انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على منطقة الخليج والشرق الأوسط

 

انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على منطقة الخليج والشرق الأوسط

د. جمال الهاشمي

في نقاشات مواكبة لأحداث أوكرانيا على جميع الأصعدة الأكاديمية والحزبية، تتمركز الأطروحات حول دراسة أثر الأزمة الأوكرانية والطموحات الروسية، من زوايا الواقع والفكر والتاريخ، والنفس والمجتمع والجيوسياسية على القارة الأوربية و أهمية احتواء الأزمة أوابقاءها  على مناطق الأحزمة الملتهبة لتمكين القارة من إعادة تموضعها كقوة عسكرية مستقبلية.

ومن ثم فإن استراتيجية فتح جيوب ملتهبة أخرى على مساحات الجغرافيا باتجاه الشرق الأوسط سيكون جزء من سياسة الاحتواء الغربي على روسيا،  الذي سيعيد خارطة العالم الإسلامي والعربي إلى نقطة الصفر الذي انطلقت منه ثورات التحرير، وبدلا من الحرب على الحدود الأوربية الروسية ستتوزع الحروب على طرق امدادات النفط ومواقعها هو جزء من إرادة الجغرافيا.

وتتجلى دور الحكمة السياسية في وضع القرارات ضمن سياقات الحتمية والعقلانية والمقاربات التصحيحية  والعلمية المنهجية، كما يكمن خطور القرارات المبنية على ثقافة الانتقام بدلا من دراسة انتقام الجغرافيا ، وهنا تكمن أهمية أو خطورة اتخاذ القرارات.

ولا يعني أن الحياد السلبي سيجنب المطقة من الصراع العالمي لأنها في الأساس جزء من هذا الصراعات العالمية التي تفترضه الجيوسياسية.

ولا تأتي أهمية السياسات الانطوائية في الانطواء ذاته، كما أن السياسات التدخلية في الأصل تكون من مخرجات الانطواء وفق معايير منهجية عندما تكون المتغيرات الإقليمية والدولية غير واضحة المعالم، وهنا تكمن أهمية السياسيات الانطوائية وقدرتها على خلق الاحتمالات وسبل الاستعداد لها، لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل التأثير الإقليمي والدولي، كما قد يؤدي الانطواء السلبي انهيار الدول، خصوصا تلك الدول التي لا تجيد الجمع بين دور الاقتصاد واستراتيجية الأمن.

إن جغرافية منطقة الشرق الأسط تتقاسم المصير ذاته مع أوروبا لوجودها ضمن مناطق الارتطام الدولي بين قوتي آسيا والولايات المتحدة، كما المخاطر الاقتصادية فائقة التكاليف بالنسبة للدول التي اعتمدت اقتصاد الخدمات في عصر تتمركز مقوماته وإمكانياته على اقتصادات الحروب.

فالولايات المتحدة تمتلك أحزمة أمنية قوية تجمع بين القدرة، والطبيعة، بالإضافة إلى أن لديها عمقا جغرافيا في حال تعرضها للصراعات البشرية، بينما روسيا تمتلك أحزمة أمنية ملتهبة وكامنة من على حدودها الغربية والجنوبية، وتهدف لصناعة المجال والعمق الذي كان سائدا من قبل لكن في إطار محور روما الثالثة وهو مشروع حضاري وجيوسياسي إذ تم تشكيله فإن قوته تكمن في التوسع جنوبا.

ولذلك فإن امدادت النفط قد يمنح الدول المنتجة قدرة على التأثير المؤقت لأن القدرة من أهم مقومات فعل القرار، وإذا قلنا بأن القدرة ضعيفة وهو السائد في مجتمعات الدول العربية ،

فإن ضمانات استمرار القرار ضئيلة لأن مقياس القدرة هو المحدد الرئيس لاتخاذ القرار والضامن الرئيس لتفعيله والاستمرار فيه.

فإذا افترضنا وجود مصالح مشتركة تقتضي التنازل من جميع الأطراف، فإن ذلك يعني الدخول في سياسة تهدئة، وتبقى الإمكانيات مهدورة بين الانفعالات والتهدئة.

 

لا سيما وأن الصراع داخل المنطقة العربية والإسلامية مأزومة، وحديثنا عن الأزمة يعني حديثنا عن توسعاتها العضوية، وتداخلها في دوائر إقليمية ودلية ضمن سلسلة من الأزمات المتوالية والمترابطة.

ومما يوسع الأزمة  تطور التناقضات المحلية بين الثقافة المجتمعية والصراعات الحزبية والقومية والطائفية وارتباط هذه المكونات داخل الدولة بالعالمية والإقليمية، وهنا تكمن أزمة الدولة والسيادة والأمن وأزمة القرار.

ولذلك أدركت دول أوروبا أنها تتعرض لإعلام  يهدد مجتمعاتها

ولأول مرة  تتعرض المجتمعات الغربية تتعرض هذه المجتمعات لحصار إعلامي وانتقائية ممنهجة، ووصاية سياسية، ومما يميز الغرب في هذا القرار أنه أدمجه ضمن العقوبات على روسيا، ليكون مبررا شرعيا للمجتمعات، وهنا تدار الدراسات والتحليلات ضمن إطار المشروع السياسي، والذي يسمح للمجتمعات الغربية التفكير به ومن خلاله.

ومن الجهة الأخرى وفي المقابل تتعرض المجتمعات العربية والإسلامية لسلسلة من الصراعات الإعلامية بين هذه الدول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تخضع مواقعه الجغرافية واقتصادياته الطبيعية  وموارده الديمغرافية لتنافسات القوى الدولية.

وتتعرض المجتمعات الإسلامية والعربية لمصادر معرفة متناقضة، وسياسات محلية متعارضة، جعلته في فوضى إعلامية خلاقة، مما قد يؤدي الى خلق فوضوية أشيه بموجة المقاتلين بعد الحرب الأفغانية والشيشانية أو موجة المحاربين والإمارات والتكوينات التي كانت خلال فترات الحروب الصليبية قبل تشكيل محور التغيير والممانعة.

 

والإشكالية أنه لا يوجد اعلام حضاري وأنشطة جماعية تربط بين القضايا العالمية والمحلية وتحفز الوعي العربي تحفيزا سلبيا يخرجه عن دوائره الضيقة إلى العالمية، ويعمل على تشكيل بنية وعي حضاري إنساني  موحد يواجه مشاريع تفكيك المفكك وتقسيم المقسم، والنعرات الانفصالية والإثنية والثقافية والطائفية.

ووفقا للقياسات المنهجية أننا وصلنا إلى مرحلة الاستلاب الحضاري كنتيجة للحلقة الأولى من التمزق الحضاري، وهنا يمكننا تحديد مراحل تطور الاستلاب الحضاري إلى:

  • مرحلة الانتكاسة الحضارية: وهي مرحلة الحياد التي تتخلى فيها الحضارات عن الدور والوظيفة الحضارية.
  • مرحلة الانهزام الحضاري: وهي مرحلة العجز الذي يجعلها تعتمد على الحضارات في صنائعها ومتجاتها ومظاهرها.
  • مرحلة الاستلاب الحضاري: وهي مرحلة الطمس لكل معالم الفكر والفعل الحضاري.

ومن مؤشرات الاستلاب الحضاري:

  • استلاب القدرة، ويعني ممارسة الفعل من خلال إرادة الآخر، والتسليم بقرارته، وهذه مرحلة تالية لمفهوم الانهزام الذي هو بدوره مرحلة متأخرة بالنسبة للهزيمة، فالانهزام ارتبط بدخول التتار بغداد، إذ كان المقاتلون يسلمون رقابهم للقدر التتري دون مقاومة قدر بقدر. أما الهزيمة فهي من علم الواقع الذي يساهم في إعادة التخطيط ووضع الخطط المستقلبية من خلال إرادة القرار السياسي.
  • استلاب الوعي: وتعني التفكير من خلال ثقافة الآخر والايمان بمعتقداته وأفكاره، وهذا أخطر من استلاب القدرة لأنه يعلن نهاية القيم النظرية لمفهوم الحضارة، وتجديد القدرة لا يأتي إلا من مدخل الوعي، والوعي آخر ما يسقط في المعارك الحضارية.

ثم يلي ذلك مرحلة الوعي،  وتبدأ باللاوعي التي تخلق الفوضوية داخل الدول العربية، وقولنا بذلك لأن المشروع الحضاري الإسلامي مستلب تتقاسمه القوى الدولية التي تمتلك مشاريع حضارية.

كما أن نقاط ضعف الدولة العربية يدفعها للحياد السلبي، أو للتحيز السلبي، و في حال خرجت عن الحياد السلبي فإنه ستتعرض لهزات عنيفة ترتبط  بإرادة الدول الإقليمية والدولية لا سيما وأن التجارة  والأعمال الإنسانية والهجرات من أهم الممارسات التي تساهم في نشر العنف والتجنيد ونشر الفوضوية، فالدول العربية برمتها على الهامش وفي قلب الصراع العالمي.

من الفرضيات الغربية المطروحة توسيع دائرة الصراع  في مناطق الأحزمة على حدود البلطيق بدمج كل من فلندا ،واستوانيا وليتوانيا، ولاتيفيا وبولندا باتجاه ألمانيا، وعلى حدود البحر الأسود ابتداء بأوكرانيا، ومولدوفا ورومانيا وبلغاريا باتجاه تركيا، وباتجاه القوقاز بإدخال جورجيا وأذربيجان وأرمينيا باتجاه إيران.

 

بينما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية على ضمان بقاء الصراعات الدولية بعيدة عن قارتها، وبذلك تسعى لإعادة أوروبا بعد فصل بريطانيا عنها تحت وصايتها بالتهديد الروسي، ذلك أن انفصال أوروبا عن الإرادة الأمريكية يعني منافستها على مناطق الهامشي الذي رسمته السياسات الاستعمارية منذ نهاية الدولة العثمانية.

وتهدف من وراء الصراع مع أوكرانيا ضمان استمرار قواعدها العسكرية في الأوربيتين ومنطقتي آسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة الشرق الأوسط بتمويل الدول التي لا يسعها التخلي عن الحماية الأمريكية، وتحقيق السلام العالمي لا يتناسب مع فلسفة الحماية والحروب الدولية.

ومن ثم الانطلاق نحو الشرق الأقصى تحت مظلة الحلفاء لمواجهة الصين بما في ذلك الهند، وبدعم دول المنطقة التي تخشى من النفوذ الصيني.

وهنا تأتي أهمية منطقة الشرق الأوسط، والخليج العربي في التوظيف العالمي للصراع.

هذه الأهمية ليس في كونه يشكل تهديدا للقوى الدولية، لأنه ليس لديه مشروع حضاري، وإنما الخشية منه هو في تغليب الحضارات القائمة على الأخرى، ويرجع ذلك إلى أنه منذ الاستعمار الغربي وهو يندرج تحت ما يسمى بقوس الأزمات.

لهذا فإن الدعوة للحوار الديني والسلم والتعايش، لا يعني أن الدول العربية بلغت أوج درجات السلم العالمي ولديه القدرة العسكرية على تحقيقه، وإنما هو من مؤشرات السلب الحضاري التي تحاول من خلاله حفظ وجودها ومصالحها تحت مظلة الحماية الدولية.

انطلاقا من هذه الرؤية التي قد تكون في نظر رعاتها ملاذ جديد ووسيلة سياسية لضمان تحقيق القدرات العسكرية، وبقدر ما تبحث هذه الدول عن الحلول، تجد نفسها منجذبة في أزمات أخرى، ذلك أن القرارات وجدانية وردود فعل نفسية لمواجهة الآخر، مما  يزيد من توتر المنطقة وخلق موجات من العنف الطائفي والعرقي والثقافي بما في ذلك نزعات الجينات القبلية التي أعادت نظرية الصراع بين القحطانية والقيسية على خبر ما كانت عليه قبل الإسلام والتي كانت من أهم أسباب انهيار الدولة الأموية وانفصال الجغرافيا عن المركزية خلال العصر العباسي.

يدرك الباحثون الغربيون جيدا هذا التخبط السائد في منطقة العالم العربي، من خلال مؤشرات التجييش الطائفي، وتيارات الانفتاح والمعارضين، والصراع الإقليمي، ويدركون أن ذلك التناقض فرضته السياسات الغربية والدولية في منطقة الشرق الأوسط، وتحاول القوى الدولية في حال أزماتها ترك المنطقة لمصيرها ومن ثم تعود من جديد ضمن مشاريعا الاستعمارية تحت مظلة الحماية.

الفارق بين دول أوروبا ودول الشرق الأوسط في أن الأولى تمكنت من تجاوز التعدد اللغوي ووضعت مؤسسات فوق قومية تتولى صناعة السياسات الاقتصادية والأمنية والثقافية في إطار الأصول المشتركة، لكن وفي المقابل فإن ودول منطقة الشرق الأوسط تشهد تناقضا عرقيا وطائفيا وحزبيا وثقافيا .. الخ داخل الدولة الواحدة وتنوعات ثقافية جديدة ومتطورة، إضافة إلى صراعات بين الدول القائمة.

تعتمد أمريكا  في سياستها الدولية على مخزون الثقافات المنبوذة التي حملها المهاجرون فرارا من التميز العرقي والديني في أوروبا، وهي بهذه الثقافة الكامنة تعد أخطر الدول على السلم العالمي المعاصر، و على أوروبا ودول الشرق الأوسط.

ولهذا فإن سياستها مجردة عن المبادئ مطلقا، ويمكنها تقديم تنازلات مؤقتة لتحقيق مصالحها، لكنها تكون أشد ثقل على حلفائها من أعدائها، ومع هذا فهي تدرك أنها ليس بمقدورها قيادة معركة مباشرة مع  أي دولة من دول الشرق الأوسط لأسباب جيوسياسية ودولية.

وبحسب التوقعات وجملة من المعطيات فإن الولايات المتحدة أكثر الدول العالمية جرأة في استخداماتها النووية والحروب الجرثومية  لأن ذلك من أهم معتقداتها السياسية المقدسة التي تؤمن بنظرية الفناء الإنساني بالصراعات والنزاعات المجتمعية، والأوبئة  والحروب النووية.

إن تغييب الوعي كان أول مراحل الاستعمار الغربي وارتبط بكتاباته الاستشراقية التي وسعت مساحات التغييب، ثم تطورت مع وسائل التكنولوجيا لاستلاب الوعي، من خلاله تركيز اقتصادات الدول المستهدفة على الأنشطة الخدمية، وفرضية الحقوق التي تتناقض الوعي كالمثلية، … وغيرها من الحقوق التي تحاول أن تجعلها من الثقافات القانونية والحريات والممارسات الإنسانية الطبيعية داخل المجتمعات.

وهذا من نتائج حقوق الأقليات والحريات الصحفية وتغييب سيادة الدولة،التي أوجدت لها وكلاء بالنيابة في إطار ممارسات الديمقراطية وغيرها من المفاهيم الإشكالية الغربية التي تؤسس لصراعات العقل، وهذا جزء من استراتيجية وجودها في المنطقة،  وقد صرح تشرشل رئيس الوزراء البريطاني وصاحب نظرية نقل المعرفة التكنولوجية الى الولايات المتحدة “سنقاتل حتى آخر جندي هندي”.

وهي نفس النظرية التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في الحروب الأفغانية بأنها ستقاتل روسيا حتى آخر جندي أفغاني، وستقاتل الشيوعية في منطقة العالم العربي حتى آخر جندي عربي.

ويبقى التساؤل الملح، أين ستكون منطقة الشرق الأوسط من هذا الصراع؟ وأين تكمن المصالح العربية؟

ما تزال الدبلوماسية الأمريكية- البريطانية تمتلك الأوراق السياسية التي يمكنها توظيفها لممارسة الضغط  على منطقة الخليج العربي ؟

ومن ذلك تواجد القواعد الأمريكية اللوجستية والجوية في المنطقة العربية، ووجود وكلاء دوليين ومحليين، كما أن الأصول المالية الخليجية في كلا الدولتين قد تتعرضان للمصادرة على غرار المصادرات التي تعرضتها لها روسيا خارج إطار القانون الدولي، وهذا من مؤشرات توقيف العمل داخل إطار المؤسسات الأممية، واستبداله بسياسات التعبئة والتحالفات الدولية.

ومن ثم فإن دول الخليج والمنطقة العربية بين أمرين: إما الحياد ،أو الخروج عن اتفاقية أوبك ودخولها المباشر في الصراع العالمي، والتضحية كائنة في كلاهما.

وهنا تأتي دراسة الاحتمالات في أي من هذه الاحتمالات أقل وطأة على الأمن القومي الإسلامي والعربي.

وهنا يسعنا تصنيف الواقع :  إذ انقسمت الدول العربية بقرارات أحادية خارج إطار العمل الحضاري المشترك لمواجهة التهديدات المشتركة، وهذه من المؤشرات التي تكرس سياسة التبعية للمنطقة وتدخلها في صراعات بينية محتدمة.

وبذلك اتخذت بعض الدول سياسة الارتباط مع روسيا وهي في الأساس كانت مرتبطة، بينما دولا أخرى التزمت الحياد، ومما يميز القتال الروسي في أنه يزاوج بين الحروب العسكرية النظامية وحرب العصابات، وهو يتبنى نفس النموذج الأمريكي الذي استخدمته في حروبها العالمية.

إلا أن الروس كدولة متحدية للقطبية العالمية تنطق من عمق وعقيدة وتراث وجغرافيا وتاريخ، وهذه العتاصر يجعل قرار الحرب من  القرارات المصيرية، ولن تتوقف مهما كانت الضغوطات العالمية، وخلال هذه المرحلة تعمل على تقسيم العالم بين محورين: محور الخير بقيادتها ومحور الشر بقيادة الولايات المتحدة وهو من المنطلقات العقائدية في الأرثوذكسية.

وهذا ما أدركه العالم الأوربي وفي تصريح الرئيس الفرنسي “ماكرون” إن روسيا ستحقق أهدافها بالقوة أو بالسلم، وهذه رؤية واقعية تنطلق من هم مشترك لمصير أوروبا بين قطبين يضحيان بأوروبا ويجعلانها بين قرارين: قرار القبول بالأمر الواقع، أو قرار الحرب..

 

أوروبا كمنطقة الشرق الأوسط في السياسة الأمريكية اقتصاديا وعسكريا، وأحد أحزمتها الأمنية البعيدة مع روسيا، كما أنها تتربع على هذه القارة بقواعدها العسكرية وشركات اقتصادية، يمكنها موقعها في هذه المنطقة من سرعة الإمداد لمواقعها في منطقة آسيا والشرق الأوسط، ويساعدها على حماية قواعدها العسكرية في البحار، والسيطرة على الملاحة الدولية في أكثر بحار العالم حيوية واقتصادا، وهنا يمكن الفارق بين التفكير الأوربي الذي يمكنه التعايش مع روسيا، والأمريكي- البريطاني الذي يرى إحلال روسيا أو تكاملها مع أوروبا تهديدا تهديدا لمصالحهما.

لم تستوعب أوروبا الصدمة الروسية، مما جعلها تقدم تصريحات عاطفية غير مدروسة، واستسلمت لحتمية الجغرافيا. ولم يبق سوى أن تدخل في حروب غير مباشرة على أوكرانيا، مع ادراكها أنها محسومة مسبقا، لكن مخلفات الحروب لها استراتيجيات أخرى يمكن استثمارها في المستقبل.

ولضمان هزيمة روسيا العظمى لا بد من تجنيد العالم الإسلامي، ولكن العالم الذي كان موحدا ضد الشيوعية لم يعد كما كان من قبل.

وما دام هذه المكون  قد التزم بعضه الارتباط بروسيا والبعض الآخر التزم الحياد، فإن الولايات المتحدة تفقد وجودها كقوة أحادية في العالم مما قد يفرض عليها القبول به، وقد يوسع من دائرة الصراع نحو منطقة المحيط الهادي وحروب الملاحة الدولية وخطوط إمداد النفط.

أما منطقة الشرق الأوسط فمصيرها التعرض لسلسلة من الصراعات المحلية في أقل التقديرات إذا التزمت الحياد أو الصراع الإقليمي في حال عدم توفقها في اختيار الحليف،  وقد تسرع  زيارة جونسون لمنطقة الخليج من توسيع دائرة الحرب وبذلك ستكون أوروبا والشرق الأوسط ضمن دائرة الارتطام وفقا لأقدم وأحدث الدراسات الجيوسياسية.

أما إسرائيل فإنها لن تدخل في صراع مباشر مع إيران إلا بتحالفات دولية وعربية قد يكون لها انعكاسات سلبية على أمن المنطقة العربية، كما أن التدخل الإيراني يشكل تهديدا من جانب آخر.

وبذلك تسعى إسرائيل نحو دفع دول الخليج وتركيا في حروب مع إيران على غرار الحروب العراقية – الإيرانية التي انتهت بانهيار وسقوط الدولة العراقية، ذلك لأنها تحاول أن تجد حلولا لمشاكلها الأمنية في العمق، ولهذا فهي تتبع استراتيجية الولايات المتحدة وبريطانيا  في بناء التحالفات العسكرية لمواجهة الخطر الإيراني على المنطقة.

من جهة أخرى فإن إيران دولة عسكرية  أيدلوجية تمكنت من عسكرة الدول التي كانت جزء من الحرب عليها كالعراق أو من الحرب معها كسوريا أو خلال وجودها في لبنان أو من خلال رعاية القضية الفلسطينية.

و لها مشاريعها التوسعية في المنطقة، كما أن المنطقة جزء من أحزمتها الأمنية التي تشكلت بعد حروب الثمان سنوات مع العراق، وقد ساعدها ذلك على حماية مركزيتها، كما ساعدها وجودها في العراق على نقل بعض معاركها التوسعية باتجاه اليمن.

ومهما كان البديل فإن الدول العربية بهذه التفرد الأحادي ستكون عرضة لاضطرابات أمنية ما لم تتخذ سياسات جادة تعمل على توحيد القرار وبناء استراتيجية متكيفة ومرنة لمواجهة المتغيرات المحلية والدولية والإقليمية.

لن نتحدث عن سيناريوهات محتملة في هذه المنطقة العربية، لأن الحديث عن السيناريوهات يعني معرفة الضوابط والمبادئ والمحددات السياسية لدول المنطقة، وهو ما ينعدم وجودها في قراراتنا السياسية، إذ أن معظم القرارات قائمة على التهافت، والتخافت وهنا نحدد القرارات في سياقاتها الشرطية:

إولا: القرارات على المستوى الدولي:

الحالة الأولى أن تتحيز الدول العربية بجانب الولايات المتحدة الأمريكية، وفي حال اتخاذ هذا القرار ستدخل المنطقة العربية في سلسلة من الأزمات والصراعات الدولية والمحلية على امتداد العشرينية القادمة.

الحالة  الثانية التحيز لصالح روسيا، وهذا سقود المنطقة في صراعات عبر وكلاء أمريكا في المنطقة.

الحالة الثالثة: الحياد السلبي وسيخضع لمصير نتائج الصراعات بين القوى العظمى.

الحالة الرابعة الحياد الإيجابي: وهو أفضل الحالات الذي يتخلله الكثير من الصعوبات والتحديات المحلية والقومية والإقليمية.

وفي الجانب الآخر هناك ثلاثة قوى إقليمية في المنطقة العربية (ايران، تركيا، إسرائيل) ولكل دولة منهما امتدادات دولية ومصالح مشتركة في منطقة الشرق الأوسط، وما دامت تركيا وايران في تناقضات مع الشرق الأوسط، فإن لهما نفس المصير المشترك باعتبارهما من مناطق الهامش، ولا يمكن الخروج من كل هذه الازمات إلا ببناء الثقة وتصفير المشكلات وتجاوز الخلافات، والعمل على الجماعي على غرار دول الاتحاد الأوربي لمواجهة التحولات العالمية ومتغيراتها وتأثيرها على منطقة الشرق الأوسط.

 

شاركنا رأيك!