممكن أن تكون ناجعة في بداية الثورة.

إن الأزمة في إدارة الصراع أو إدارة الأزمات يعني أن الأزمة إدارية لأن الواقع يتعاطى معها بطرق طردية وأحيانا تتعاطى معها عكسية.

ومن هنا فإن معالجة الأزمة تعني تجذيرها، وهذه التجذير يجب أن يكون مرتبطا ببيانية حديثة ومنهجية جديدة، ولا أقول أن الأزمة تاتي قمة القرار السياسي وإنما من المحيط المسؤول عن تحويل البيانات الى قيمة معرفية، ومن الذين يقومون بتنفيذ القراراتن ومن المحيط الخفي الذي يسيطر على توجهات منفذ القرار.

إن الأزمة تبدأ من الأسلوب التي يمارس فيها إدارة الدولة بتأثير من الدوائر الضيقة، دوائر الحزبية والجهوية والمرجعية الفكرية، وهو ما يفقد لغة التواءم بين الأهداف الوطنية والأهداف الضيقة.

ومن جهة أخرى فقدان القوى الكامنة وقوى الجماهير الثقة بالمجرب، كما أن الخطاب الإعلامي بين مشروع تقاسم السلطة ما يزال مرتبط بنفس مشاريعه السابقة إذ أن التحولات الإدارية ما تزال منفصلة عن القناعات الفكرية والإعلامية السابقة.

وأن الثقة التي وضعت بين أطراف الصراع بين مكونات الشرعية اليمنية هو خطاب استجدائي، وعاطفي وخطاب أمنيات مفلسة قد لا تلامس الواقع بهذه الطريقة لأنها لم توضع ضمن هندسات عقلانية واقعية أو تلامس الواقع بفاعلية.

إن أكثر ما يدمر قرارات السلطة العربية ويوسع الفجوة بين سلطة القرار والجماهير هي الأدوات التي يعتمد عليها صناع القرار في صناعة المحتويات الإعلامية والجماهيرية وأيضا جمع البيانات وأزمة تحويلها الى قاعدة معرفية وقرارات علمية.

ولهذا نجد الإخفاقات المستمرة وتقلبات القرارات السياسية في بلدان الأزمات والبلدان المحيطة وهي نفس الطبيعة التي سيطرة على النخب المجتمعية والجماهير.

فالأزمة في اليمن ترتبط بغياب متطلباتها الضرورية التي تخلق الحلول ولا تعقدها، وتصححها ولا تحرفها.

فالتكفير والتفجير  من القيم الاجتماعية التي أصبحت ظاهرة إشكالية، ولكن من أين تبدأ الحلول إذا كانت دائرة القرار مغلقة ولا تمتلك الأدوات المعرفية المناسبة لقراءة الواقع.

وإذا كانت تعتمد في صنع قرارتها على المحتويات الإعلامية المصنوعة والموجهة ووسائل التواصل الاجتماعي المنظم،  دون أن  تتلامس مع حقيقة البيانات .

بالإضافة إلى أزمة الأمن الفعلي له صوره المعبرة التي يمكن استشرافها من السجالات الإعلامية العشوائية التي تتعامل مع الكلمات والعبارات بطريقة مبتذلة أو بأساليب اجتماعية منحرفة عن سياقات الفضيلة ودور الكلمات في التنمية.

ما هي الحلول في اليمن؟ وفي غيرها من دول الأزمات؟

قضية الأمن والعدالة هي الساحة التي من خلالها يستعاد اليمن، ومن خلالها تتجدد الفضيلة ، ومن خلالها تكتمل شرعية الحكم، ومن خلالها تتشكل الصراعات السلمية أو التعاونيات السلمية.

ومن هنا نؤكد على أن اتفاقية الرياض وإقامة حكومة الشراكة ليست أكثر من فلسفة نظرية، وفلسفة مصالحة مؤملة، والحكم والأمن والتنمية لا ولن يتأسس على شراكة لأن من مستدعيات الأزمة أحادية القرار وليس تعدده، سريته وليست إعلاميته، قوته وليس ضعفه، ثباته وليس تذبذبه.

ومن ثم يمكن التأكيد على أن هذه الفلسفة لم تعد مجدية، لأن هناك متغيرات اجتماعية في الوعي والنفسية، وهناك متغيرات في الواقع دفعت بالمجتمعات نحو تنمية العنف والخوف والحذر وفقدان الثقة.

إن التربع على فلسفة الخوف يخلق مجتمعات متناقضة وسريعة الإشتعال والتنظيم كما أن الأمن لا يخلقه العدم، ومن هنا نؤكد على أن فلسفة العدم في اليمن قادرة على خلق تنظيمات فوضوية أكثر مما هو سائد في أفغانستان.

فإذا كانت الأزمة في أفغانستان  قد أسهمت من إضعاف محيطها ومنطقة الشرق الأوسط فإن اليمن ستؤدي الدور  الأكبر لأنها في منطقة الشرق .

ومن ثم فعلى صناع القرار  في الشأن اليمن اتباع الطرق الواقعية والعلمية والمنهجية والفعلية في التعاطي مع أزمة اليمن المركبة وأزمة الإنسانية في اليمن باتباع الطرق العلمية وليست تلك التي تطرح منفصلة عن بعضها، تسعى لحل أزمة فتخلق أزمات أخرى.

من واقع عشته وأعيشه وما يزال موجودا بطريقة أكثر إجرامية ولا إنسانية، إن أول نجاح المشاريع السياسية هو في تحقيق الأمن  ويليه في الدرجة ذاتها قضايا التنمية.

فإذا نظرنا الى تقسيم حكومة الشرعية في اليمن سنجدها موزعة ضمن وزارات من المستحيل ممارسة وظائفها.

إذا يتبادر إلى الذهن أن تشكيل الحكومة لم يقم على أسس منهجية وبرمجية وعلمية ووظيفية وإنما على ثقافة استعراضية:

ودعونا نتعمق في هشاشة حكومة الشرعية .. من خلال تشكيلتها لحكومة الشرعية الرابعة بنفس الطريقة والآلية التقليدية القديمة وبنفس الفكر والتفكير التقليدي القديم .. ومن خلالها يمكننا النظر إلى طبيعة الفكر والآلية التي أوجدت بعد عسرها مخاضات الحكومة المعاصرة.

عند النظر إلى اليمن في أزمته الإنسانية وشعبه يدفع ضربة ارتباطه بالتكوينات الحزبية والسياسية سنجد أن أهم ما يحتاج إليه اليمن خلال هذه الفترات المعاصرة مايلي:

  • الحاجة الأمنية: وقضية الأمن ترتبط بعدة بعنصرين تتضمن الحماية من جهة وفرض القانون من جهة أخرى، وفي مثل هذه الحالات تتولى وزارة الداخلية دور القضاء في المسائل الجنائية إلى جانب دورها في حماية الأمن المجتمعي وأمن المؤسسات من التفجيرات وأمن الحدود التي لا يكون فيها صراعات وتؤجل البقية لحين استباب الأمن، وهنا يجب أن يتم تطوير نظام الاتصالات الأمنية.
  • الحاجة التنموية: وهي التي تأتي ثانيا أو متوازية مع الحاجة الأمنية، ويجب أن تجمع بين نظامين نظام الإغاثة ونظام التوعية والتنمويات المرحلية الأخرى، ويمكن أن تتحول الى قضية رئيسية بعد تحقيق الأمن.
  • الحاجات الصحية: وهنا يجب أن تكون لإدارة  الى جانب المستشفيات قواعد متحركة تفترضها ضرورت الوباء وضعف التغذية خارج الحضر وداخله.
  • الحاجة التعليمية: وهي من المسائل التنموية إذ أنها تؤسس لمستقبل جديد ومن جهة أخرى تحول دون انجرار هذه الطاقات في الصراعات العسكرية وهو السائد، ومن جهة أخرى تشغلهم بمستقبل اكثر واقعية وأملا وهنا يجب دمج الوزارتين لأن الفصل بينهما من الترف الزائد في التعيين، ومن متطلبات الرؤية العلمية الربط بين وزرات التعليم، فإن قيل إن الربط متعارف في دول العالم المتقدم سنعيد ذلك الى متطلبات الحاجة والحاجة العربية ما تزال أقل بكثير من توسيع هيكلة التعليم مع ضعفها وهشاشتها وريعيتها.

بالنسبة للوزارات الأخرى فإننا ندرك يقينا أن الشعب اليمني لا يحتاج لها في الوقت الحالي إذا توفرت أدوات التنمية، ولم يحس بها المواطن من قبل ولم يشعر بأهميتها أو وجودها، ودعونا لنقف تحليل ذلك بعلمية:

  • وزارة الزراعة: تعتبر وزارة الزراعة من الوزارات التي مارست التجارة من خلال الاستيراد للوسائل الزراعية بالتعاون مع الشركات المحلية الرأسمالية ولم تقدم منذ نشأتها أية برامج عملية إذ اكتسح في عهدها زراعة القات الكثير من المناطق الزراعية وتجارة السموم القاتلة التي وسعت من دائرة المرضى، ومن ثم فإن الشعب اليمني يمارس التجارة التقليدية وبما يتوفر لديه من إمكانيات تحديثية ذاتية،  فهو في غنى عن زوارة لم تستطع أن منذ نشاتها أن تحقق سياسة الاكتفاء الذاتي.
  • وزارة الرياضة:  هذه من أم الكبائر في صناعة تشكيل حكومة الشرعية الجديدة، لأن الرياضة في ظل الأزمات التنموية والأمنية والصحية لا يعني إلا الرياضة بأشباح وجثث الموتى.
  • وزارة الخارجية: من خلال قياس دور السفارات ووزارة الخارجية فإن تعيين السفارات في ظل هذا الصراعات من الترف لا سيما إذا قسنا مدخلات السفارات بمخرجاتها لوجدناها من المؤسسات الترفية التي ترهق الدولة وتضعفها وتشغلها عن مهامها الرئيسية. ومن جهة أخرى إذا كانت الحكومة والرئاسة اليمنية قائمة في دول الخليج فما الداعي لبقاء السفارات في دول يقيم فيها النظام السياسي.

ثم وقياسا على ذلك فما هو الدور التي تمارسه السفارات اليمنية في دول أوروبا وبلدان الشرق والبلدان العربية وهذا يدل على أن الرشادة الحكومية تفتقر للعلمية والعملية، وليست أكثر من صناديق ضمانات اجتماعية غير عادلة.

  • وزارة الصناعة والتجارة: بدلا من تعيين وزارة ريعية الأولى تشكيل مكتب ضرائب فقط على الشركات الوطنية وشركات الاستيراد والتصدير فقط ومن ثم يلغى الضرائب خلال هذه المرحلة على المحلات الصغيرة، كما أن تشكيل هذه الوزارة يستدعي الوقوف على حجم الشركات العامة التي تغذي ميزانية الدولة ودورها الخدمي في الاسيتراد والتصديرـ فإذا انتف الدور انتفت الوظيفة والمؤسسة معا.
  • وزارتي الأشغال و النقل: لا توجد في اليمن مؤسسات عامة سوى الطيران إن وجد حاليا أما النقل الداخلي فإنه لا توجد قوانين ولا برامج علمية مسيرة ولا خطط تنموية تؤسس للبنى التحتية بالنسبة للاشغال العامة، وقد توقفت هذه الخطط بموت الحمدي وما بقي منها ذات خصوصيات أهلية، لا سيما وأن متابعة اليمن سيجد خلال هذه الفترة بروز دور المواطن في رصف الطرقات وشقها أكثر مما كان عليه دوره في عهد النظام السابق.
  • وزارة الشؤون الاجتماعية: الحديث عنها فضلة في زمن الدولة والاستقرار أما في ظل هذه الأزمات فإنها ترف و أزمة.
  • وزارة الخدمة المدنية والتأمينات: لم تصل بعد الى مستوى الوعي الفكري أما الجانب العملي فيكون أكثر بعد، وهذه الوزارة لا تقام إلا في الدول المستقرة والآمنة، وهذا ما ينفي أهمية وجودها لا سيما وأنها ومنذ نشأتها كانت عدما.
  • وزارة الإدارة المحلية: تعتبر هذه الوزارة من أهم أسباب الأزمات الإدارية في اليمنة ومن أهم أسباب تفكيك الوعي الوحدي، ولهذا فإن فكرة بناء الإدارة يعني القواعد والأسس والقوانين والتنمية وإذا أقمنا دراسة سابقة لدورها  سنجد أن المركزية هي التي كانت سائدة رغم وجودها، وهي أشبه بالنظام الديمقراطي التي تحول من لعبة إلى أزمة.
  • وزارة الأوقاف والإرشاد: من الوزارات التي خلقت التناقض الديني والعقائدي داخل اليمن وكلما جاء وزير بهوية عقدية سعى لإلغاء واقصاء الهويات الأخرى ليس بالدعوة والإرشاد والتنمية والتوجيه وإنما بوسائل الإكراه، كما أنه يجب تجنيد مؤسسسات الأوقاف لصالح الجماهير في وقت الأزمات من إيواء المشردين، وللمدارس، وللقيام بدور الجمعيات في الإغاثة.

ومن هنا يمكن الحديث في ظل هذه التشكيلة الحكومية عن مرعاة حقوق السياسين والحزبيين وقوى الصراع وليس فيها مراعاة لاحتياجات المواطن وحقوقه.

والدولة لا تقام أخيرا إلا بوجود فعلي ودور وتنمية بحسب الأولويات المنطقية والعقلية والواقعية.

تبقى حكومة الشرعية خطاب فلسفي متجسد في صور إدارية ريعية وليس لها إرادة تنموية.

المعرفة تسبق الإدارة والفكر يسبق القرار، والإدارة تسبق التنمية فإذا اختلت الثنائية اختل الواقع باختلال الفكر.

شاركنا رأيك!