“اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ “

د. عبدالرحمن السيد عبدالغفار بلح ـ  أستاذ الدراسات الإسلامية  بكلية الشريعة الإسلامية. جامعة إفريقيا الفرنسية بجمهورية مالي.

                    “اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ “

  د. عبدالرحمن السيد عبدالغفار بلح ـ  أستاذ الدراسات الإسلامية  بكلية الشريعة الإسلامية. جامعة إفريقيا الفرنسية بجمهورية مالي.

         بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جعل كتابه المبين كافلا ببيان الأحكام، شاملا لما شرعه لعباده من الحلال والحرام، مرجعا للأعلام عند تفاوت الأفهام وتباين الأقدام وتخالف الكلام، قاطعا للخصام شافيا للسقام مرهما للأوهام، فهو كلام من لا تحيط به العقول علما، ولا تدرك كنهه الطباع البشرية فهما، فالاعتراف بالعجز عن القيامبما يستحقه من الأوصاف العظام أولى بالمقام، وأوفق بما تقتضيه الحال من الإجلال والإعظام، والصلاة والسلام على من نزل إليه الروح الأمين، بكلام ربّ العالمين، محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله المطهرين، وصحبه المكرّمين، أَمَّا بَعْدُ: يقول تعالى :{ “اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ” الشورى:18}. قوله تعالى: {الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} أي: والله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على من يشاء{وَهُوَ القوي} لا يغلبه غالب، {العزيز}في انتقامه من أعدائه[1]، ويقول ابن كثير في “تفسير القرآن العظيم”،(7/197):” يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ فِي رِزْقِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، لَا يَنْسَى أَحَدًا مِنْهُمْ، سَوَاءٌ فِي رِزْقِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هُودٍ:6] وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، وَقَوْلُهُ: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} أَيْ: يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} أَيْ: لَا يعجزه شيء”، ويقول السعدي في “تيسير الكريم الرحمن”، (ص: 757):”يخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه، ويتعرضوا للطفه وكرمه، واللطف من أوصافه تعالى معناه: الذي يدرك الضمائر والسرائر، الذي يوصل عباده -وخصوصا المؤمنين- إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون، فمن لطفه بعبده المؤمن، أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله، بما يسر له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له وإيعازه تعالى لملائكته الكرام، أن يثبتوا عباده المؤمنين، ويحثوهم على الخير، ويلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيا لاتباعه، ومن لطفه أن أمر المؤمنين، بالعبادات الاجتماعية، التي بها تقوى عزائمهم وتنبعث هممهم، ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه، واقتداء بعضهم ببعض، ومن لطفه، أن قيض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوهما مما يتنافس فيه أهل الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله على الغفلة عنه، أو على معصية صرفها عنه، وقدر عليه رزقه، ولهذا قال هنا: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} بحسب اقتضاء حكمته ولطفه {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} الذي له القوة كلها، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع الأشياء”، ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير”،(3/1717) :” قَالَ تَعَالَى: “اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ” وَمِنْ أَجْلَى مَظَاهِرِ اللُّطْفِ أَحْوَالُ الِاضْطِرَارِ وَالِالْتِجَاءِ وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ كَلِمَةَ «اللُّطْفُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ»”، يقول الشنيقطي في” أضواء البيان”،(8/243-244):”وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْخَلْقِ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى الرِّزْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}، وَكَقَوْلِهِ:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالرِّزْقِ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الْأُمُورِ سُبْحَانَهُ، وَتَدْبِيرُ شُئُونِ الْخَلْقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، أَيْ: يَبْسُطُ وَيَقْدِرُ، يَعْلَمُ لَا عَنْ نَقْصٍ وَلَا حَاجَةٍ، وَلَكِنْ يَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ،{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}، أَيْ: يُعَامِلُهُمْ بِلُطْفِهِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى أَنْ يَرْزُقَ الْجَمِيعَ رِزْقًا وَاسِعًا، وَهُوَ الْعَزِيزُ فِي مُلْكِهِ، فَهُوَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}، أَيْ: بِمُقْتَضَى اللُّطْفِ وَالْعِلْمِ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، وَمِنْ هَذَا كُلِّهِ يُرَدُّ عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ الرِّزْقَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ }، وَقَدْ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ تَوْبِيخَهُمْ وَتَوْجِيهَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى قَضِيَّةَ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْعِبَادَةِ كُلَّهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ يَرْزُقُ الْعِبَادَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جُمْلَةً، وَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَيْفِيَّةَ هَذَا الرِّزْقِ تَفْصِيلًا مِمَّا يَعْجِزُ الْخَلْقُ عَنْ فِعْلِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}،فَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الرِّزْقِ فِي ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَنْشَأُ عَنْهُ تشقق الْأَرْضِ عَنِ النَّبَاتِ بِأَنْوَاعِهِ حَبًّا وَعِنَبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ وَفَاكِهَةً، وَكُلُّهَا لِلْإِنْسَانِ، وَقَضْبًا وَأَبًّا لِلْأَنْعَامِ، وَالْأَنْعَامُ أَرْزَاقٌ أَيْضًا لَحْمًا وَلَبَنًا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ قِوَامُهُ إِنْزَالُ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا أَمْسَكَهُ اللَّهُ عَنِ الْخَلْقِ لَا يَقْوَى مَخْلُوقٌ عَلَى إِنْزَالِهِ، فَإِذَا عَلِمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ الْأَرْزَاقَ بِيَدِ الْخَلَّاقِ، وَمَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ يَتَّجِهَ بِرَغْبَةٍ وَلَا يَتَوَجَّهَ بِسُؤَالٍ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مُوقِنًا حَقَّ الْيَقِينِ أَنَّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}،وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَوْلُهَا: وَاللَّهِ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ الْعَبْدِ حَتَّى يَكُونَ يَقِينُهُ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمَ مِمَّا بِيَدِهِ الله إليه تُمدُّ الأكُفُّ في الأسْحارِ، والأيادي في الحاجات، والأعينُ في الملمَّاتِ، والأسئلةُ في الحوادث، باسمهِ تشدو الألسنُ وتستغيثُ وتلهجُ وتنادي، وبذكرهِ تطمئنُّ القلوبُ وتسكنُ الأرواحُ، وتهدأُ المشاعر وتبردُ الأعصابُ، ويثوبُ الرُّشْدُ، ويستقرُّ اليقينُ، {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}، الله: أحسنُ الأسماءِ وأجملُ الحروفِ، وأصدقُ العباراتِ، وأثمنُ الكلماتِ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} ؟!، اللهُ: فإذا الغنى والبقاءُ، والقوةُ والنُّصرةُ، والعزُّ والقدرةُ والحِكْمَةُ، {لمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، الله: فإذا اللطفُ والعنايةُ، والغوْثُ والمددُ، والوُدُّ والإحسان، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ}”، قال الطاهر بن عاشور: “واللطيف: من يعلم دقائق الأشياء ويسلك في إيصالها إلى من تصلح به مسلك الرفق، فهو وصف مؤذن بالعلم والقدرة الكاملين، أي يعلم ويقدر وينفذ قدرته”، وقد بسط القرطبي أقوالاً عديدة في معنى “لطيف بعباده”، وقال الخطابي في “شأن الدعاء”،(1/62):”اللطِيْفُ: هُوَ البَرُّ بِعِبَاده، الذِي يَلْطُفُ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وُيسَبِّبُ لَهُمْ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُوْنَ، كقوله سبحانه:{الله لَطِيْفٌ بِعِبَاده يَرْزقُ مَنْ يَشَاءُ وهُوَ القوي العَزيز} وَحَكَى أبو عُمَرَ عَنْ أبِي العَباسِ عَنِ ابنِ الأعْرَابي قَالَ: اللَّطِيْفُ، الذِي يُوصِلُ إلَيْكَ أرَبَكَ فِي رِفْقٍ، وَمِنْ هذَا قَوْلُهُم: لَطَفَ اللهُ لَكَ، أيْ: أوْصَلَ إلَيْكَ مَا تُحبُّ فِي رِفْقٍ. وَيُقَالُ: هُوَ الذي لَطُفَ عَنْ أنْ يُدْرَكَ بِالكَيفِيةِ. وَقَدْ يَكُونُ اللطْف بِمَعْنَى الرِّقةِ، والغُمُوضِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الصِّغَرِ فِي نُعُوْتِ الأجْسَامِ، وذلك مما لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِ البارِي سُبْحَانَهُ”

الآية تبدأ بلفظ الجلالة الله: ذو الجلالِ والعظمةِ، والهيبةِ والجبروتِ[2]،واللُّطْفُ صفةٌ ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ بالكتاب والسُّنَّة، واللطيف من أسمائه سبحانه وقد أثنى الله على ذاته العلية، فوصف نفسه بأنه اللطيف، قال تعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام: 103]، وقوله :{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}[يوسف:100]، وقال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}[الحج: 63]، وقال {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}[لقمان: 16]، وقال {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) [الأحزاب:34]،وقال {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك: 14]، وقد أثنى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على ربه، وهو أعرف الخلق به، فوصفه بأنه اللطيف، وذلك في قصة خروج عائشة -رضي الله عنها- خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة من الليالي في الظلام الدامس؛ غيرةً عليه ، أخرج مسلم في “صحيحه”،(974)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: “مَا لَكِ؟ يَا عَائِشُ، حَشْيَا رَابِيَةً” قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: “لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: “فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ ” قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: “أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ ” قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ، قَالَ: ” فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ “، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ ” قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ “، واللطيف -سبحانه- هو الذي دقَّ علمه حتى أدرك السرائر والضمائر، وأحاط بالخفيات من الأمور، واحتجب عن أن يُحاط به أو تُدْرَك كيفيته، فهو الذي يدرك بواطن الأشياء، وخفاياها، وسرائرها معرفةً دقيقةً دون شعور الإنسان بثقل من وجود الله ومعيته، فمن دقة علمه وعظيم إحاطته بخفيّ ودقيق المعلومات أنه -سبحانه- يعلم ما يجول في خواطر الإنسان، وما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس وأفكار، كما أنه -سبحانه- يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ومع ذلك لا يحيط العباد به علمًا[3]، واللطيف هو الذي يلطف بعبده في أموره الداخلية المتعلقة بنفسه، ويلطف بعبده في الأمور الخارجية عنه، فيسوقه ويسوق إليه ما به صلاحه من حيث لا يشعر. وهذا من آثار: علمه، وكرمه، ورحمته؛ فلهذا كان معنى اللطيف نوعين: النوع الأول: أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا، ومكنونات الصدور، ومغيبات الأمور، وما لطف ودقَّ من كل شيء.

النوع الثاني: لطفه بعبده ووليِّه الذي يريد أن يُتمَّ عليه إحسانه، ويشمله بكرمه ويُرقِّيه إلى المنازل العالية فييسّره لليُسرى ويجنِّبه العُسرى، ويجري عليه من أصناف المحن التي يكرهها وتشق عليه، وهي عين صلاحه والطريق إلى سعادته، كما امتحن الأنبياء بأذى قومهم وبالجهاد في سبيله، وكما ذكر الله عن يوسف – صلى الله عليه وسلم – وكيف ترقَّت به الأحوال ولطف الله به وله بما قدّره عليه من تلك الأحوال التي حصل له في عاقبتها حسن العُقبى في الدنيا والآخرة، وكما يمتحن أولياءه بما يكرهونه؛ ليُنيلهم ما يُحبِّون. فكم لله من لُطْفٍ وكرمٍ لا تدركه الأفهام، ولا تتصوره الأوهام، وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية، أو رياسة، أو سبب من الأسباب المحبوبة، فيصرفه الله عنها ويصرفها عنه رحمةً به لئَلاَّ تضره في دينه، فيظل العبدُ حزيناً من جهله وعدم معرفته بربِّه، ولو علم ما ادُّخِرَ له في الغيب وأُريد إصلاحه فيه لحمد الله وشكره على ذلك؛ فإنّ الله بعباده رؤوفٌ رحيم لطيف بأوليائه، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ”[4]، قال ابن القيم في “النونية”،(2/85) :وَهُوَ اللَّطيفُ بِعَبْدهِ وَلِعَبْدِهِ … واللُّطفُ في أوصَافِهِ نِوْعَانِ[5]، وإذا علم العبد أن ربه متصف بكمال العلم بكل صغيرة وكبيرة، حاسب نفسه على أقواله وأفعاله، وراقب ربه في حركاته وسكناته، فإن العبد مكشوف بين يدي اللطيف الخبير، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء كما قال سبحانه: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)}، والله عزَّ وجلَّ هو اللطيف بعباده، كثير اللطف بهم، بالغ الرأفة بهم، لا يفوته من أعمالهم شيء، ولا يظلمهم مثقال ذرة، بل يزيد أجور الصالحين من فضله وكرمه، ويعفو عن ذنوب المذنبين بلطفه وعفوه، ويعذب بالذنوب من يشاء من عباده بعدله، وهو بعباده خبير بصير، ومن لطفه بعباده أنه يسوق إليهم أرزاقهم وما يحتاجونه في معاشهم، فسبحان اللطيف الذي لطف أن يُدرك بالكيفية، اللطيف الخبير بأحوال الخلائق، اللطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم، اللطيف بهم في أرزاقهم، حيث جعل رزق العبد من الطيبات، وقدر جميع رزقه لم يدفعه اليه مرة واحدة ، وسبحان اللطيف بمن لجأ إليه من عباده فيقبله ويقبل عليه، الذي يعطي الجزيل، ويقبل القليل، الذي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، ولا يخيب من رجاه، فهو سبحانه اللطيف على الكمال، وكل لطف في العباد إنما هو من عند ربهم، وهو اللطيف الذي يعلم الأشياء الدقيقة، ويوصل الرحمة إلى العباد بالطرق الخفية التي لا تخطر بالبال[6]، ومن لطفه بعباده المؤمنين أنه يتولاهم بلطفه فيخرجهم من الظلمات إلى النور من ظلمات الجهل، والكفر، والبدع، والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة، ومن لطفه أنه يرحمهم من طاعة أنفسهم الأمارة بالسوء التي هذا طبعها وديدنها فيوفقهم لنهي النفس عن الهوى ويصرف عنهم السوء والفحشاء فتوجد أسباب الفتنة، وجواذب المعاصي وشهوات الغي فيرسل الله عليها برهان لطفه ونور إيمانهم الذي منَّ به عليهم فيدعونها مطمئنين لذلك منشرحة لتركها صدورهم، ومن لطفه بعباده أنه يقدر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم فقد يريدون شيئاً وغيره أصلح فيقدر لهم الأصلح وإن كرهوه لطفاً بهم، وبراً وإحساناً {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}، ومن لطفه بهم أنه يقدر عليهم أنواع المصائب، وضروب المحن، والابتلاء بالأمر والنهي الشاق رحمة بهم، ولطفاً، وسوقا إلى كمالهم، وكمال نعيمهم {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، فَمِنْ لُطْفِهِ بِعِبَادِهِ أَنَّهُ جَعَلَ فِيهِمْ يَقَظَةَ الضَّمِيرِ، وَأَنْفُسًا تَلُومُ وَتَنَدَمُ عَلَى فَعْلِ الْمَعَاصِي؛ وَإلَّا{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ}[فاطر:45]، ففي صحيح مسلم (2702)،عَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي ، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ . ، وَفي “سنن ابن ماجة”،(3818)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا”، وَمِنْ مَظَاهِرِ لُطْفِهِ سُبْحَانَهُ بِنَا: أَنْ سَتَرَ عَلينَا بِمَا نَعْمَلُ وَنَقُولُ في سَرَائِرِنَا، وَبِمَا تُخْفِيهِ ضَمَائِرُنَا؛ فَاللهُ لَطِيفٌ بِنَا، سِتِّيرٌ عَلينا، ففي “سنن أبي داود”، (4012)،عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَحَمِدَ اللهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ “، ومن لطفه بعبده أن يقدر له أن يتربى في ولاية أهل الصلاح، والعلم، والإيمان وبين أهل الخير ليكتسب من أدبهم، وتأديبهم ولينشأ على صلاحهم وإصلاحهم كما أمتن الله على مريم في قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا}  ومن لطف الله بعبده أن يجعل رزقه حلالاً في راحة وقناعة يحصل به المقصود ولا يشغله عما خلق له من العبادة والعلم والعمل بل يعينه على ذلك ويفرغه ويريح خاطره وأعضاءه ولهذا من لطف الله تعالى لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظن فيها إدراك بغيته فيعلم الله تعالى أنها تضره وتصده عما ينفعه فيحول بينه وبينها فيظل العبد كارهاً ولم يدر أن ربه قد لطف به حيث أبقى له الأمر النافع وصرف عنه الأمر الضار ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل، ومن لطف الله بعبده إذا قدر له طاعة جليلة لا تنال إلا بأعوان أن يقدر له أعواناً عليها ومساعدين على حملها قال موسى عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}،  وكذلك امتن على عيسى بقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}[7]، (اللهُ لطيفٌ بعبادِه) تعرفُ معناها عندما تتأملُ في قِصةِ يوسفَ -عليه السَّلامُ- من بُغضِ إخوِانِه له بسببِ محبةِ أبيهم له، ثُمَّ إلقائه في البئرِ وحيداً، ثُمَّ عبوديتِه في بيتِ العزيزِ بعيداً، وكيدِ النِّساءِ ذواتِ المناصبِ الجميلاتِ، ثُمَّ لُبثِه في السِّجنِ بضعَ سنواتِ، وما أصابَ أباهُ من الحُزنِ والأسى، وفقدِ الولدِ والعَمى، وإذا باللَّطيفِ يُرسلُ إلى قصرِ المَلكِ رؤيا لطيفةً، تتجاوزُ الأسوارَ والجنودَ الكثيفةَ، فيخرجُ بعدها يوسفُ مُتمكِّنَّاً في الأرضِ يتبوَّأُ منها حيثُ يشاءُ، فيجتمعُ بوالديهِ وإخوانِه بعدَ طولِ غيابٍ في قَصرِه، بعدَ أن ردَّ اللهُ -تعالى- على أبيهِ ما فقدَ من بصرِه، فيقولُ في النِّهايةِ:{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}[يوسف:100]، تؤمنُ بها عندما تنظرُ في أمٍّ ترمي ابنَها الرَّضيعَ في البحرِ، فيحملُه اللَّطيفُ على الأمواجِ ليعيشَ في القَصرِ، ويُلقي في قلبِ امرأةِ فرعونَ محبتَه، فيحميه الذي كانتْ تخافُ عليه من بطشِه، ثُمَّ يمنعُ عن الصَّغيرِ الرَّضاعةَ مع جوعِه وعَطشِه، ليرجعَ إلى قلبِ أمِّه الذي أصبحَ فارغاً، وعداً من اللَّطيفِ حقَّاً صادقاً، {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص:12-13]، (اللهُ لطيفٌ بعبادِه)، تعلمُ شيئاً من حقيقتِها عندما تتذَّكرُ نفسَكَ وأنتَ في بطنِ أمِّكَ .. من كانَ يوصلُ الطَّعامَ والشَّرابَ إليكَ؟، من كانَ يحفظُكَ من الأذى ويحميكَ؟، في وقتٍ كانتْ أمُّكَ التي تحملُكَ في بطنِها، لا تراكَ ولا تستطيعُ الوصولَ إليكَ،{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}[النحل:78][8]،ولذلكَ كانَ من لطفِه بعبادِه أنْ فتحَ لهم بابَه ليلاً ونهاراً، يدعونَه على مدارِ السَّاعةِ سِراً وجِهاراً، وفي “الزهد” لأحمد (ص:246)،بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى قَالَ: قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: “مَنْ مِثْلُكَ يَا ابْنَ آدَمَ خُلِّيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمِحْرَابِ وَالْمَاءِ كُلَّمَا شِئْتَ دَخَلْتَ عَلَى اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ”، ومتى استيقن العبد معاني اسم الله اللطيف، واستشعر لطف الله تعالى، دفعه ذلك إلى امتثال كثير من الآثار والسلوكيات النافعة، منها الإيمان بعظيم علم الله تعالى، فلا يخفى عليه من المعلومات شيء، وإن دقت وخفيت ولطفت، ومن الإيمان باسم الله اللطيف: إثبات ما تضمَّنه من أوصاف الجمال والجلال والعظمة، بلا تعطيل أو تحريف، ولا تمثيل أو تكييف، ومن الآثار الإيمانية: عدم اليأس والقنوط من رحمة الله -سبحانه-، وإحسان الظن به، مهما تكالبت الخطوب، واشتدت النوازل، فلرب فرجٍ عظيم في باطن ضيق شديد، ولرب سعادة دائمة خُتمت بشقاء عابر، فقضاء الله كله خير للعبد المؤمن، إن صبر واحتسب، وأحسن الظن في اللطيف الخبير سبحانه، وعلي المسلم أن يتصف بالرفق[9] واللين والرحمة واللطف في التعامل مع الناس وقد وصف الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه رفيق، فقال تعالي:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران: 159]، وحثّ ربنا الأنبياء والدعاة والمصلحين على اللطف والرفق في دعوة البشر إلى الله، قال تعالى:{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا}[ طه: 43- 44]،وإذا دعوت إلى الله عز وجل فكن رحيمًا لينًا لطيف القول والردّ، ولا تكن فظًّا قال جل وعلا:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل: 125]، وإذا أمرت الآخرين فليكن أمرك بلطف, وعلى قدر استطاعة المأمور، ولذلك جاءت الشريعة متناسبة مع طاقة الفرد، ومواكبة لقدراته، قال اللطيف -سبحانه-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة: 286]، وهذا إخبار عن عدل الله ورحمته ولطفه، وينبغي أن يتصف العبد بالحنوّ على الضعفاء واليتامى والمساكين، والتلطّف معهم ومجاملتهم، وعليه أن ينتقي لطائف القول في حديثه مع الآخرين، ويبشّ في وجوهه[10]،وتتجلى في هذه الآية معاني التوحيد، وتتبدى العظمة الإلهية والقدرة والإحاطة والعلم، وتظهر العناية والرحمة من الله عز وجل. ومن نور الآية ومن فيض رحمات الله يستقيم طريق المحبة للسالكين من عباد الله سبحانه وتعالى، فمن يتأمل في هذا اللطف الإلهي وهذه الرعاية الواسعة وهذا الرزق الوفير الذي يمنحه قوى لا يخشى مغبة إنفاق عزيز لا يعجزه شيء، تنعقد في قلبه محبة الله عز وجل ووجوب طاعته والذل بين يدي العزيز سبحانه وتعالى، وفي النهاية  {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} يرزقهم إذا افتقروا ، يغيثهم إذا قحطُوا ، يغفرُ لهم إذا استغفروا, يشفيهم إذا مرضُوا، يعافيهم إذا ابتُلوا[11]، واللَّطيفُ: كما أنَّه عالِمُ خفايا الأمورِ والأشياءِ، فهو كذلكَ مُدبِّرُ شأنَ عبادِه بِخفاءٍ، لطيفٌ بعبادِه، رفيقٌ بهم، قريبٌ منهم، يعاملُهم بعطفٍ ورأفةٍ وإحسانٍ، ويقبلُ منهم التَّوبةَ ويُجازيهم بالغُفرانِ، مهما بَلغَ منهم الإسرافُ والذُّنوبُ والعِصيانُ ،وَيَعْصِمُنا مِنَ الشَّرِّ مِنْ حَيْثُ لَا نَعْلَمُ، وَيَسُوقُ لَنَا الرِّزْقَ مِنْ حَيْثُ لَا نَحْتَسِبُ. وَيُقَيِّضُ لَنَا مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاحِ وَالْبِرِّ، وَيَنْقُلُنَا مِنْ حَالِ كَرْبٍ إِلَى فَرَجٍ، بِلُطْفٍ عَجِيبٍ.

 ” فله الحمدُ على ما يسَّر وهدى، وأنعم وأولى، وجاد وأعطى، وأن يعصمنا أجمعين من الزيغ والزلل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلواتُه وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمامِ المتقين، المرسلِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته الطاهرين، وعلى سائر الخلق من الملائكة والأنبياء والمرسلين وآلِ كلٍّ والصالحين من سكان السموات والأرضين، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم”[12]


1-ينظر:” الهداية إلى بلوغ النهاية”،(10/6579)” معالم التنزيل في تفسير القرآن”(4/142)

2-ينظر: “لا تحزن”، (ص:32)

3-ينظر:” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة”،(ص:305)

4- أخرجه الترمذي في “جامعه”،( 3491 )،وقال :” هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ”.

5- ينظر:” شرح النونية”، للهراس، (2/ 91)،و” الثمر المجتنى مختصر شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسُّنَّة”،(ص:45) 

6-” موسوعة فقه القلوب”،(1/197)

7-” تفسير أسماء الله الحسنى”، للسعدي (ص:230)

8- أمير سعيد، موقع المسلم، 26 رمضان 1440ه

9- يعتمد الإسلام مبدأ الرفق بصورة عامة في جميع شؤون الحياة، فيجعل منه سمة تميز المؤمن، وعنصرا ًيقوي الإيمان، وفضيلة تزين العمل. ينظر:” حقوق الحيوان والرفق به في الشريعة الإسلامية”،(ص:23)

10-يراجع:” اليسر والسماحة في الإسلام”،(ص:8-9)

11-ينظر:”لاتحزن”،(ص:552)

12- مابين المعقوفين مستلةً من ختم ابن العطار رحمه الله لكتابه:” العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام”،(3/1746)

شاركنا رأيك!