امتحان الأمة يكون بسرقة لسانها

د. نهلة الشلبي أستاذة النحو والصرف بكلية التربية جامعة العين

الإمارات العربية المتحدة

المقدّمة:

          سعى علماء اللغة القدماء سعيًا دؤوبًا لفهم ماهيّة اللغة وعوامل تشكّلها وتطوّرها، فعرفوها تعريفات تدلّ على فطنتهم وشغفهم بها، ومن أبرز هذه التعريفات، تعريف ابن جنّي  لها الذي يدلّل فيه على أنها  ظاهرة صوتية، وأنّ لها وظيفة اجتماعية تكمن في الرّبط بين أفراد المجتمع الواحد، وأن لكلّ مجتمع لغة خاصّة به، فتراه يقول: “اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم”( 1 )، أمّا ابن خلدون فيؤكّد على أنّها: “ملكات في اللسان للتعبير عن المعاني”(   2  ). وهي عند (دي سوسير)، أحد علماء اللغة المحدثين” نظام ذهني يتم بموجبه ربط العناصر اللغوية، سواء على المستوى الفونولوجي أو الصرفي أو النحوي”(    3    ).

      نلحظ أنّ تعريفات اللغة تعدّدت بتعدد المهتمين بها، سواء كانوا علماء اجتماع، أو علماء لغة،  أو غيرهم من العلماء؛ لما لها من وظائف عديدة في حياتنا، حيث تتمركز وظيفتها الرئيسة في أنّها وسيلة للاتّصال والتفاهم  بين أفراد الجماعة اللغوية الواحدة؛ إذ يمكنهم التعبير عن احتياجاتهم وما يدور فى خلجاتهم، كما يمكنهم  من فتح قنوات حواريّة مع الآخرين، ومشاركتهم وجهات نظرهم اتفاقًا أو اختلافًا.

       تعد اللغة  أيضًا وسيلة للتعبير عن الحضارة التي تعيش بين ظلاليها؛ لأنها تعكس الحياة الاجتماعيّة العامة، وتبيّن الفكر الخاصّ، فالعربيّة بدأت بالوفاء بأغراض الحضارة الإسلامية، التي تعتبر مرحلة من مراحل التطوّر الاجتماعيّ التي وصل إليها أبناء المجتمع الإسلاميّ آنذاك،  فأوجدت  على إثر ذلك مصطلحات جديدة تعني بأغراضها من مثل: التشهد، والصوم، والزّكاة، وغيرها من المصطلحات. وبذا، شكّلت اللغة  العربيّة ركنًا أساسيًّا  في هُوية الأمة الإسلاميّة عندما وحّدتهم  فكريًّا، ومكّنتهم من تنمية أنفسهم روحيّا واجتماعيًا.

       حملت الحضارة العربيّة معها اللغة العربيّة التي بلغت أصقاعًا شتى من الأرض؛ لأنّ التقدم الحضاري هو الناقل الأهم للغة لتعبيرها عن الإنجازات الحضاريّة، لذا حرص  الاستعمار على كسر هذه الرابطة اللغويَّة في الدول التي احتلها، وخير مثال ما فعله في الحضارة الأندلسيّة؛ لأن ثَمة إدراكًا عميقًا لديه بأثر اللغة في نهضة الأمم ومستقبل الأوطان.

         ترتبط مسألة الهيمنة الثقافية واللغويّة بهويّة الشّعوب ونهضة الأمم، التي يمكن أن تمتحن بسرقة لسانها فتكون النتيجة ضياعها، وهذا ما نعيشه اليوم مع أبنائنا وبناتنا في معظم البلاد العربيّة، حيث تستجير الكثير من الأسر التي كانت سببًا في ضياع أبنائها لغويًّا أن أدركونا؛ لأنّهم أدركوا  متأخرًا أنّ بناء هويتهم والمحافظة عليها لا يمكن أن يتحقق دون تحرّر ثقافيّ ولغويّ واعٍ .

      يرتكز الاستقلال الثقافي إذًا على استقلال لغويّ؛ لأن النهضة والإبداع والابتكار لا يمكن أن تتحقق دون تحرّر العربيّة من سيطرة اللغة الإنجليزيّة عليها في مجتمعاتنا، فالحديث عن استعمال لغة بدلًا عن لغة أخرى في التدريس، لن يكون محكومًا بإطار لسانيّ فقط، وإنما هناك أبعاد اقتصاديّة وخلفيات سياسيّة ومقاصد حضاريّة وإستراتيجيات دولية مهيمنة.

         فالعربيّة التي صاحت عند انقشاع غمّة الاستعمار، ستسهم في إنجاز النقلة النهضويّة بعد تداركها للفجوة المعرفية والتنموية، لتصبح قادرة على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، فهي جزءٌ جوهريٌّ في مشروع الإصلاح القيميّ والحضاريّ، الذي سيمكن أهلها من الوصول إلى مبتغاهم كما وصل غيرهم، ولن يكون هذا إلا بعد التخلّص ممّا أشيع حولها من أنها تحمل في كيانها بذور  التّخلف والعنف ومنابت البغضاء.  

         لقد توهمت العديد من الأمم وعلى رأسها الأمة الإسلاميّة أن انفتاحها اللغويّ، وتبنيها المطلق للغة الأجنبية هما السبيل إلى النهضة، غير أنها سرعان ما وصلت إلى مرحلة تغريب ثقافيّ واستلاب حضاريّ وتبعية مهينة وفشل ذريع على مستوى التعليم؛ لأن الاستعمار يعتمد بعد الغزو العسكريّ على اللغة ليخضع الشعوب المستعمرة ويطبق الحصار عليها؛ ليمكن اقتصاده وثقافته وقيمه.

        انظر رعاك الله إلى القصور الشاهقات والمدن الشامخات، التي تدلّ على عظمة بنائها، لكنها ليست شيئًا مذكورًا أمام التراث الفكري والحضاريّ الذي خلفه لنا المبدعون في شتى فروع المعرفة.

الهوامش:

( 1 ) ابن جنّي: عثمان بن جنّي ( ت 392 هــ)، الخصائص، بتحقيق: محمّد عليّ النجار، المكتبة العلميّة، ( د. ب)، ( د. ط)، ( د. ت )، 1/ 33.

( 2 ) ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد ( ت 808 هــ)، رحلة ابن خلدون، عارضها بأصولها وعلق حواشيها: محمد بن تاويت الطَّنجي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1،  2004م، 1/ 764.

( 3 ) حسنين، صلاح الدّين، كتاب دراسات في علم اللغة الوصفي و التاريخي و المقارن، ( د. ن )، ( د. ب )، ( ( د. ط )، ( د. ت )، ص 40.  .

شاركنا رأيك!