المدخل العاطفي وتجزئة الحضارة في فلسفة التحولات العربية

د. جمال الهاشمي

بطبيعة الحال عندما نكتب عن القيم والحضارة والثقافة والأخلاق إنما نتحدث عن واقعنا ومجتمعنا.. عن رقينا أو انحطاطنا بإدارة التعليم وصناعة المحتوى ومسؤولية النخبة. أما السياسة فإن طرحها أو لفظها من الكياسة.

وأن تحليل وتفسير الظواهر أولى بالحديث عن المظاهر، وكوسيلة من وسائل التقارب الفكري بين نخب تشترك في غاياتها وتلتقي بخصائصها..

فالكاتب المسؤول هو الذي تعترك في ذهنه سلسلة من التصدعات الفكرية وسلسلة من الاضطرابات الواقعية، واللفظ والسلوك هو موضوع المعادلة الرياضية والمباراة الرقمية والدالة العلمية التي تحول العملية المنهجية إلى مؤشرات منضبطة تتأصل عليها الاحتمالات المتوقعة في الحديث عن الواقع والتحولات المستقبلية..

ومن خلالها يمكن استكشاف الأزمة بمعرفة بواعثها والزمن المتوقع لحضورها والمكان المستضيف لحصولها ومستوى قوتها وتوجهها ومقوماتها وممكناتها وإمكانياتها ومدى تأثيرها على التعليم والأمن والنظام والمجتمع.

وهذه الرؤية لا يدركها الكاتب ولا السياسي والأكاديمي ما لم يكن باحثا متعمقا بخصوصيته الحضارية وتاريخه وقيمه وواقعه ومستقبله.. وهذه قد تكون صفة فردية أو صفة مؤسسية مشتركة..

عندما تسعى بعض المؤسسات نحو ترقية الواقع أو فلسفته الى مستوى البنى الفوقية يحدث تناقضا بين تصورات الواقع الموضوعة في الذهن، وبين القيم الخصوصية المتعمقة في الذهن، والعلاقة الرابطة بينهما تأتي من عدة مداخل لا تصلح جميعها لصناعة الثقافة:

المدخل العاطفي: يعتبر هذا المدخل من أكثر المداخل استغلال في سياسات التعليم العربي والسياسات العامة وإدارة العلاقات الدولية والتنميات الثقافية أو الاقتصادية.. ويتناسب هذا المدخل مع مستويات الوعي الدنيا للمثقف والعامة.. ويقاس وعي العامة من خلال مستوى وعي المثقف، ويقاس هذا بمستوى الحصيلة التعليمية والمعرفة خلال سنوات الدراسة.. ونعبر عن هذا بالقياس الاستدراكي.. لأنه ليس أصلا في التكوين وإنما متكون دخيل.. وهناك شعوب قد جمدت هذه المرحلة كالشعوب الأوربية، وشعوبا تتدرج فيه وأخرى تنتظر الدخول..  

والعاطفة جوهرا ذاتيا في الإنسان ولكن مدخلها يتغير بنمطية المحتوى، وطبيعة الواقع، ومتغيرات الأحوال.. ومن ثم تأتي البراعة في هندسة العاطفة.. لكن الشعوب فيها تحتاج لقيادة نخبوية قادرة على استغلالها وتوجيهها، وهذا ما حصل بالفعل مع الشعوب الأوربية.. شريطة ألا تصطدم العواطف بالمتناقضات.. في هذه الحالة ينظم الباحث تلك الظواهر المأزومة ويتلمس مصادرها وتحولاتها ومستقبلها، ولا يكتفي حتى يضع لها حلولا علمية ومعالجات واقعية.. وبهذا يتميز الباحث عن المفكر، والسياسي والخطيب، والإعلامي والمثقف.. ومن هنا جاء الوعي السياسي الأوربي والعالمي بأهمية البحوث الجماعية.

وعند المقارنة بين الباحث والأطراف الأخرى، نتحدث عنه كطرف مستقل ومتغير أحادي التأثير كمهندس للفكر والثقافة والتشريعات والتنظيم فهو مصدر مرجعي ذو أهمية بالنسبة للنظم والمجتمعات الحضارية المتقدمة. أما المثقف والسياسي والمفكر والأكاديمي.. كمتغيرات تابعة، فهم الذين يتناولون الظواهر البارزة والمدونات المكتوبة ويتحدثون عنها كصياغة إخبارية تتناسب مع طموحات فردية أو وظيفية أو عاطفية.. ولا يختلفون عن الصحفي والعامي فالأسلوب واحد وإن تعددت المسميات.

وهذا المدخل ضروري وسيف ذو حدين قد يتلبد في ثورات كامنة، وتتحول العاطفة إلى ثورة عاصفة، وقد تكون متناقضة.. كالثورات العربية المعاصرة.. والثورات الشيوعية ثورات كانت داخل الدولة العباسية ودول المماليك والدويلات الأخرى .. ووظيفة هذه العاطفة بهذه الطريقة تفكيكية وفوضوية.. وهي تختلف عن العاطفة الموجهة .. وموضوعها أكثر تشعبا ولكنها أكثر أهمية لضمان استقرار الدول واستقلالها وليست موضوعنا في هذا المقال لأنها غير معروفة لدى مؤسسات التعليم والنظم والدول العربية.

من مداخل العاطفة:-

  1. مدخل القومية.. وهو مدخل يزعم منظروها أن لديها نظريات ومناهج واقترابات .. مع أنها لم تكن أكثر من فلسفة وجدانية عشوائية .. فشلت وتراجعت.
  2. مدخل الأسلمة: وهذه لم تزعم أنها تستند لنظريات معاصرة ولكنها ارتكزت على النظريات القومية المزعومة وحاولت البناء عليها وسقطت كما سقطت القومية لأن بنيتها التي قامت عليها كانت تجريدية لا تتناسب مع مصلحة الأمة والتحولات الواقعية..

كلا المدخلين القومي والأسلمي استخدما فلسطين واليهود وأمريكا في الخطاب والتدوين.. واختلفا في صيغ الاقتراب مع الشيوعية والرأسمالية.. حيث اتجه الأسلميون نحو الالتحام بالأيدلوجية الرأسمالية لمواجهة الشيوعية في أفغانستان أو قوس الأزمات الشمالي الملتهب، مستدلين بسورة الروم وأحاديث نبوية، بينما اتجه القوميون نحو الارتباط بالشيوعية.. وعلى أساسهما انقسم الرأي الإسلامي والتعليم والنظم والسياسيات فأحدثت فروقا في التفكير والتوجه..  وصاحب التصور الوحدوي كبنية فوقية اعتمدت القومية فكرة الوحدة العربية، واعتمدت الأسلمية فكرة الوحدة الإسلامية انقسامات ومؤامرات داخل التخيل أو التصور المنظومي للوحدتين.. إذ أدى الى تفكيك التصور الذهني بالواقع الفعلي فنشأت وتشكلت الدول القطرية، وما يزال التصور الوحدوي للأيدولوجيتين في الوسط الشعبي العام حاضرا.

ورغم وجود هذا التصور دون آليات تحقيقه فقد تحول بسبب ذلك إلى قوى كامنة .. تعمل الظروف المعاصرة على إعادة تشكيله بطرق أخرى .. وتقوم على نفس نظرية المؤامرات إلا أن هذه النظرية لم تعد موجهة لإسرائيل، وإنما للنظم السياسية التي كانت تقاتل إسرائيل.. وهنا تأتي فلسفة الواقع والخصوصية للتعبير عن الأزمات الكامنة والمحتملة.

وتحت هذه المداخل العاطفية الكلية نشأت مداخل متداخلة ضمن النطاق الكلي وتصورات جزئية مناقضة للتصور الوحدوي .. بدأت من الواقع كالدولة القطرية ثم تحولت به إلى تصور إعلامي أمني أيدلوجي عقائدي تحت  فكرة المواطنة المقدسة.. وهي من التصورات الأكثر إشكالية التي تهدد بزوال الدولة القطرية .. وتأتي من داخلها مداخل عاطفية أخرى:

  1.  مدخل الأثنية  ..
  2. مدخل الأقلية ..
  3. مدخل الجهوية..
  4. مدخل الطائفية..
  5. مدخل القبلية..

إن نقد الأزمات والحديث عن الخصوصية يعني يقظة الإرادة، ونقد الحضارة يعني البحث عن خلودها، ونقد الثقافة يعني إعادة البحث عن أصولها أما نقد التعليم فيعني البحث عن ذلك له..

ولا نختلف أن أول بنية حضارية دفعت بأوروبا نحو التقدم، هي الكتابات النقدية لبيئة التعليم؛ والأخلاق، والأسلوب، والمحتوى، الثقافة، كمفاهيم بسيطة أو أحادية بدأت من خارج المؤسسات التعليمية ومن خارج المدارس الكاثوليكية، الكثير من نقادها تركوا المدارس أو طردوا منها.. ولكنهم صنعوا حضارة أوروبية التفت حولهم المجتمعات الأوربية وأحدثوا التحولات من مداخل أخرى كانت العاطفة التوجيهية من موضوعاتها الجزئية..

وما يزال العالم العربي والإسلامي وكل العالم المتقدم عالة على هذه المجتمعات وروادها في الصناعة والفكر والإدارة والثقافة والاقتصاد والمال، واستغلال الموارد الطبيعية، وبدأت فلسفة جديدة في التعليم دفعت بهذه القوى نحو رسم مناهج التعليم وصناعة القيم والعقائد والأيدولوجيات والقوانين والنظم العالمية تحت مفاهيم السلام وحوار الأديان والحضارات والتعايش السلمي..

هل كانت أوروبا تتعارض مع الخصوصية والقيم أم تتداخل معها،

من داخل الكنائس المتحررة التي خالفت التقاليد تشكلت أخلاقيات الطب وصناعة الدواء، ومعادن الكيمياء وقوانين الفيزياء وحتى الرياضة وعلوم التغذية.. كان روادها رهبانا وفلاسفة وصعاليك قبل مجتمعات التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي الوهمي .

.. وحتى الأخلاق ومبادئ الرحمة والإنسانية والمجتمعات الحيوية والاقتصاد المتحول، ونظرية الاعتماد المتبادل والضمان التجاري.. وحتى مقاييس ومعايير الصناعة.. ومعايير السلام صنعه الجيل الأوربي المتقدم في عصر التحولات ومؤسسوها ولا يزال هذا الجيل يبني على تلك المواريث ويحول تلك النظريات والمؤلفات إلى قواعد ومعايير عالمية.

والتساؤل الموجع والمفزع.. حول ما يدور في جوامعنا وجامعتنا في مدارسنا وبيئاتنا ومجتمعاتنا؟ … هل هناك علاقة بين تلك مؤسسات التعليم والسلام والأخلاق والأمن والتنمية؟، وهل هناك علاقة بين هذه المؤسسات والفوضى والرذيلة والانحراف والعنف والثورة. هل تختلف عقول وجينات الإنسان أم إدارة المؤسسات والتربية وتعليم الإنسان.. من هنا ندعو العقول الحضارية لإحياء ثقافة النقد والحوار.. وثقافة المنافسة والابتكار في طاولات علمية تجتمع على نقد الذات للارتقاء بالمسؤولية تشرف عليها المؤسسات السياسية.. لأهمية ذلك في بناء الذات والتنمية والنهوض الحضاري.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والإستراتيجية

g.alhashimi@yahoo.fr

This Post Has One Comment

شاركنا رأيك!