المرأة ودورها في ابتعاث القيم الحضارية.

د. يوسف بن سعيد الكاسبي

أستاذ الحضارة والتاريخ في جامعة الشرقية – سلطنة عمان

المرأة هي بؤرة الاهتمام في أي مجتمع بشري يسعى إلى التقدم والتطور، وقد يكون ذلك لأن المرأة تلعب دورا كبيرا وفعالا في أي مجتمع تعيش فيه.

وعلى الرغم من الحضور الذي خلدته المرأة في مختلف مجالات الحياة، وقيامها بكثير من الأدوار في مجالات الطب والسياسة والقانون والتعليم والاقتصاد، وما قدمته من مساهمات كبيرة جدا في إثراء العلم والمعرفة والأدب، بالإضافة للذي قامت به في إنشاء دور للتعليم ما أدى إلى إرساء أسس للحضارة الإنسانية.

إلا أنه- وللأسف الشديد – في واقعنا المعاصر نسمع الكثير من الانتقادات والاستخفاف بدور المرأة والتقليل من قدراتها، واتهامها بالضعف والعجز وما إلى ذلك ، فإذا فكر أمثال هؤلاء وعادوا للوراء قليلا وأخذوا نظرة فاحصة، سيجدون أن هذه المرأة التي ينعتونها بتلك الأوصاف ما هي إلا أساس بني عليه تاريخنا.

 ولو عرجنا قليلا لنتحدث عن مكانة المرأة عند الحضارات سابقا فسنجد أن مكانة المرأة تطورت في المجتمعات الغربية والشرقية على مر العصور التاريخية القديمة، إذ أنها انتقلت من حياة الرّق والعبودية إلى حياة القيادة والسلطة ، فكانوا ينظرون إليها كمتاع من الأمتعة التي يمتلكونها مثل البهائم والأموال ، فمنذ العصور التاريخية القديمة عانت المرأة في مختلف المجتمعات وبالأخص المجتمع الروماني حيث أن المرأة في روما تمتعت بالحرية على عكس الدول الأوربية الأخرى وهذا يعتبر جانبًا مشرقًا، ويظهر ذلك جليًا على المرأة في روما ؛ فقد حصلت بالفعل على حقها في التعليم إذ أنه لم يقتصر على النساء من الطبقة العليا فحسب، كذلك نجد أن نساء روما لهن الحق في حضور المجالس والتحدث فيها وإبداء الرأي، كما نجد بأن المرأة في روما اشتهرت بمعرفتها للفلسفة والأدب.

ولو أتينا للجانب المظلم في ذلك سنجد أن المرأة لم يكن لها دور للمشاركة في الشؤون السياسية إلا إذا كانت المرأة من الطبقة الأرستقراطية أو طبقة النبلاء، فبشكلٍ عام فإن المرأة مهمشة وكانت غير مؤهلة للمشاركة والتحدث كما وأنها لم تكن أهلاً للشراء والتملك، وقد حُرمت من أبسط حقوقها حتى حق الميراث .

أما في الحضارة الإسلامية فإن الإسلام صان المرأة وحفظ لها كرامتها وأعلى من شأنها، فجاءت النصوص الشرعية تؤكد مكانة المرأة وأهمية احترامها، كما وأنه قام بالتغليظ من عقوبة الاعتداء عليها  وإهانتها والحط من قدرتها، فقد جاء الحديث عن الرسول _ صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: ” استوصوا بالنساء خيرًا ” ، وقد نزلت سورة كاملة في كتاب الله العزيز تحمل اسم “النساء”، جاءت هذه السورة لتبين حقوق المرأة وتنظم شؤونها وتعلي من شأنها.

وبعد كل ذلك التكريم الذي أتى به الإسلام للمرأة نجد بأن هنالك من يطل علينا ليتهم الإسلام بقمع المرأة والحط من مكانتها وتقييدها!. وقد أتى البعض وطالب بحقوقها وتحريرها، لا للدفاع عنها، بل لتسهيل الحصول عليها فقد أصبحت دمية بيد كل عابث، وهذا أمر مؤسف.

سوف نجد أيضا أن المرأة ناضلت في الشرق والغرب على مر العصور، فنشطت حركة نسوية للتحرر من سقوط من عبثية انتقاص حقوقها التي فرضتها الشرائع النبوية ، وذهب البعض منهن الى أبعد من ذلك فاتبعنا ولم يعتصمنا ، وخرجن عن خصوصيتهن التي كرمتهن فأحدث فوضى نسوية عارمة على ثلاث اتجاهات: الخصوصي، التقليد، والموافقة.

ومما لا شك فيه بأن المرأة هي لبنة الأسرة.. والأسرة هي قاعدة المجتمع، لذلك فإن المرأة هي من تبني الحضارة، ودور المرأة في بناء الحضارة مهم جدا.. لذلك يقول البعض: ” إذا أردت هدم حضارة فعليك بهدم الأسرة”.

فالأسرة هي مصدر القوة لأي أمة على مر العصور، وأصل تلك القوة يكمن في المرأة الصالحة، لذا لا يمكننا الانتقاص من دور المرأة ومن قدراتها، لما له من عظيم الأثر في هذه الحياة ولو فعلنا ذلك فسيترتب عليه هدم للأسرة والذي يصاحبه بشكل تلقائي بداية تفكك وهدم المجتمع كما هو الحال في عصرنا الذي نعيشه، فأبى أصحاب الأفكار الهدامة إلا أن يصوبوا سهام خبثهم نحو المرأة بدعوى التحرر والمساواة، فكان ما كان من بداية الانفلات ونهاية الحياء وضعف المسؤولية.

ولكن حتى تحقق المرأة ما نجحت فيه سابقا من بعث الهمم الوقادة في نفوس أبناء أمتها فيجب أن تكون مهيأة بما يتناسب مع رسالتها، من هنا كان لا بد من بناء تلك المرأة المسلمة المتعلمة الواعية ،التي تلتزم بالمعتقدات الدينية، وتحافظ على القيم الاجتماعية، وتتفهم ثقافة عصرها، وتتفاعل مع قضايا أمتها، ليخرج ذلك الجيل ذو الهمم التي تناطح السحاب وتسابق عجلة الزمان فيخرج من بين يديها العالم والطبيب والمهندس والفقيه، وتقوم الحضارة الإنسانية وتتبدد من خلالها غيوم الجهل والتخلف والرجعية والسفور، فرب نية صادقة أعطت الخير الوفير .

ختامًا، يتوجب علينا إدراك بأن للمرأة دور فعّال في المجتمع، فإننا لا يمكن أن ننكر مكانتها ودورها، إذ يتوجب علينا تقديرها، والحرص على إعطائها كافة حقوقها دون إنقاص، ولابد على كل فرد في المجتمع أن يعيد للمرأة كرامتها، وأن يعترف بهذا الدور العظيم الذي خلدته المرأة في تاريخنا الحضاري الإنساني على مر العصور.

شاركنا رأيك!