النظارة في الخلق وأثرها في وعي متطلبات القيمة الإنسانية

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي ـ 

أستاذ محاضر بكلية الفقه / جامعة الكوفة

تتسم علاقة الدولة بالإنسان بجذر تاريخي عميق، رافق حياة البشر والدول، وفي المجال الديني تمثل تلك العلاقة محل جدل اليوم في خضم الرؤى المتباينة حول إشكاليات العلاقة بين الدولة والانسان، وهي إشكالية متناسلة عن إشكالية العلاقة بين الدين والإنسان، وثمة مشكلة أخرى ملازمة لتلك الإشكاليات وهي مشكلة الأنموذج, فعندما يقرأ أي تراث تتجه الأنظار إلى نماذج محددة يصدرها التاريخ السياسي بنحو مركز, فعندما تتم قراءة التراث

الإسلامي وكيف كانت علاقة الدولة الإسلامية مع الإنسان, نلحظ أن النماذج الحاضرة في مجال التداول لا تعبر عن الرؤية الواقعية للإسلام, ولا تمثل جميع المسارات التي أفرزتها التجربة الإسلامية, لذا فإن هذا المقال يحاول في الأساس أن يسلط الضوء على إشكالية العلاقة بين الدولة والإنسان على مستوى الدين الإسلامي من جهة, واستجلاء الأنموذج العلوي – من خلال تجربة الإمام علي (ع)- في ضمان وجود الإنسان في التجربة السياسية الاسلامية التي مارسها الإمام علي (ع), عبر توظيف مقولته الخالدة في عهده إلى مالك الأشتر: (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك  في الخلق..) وما تحمله من أبعاد لها الأثر الهام في سياسة الدولة عند الإمام علي(ع) وكيف يمكن أن توظّف إيجاباً في تجارب راهنة, تحت إطار قيمي إنساني يتجاوز موضوعات تتعلق بشرعية الدولة أو النظرية السياسية في الإسلام, وكل ما هو محل جدل فكريا, فالذي يهمنا هنا هو استجلاء مفهوم (النظارة في الخلق) والبحث في أبعاده وآثاره التي ممكن أن تستثمر في فكر الدولة بنحو عابر لشكل الدولة ونمطها ونوع شرعيتها، إلى مجال يكرس النزعة الإنسانية في الفكر الديني ويعزز من مثولها الراهن تجاه أزمة القيم التي ربما تمثل أزمة عالمية تهدد واقع السياسات.

إن إبراز الأنموذج الذي يمثل قدرا عاليا من الكمال في تجسيد القيم وضمان إنسانية الفرد والمجتمع لأمر بالغ الأهمية ونحن نعيش أزمات متتابعة ومعقدة على مستوى إسلامي عام وسياسي ودولي, لذا يستدعي ذلك أن تكرس الجهود لأجل خلق نماذج حية من التراث تجعله مرجعا مضيئا, عبر التحرك في مساحات الاستيحاء والقراءة المنتجة والاستنطاق الأمثل لمضامين التراث المضيئة التي طالما كانت مهملة بقصد أو بدون قصد..

والنظارة في الخلق في كلام الإمام علي (ع) في عهده الى مالك الاشتر : ( الناس صنفان: أما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق), تعني الاشتراك والمماثلة في الخلق, وهذه المقولة  على حد تعبير زكي الميلاد هي من روائع كلمات الإمام علي (عليه السلام), والتي تتجلى فيها النزعة الإنسانية الخلاقة, وينبض فيها روح التواصل الإنساني والأخلاقي على مستوى الناس كافة, وتجعل الناس ينظرون لأنفسهم من خلال رابطتين لا ثالث لهما, أو كما يقال في المنطق والثالث مرفوع, وهما رابطتا يسمو بهما الإنسان, رابطة الاشتراك في الدين, ورابطة الاشتراك في الخلق.

والحكمة البالغة في هذه المقولة هي أن رابطة الاشتراك في الدين, لا تلغي رابطة الاشتراك في الخلق, ولم تأت رابطة الاشتراك في الدين, لإلغاء رابطة الاشتراك في الخلق, وإنما جاءت لكي تفتح وعي الإنسان على هذه الرابطة الإنسانية, وتجعل منها منظوراً له في رؤية العالم.

إن الشراكة الإنسانية منظورة ومعتبرة لدى أغلب الديانات السماوية والوضعية, وإغفال هذه الشركة من شأنه أن يزرع ثنائيات الفرقة والاقصاء, أي أن الذي تجتمع معه في الإنسانية والخلق يعتبر أخا لك، وربما يكون من هذا أيضا ما جاء في بعض الآيات القرآنية التي سمت الكفار إخوة الأنبياء (عليهم السلام) والأنبياء إخوة الكفار كما سمى الله سبحانه النبي هوداً (عليه السلام) أخا قومه عاد: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ)[i]، و(وَإِلَىَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً)[ii].

وهكذا سمى الله تعالى النبي صالحاً (عليه السلام) أخا قومه ثمود: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً)[iii]، و( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتّقُونَ)[iv].

كما وسمى سبحانه النبي شعيباً (عليه السلام) أخا قومه: (وَإِلَىَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً)[v]. وسمى الله عزوجل النبي نوحاً (عليه السلام) أخا قومه: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتّقُونَ)[vi]. وسمى سبحانه وتعالى النبي لوطاً (عليه السلام) أخا قومه: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتّقُونَ)[vii].

وقد ذكر القرآن الحكيم والأحاديث الشريفة طبيعة الإسلام التي تنظر بالتساوي للإنسان حيث قال سبحانه: (هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)، فالجميع من رب واحد ومن أب واحد وأم واحدة وكلهم إلى معاد واحد ولهم نبي واحد في آخر الزمان، كما أن هناك مصلحاً لجميعهم يأتي ليصلح البشرية جمعاء). ولاشك أن تركيز الإسلام على هذا المبدأ وترسيخه في أذهان الناس فيه دلالة على تكريم الإسلام للإنسانية، يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً).

وبالتالي فإن هذه المقولة للإمام علي (عليه السلام) ليست بمثابة تعريف للآخر, وإنما جاءت لكي ترتفع بالنظرة إلى الإنسان بعيداً عن مفهوم الآخر, بنحو يتجاوز تلك الثنائيات من ناحية العمل والتطبيق.[1]

لذا يمكن القول أن النظارة في الخلق ينبغي أن تستقطب وعي الحاكم من جهة والرعية من جهة أخرى, لأن ما نعيشه اليوم من صراعات عرقية وطائفية ومذهبية كان نتيجة لعدم وعي وحدة النوع وواقعية الأخوة الانسانية, وبفعل تغليب العناوين الدينية على العناوين الانسانية, وهذا مناف لحقيقة الدين, فالدين يرمي إلى حفظ كيان الإنسان, لا أن يسحقه بتلك الثنائيات, وهذا ربما يكون محل جدل داخل الدين وخارجه, أما داخل الدين فيتمثل بالجدل الدائر بين المسار المعتدل والمسار المتشدد في قراءتهما للدين وتباينها في كثير من التفصيلات, وأما خارج الدين, فهو الجدل الدائر بين القراءة الدينية المتشددة والقراءة التي هي من خارج الدين بشتى صنوفها فقد تكون حداثية أو ليبرالية أو غيرها من المنظومات الفكرية.

ومن هنا تتضح أهمية المفهوم – النظارة في الخلق- في إطار خلق رؤية موحدة تستجمع قوى الفكر وعلى مختلف الانتماءات بحيث يلغي كثيرا من مواطن الخلاف والاختلاف حول القضايا التي كثر الجدل حولها..

شكل سيرة الإمام علي  في الحكم، على قصر عمرها الزمني، أروع أنموذج تطبيقي لشرعة المساواة في الإسلام، بعد رسول الله .

النظارة مفهوم فريد في التراث المدون, بالاخص على مستوى الحديث الشريف, ذلك ان ثنائية النظير في الخلق والاخ في الدين لم تكن حاضرة بوعي المسلمين بنحو كاف, ولا زالت كذلك, ومن أهم المؤشرات التي تمت ملاحظتها في هذا البحث هي ان الإمام علي عليه السلام لم يكن يتصرف بسلوك الحاكم العادل فحسب وإنما كان يتصرف بسلوك الإنسان الذي بلغ مستوى من الكمال الذي يجعله يدرك تلك الثنائية الهامة (النظارة في الخلق, الأخوة في الدين) والتي تقلب موازين كثيرة كانت قد رست في عمق الفكر الديني الاسلامي عبر التاريخ, فقد بدا واضحا ما لتلك المقولة من أثر بالغ في سياسة دولة الامام عليه السلام.

وثمة مؤشرات ثلاث حول مقولة الإمام علي (ع) الخالدة.. مؤشر قيمي يؤصل إلى ضرورة مراعاة الشراكة والمماثلة في الخلق والانسانية بين البشر, لتكون تلك الشراكة حاضرة في مجال التعامل على مختلف المستويات, ومؤشر ثقافي يوحي بأن معالم السلم المجتمعي حاضرة في التراث, وإنما تم تغييبها بسبب صدارة الخطاب المتشدد الذي نتج عن طبيعة السلطة التي أكسبت التراث الاسلامي طبيعة مختلفة عن الواقع الاسلامي, ومؤشر منهجي يدعو الى استحضار تلك الشراكة والنظارة في الخلق في التنظير حول شؤون الانسان المعاصر ومتطلباته, لذا أصبحت كلمته: (الناس صنفان..) من الكلمات الخالدة والمؤثرة في الواقع الراهن.

 

 

[1] – ظ: زكي الميلاد , الموقع الرسمي

1-  سورة الأحقاف: 21.

[ii] – سورة الأعراف: 65.

[iii] –  سورة النمل: 45.

[iv]– سورة الشعراء: 142

[v]– سورة الأعراف: 85.

[vi] – سورة الشعراء: 106.

[vii] – سورة الشعراء: 161.

شاركنا رأيك!