الكفاءة اللّغوية وانعكاسها على تقويم الأداء اللّساني

الكفاءة اللّغوية وانعكاسها على تقويم الأداء اللّساني.

درني حورية

باحثة دكتوراه

جامعة مصطفى إسطمبولي (معسكر دولة الجزائر)

البريدالإلكتروني

univ-mascara.dz@houria.derni

ملخص:

  يسعى الإنسان في حياته إلى التّواصل والتّعامل مع غيره، ولن يستطيع تحقيق هذه الغاية إلاّ بإشباع نهمه اللغوي والفكري، وذلك بإثراء رصيده المفرداتي تحسينا لأدائه الكلامي عن طريق تنمية قدراته المعجمية، فهو بذلك يروم تعلم هذه اللغة، وتعلمها لا يختلف عن غيره من أشكال العمليات التعليمية الأخرى، ففيه من المفاهيم والأساليب والإجراءات ما ينتمي لكلّ المجالات: المعرفية، الوجدانية والمهارية.

والأداء اللّغوي ليس مجرد أداء عشوائي يقتصر الأمر فيه على تقليد الآخرين ومحاكاتهم فحسب، إنّه أداء يستند إلى فكر معيّن، وإلى عملية عقلية معيّنة يقوم الفرد فيها بالتّعميم أحيانا وبالتّخصيص أحيانا أخرى، كما تحكمه قواعد معيّنة، ومرتكزات فهو عملية تستلزم تكامل شخصية المتعلّم من حيث دوافعه ومهاراته المعجمية، وقابليته واستعداداته النّفسية والعقلية، وكلّ ذلك لا يتم إلاّ بالاستناد على قوانين وأسس تحكمها قواعد اللّغة لإنجاح العملية التّعليمية، لذلك فإنّ تعليم اللّغة وتنمية القدرات المعجمية تتكامل فيه مجموعة من العناصر التي تتكافل فيما بينها للحصول على أفضل النّتائج المرجوة .

والسؤال المطروح هو:

كيف تنعكس الكفاءة اللغوية على تقويم اللسان وتحسين الأداء اللّغوي؟

الكلمات المفتاحية:

تعليم اللّغة، المهارات اللّغوية، الأداء اللغوي، القدرة المعجمية.

1.مقدّمة:

تعيش اللّغة العربية في هذا العصر في معترك تيارات متضاربة  فيما بينها يسعى بعضها لتحطيمها والبعض إلى الانتقاص منها بدعوى أنّها غير قادرة لمواكبة عصر التكنولوجيا والمعلومات ، وبما أنّ اللغة تحيا بحياة الأمة، وتموت بموتها، فهي مرآة الأمة، والواقع يشهد على ذلك، ويبدو أنّ« تفعيل اللغة العربية لغة للمنظمات الدولية مسألة مرتهنة في المقام الأول بكفاءة اللّغة العربية ووعائها الثقافي وما ينتج مستعملوها ويقدمون، أكثر ممّا هي متعلقة بالمنظمات ذاتها، وحيث نجحت الدول العربية بفضل قوة اقتصادها وأهمية موقعا في العالم في فرض اللغة العربية على المنظمات الدولية»[1] (سعيد بن فايز السعيد، دت)

إن عصر العولمة والتكنولوجيا يفرض علينا إدراك المخاطر التي تحيط بلغتنا إن لم تواجه هذه النهضة وتتعامل معها بمرونة، وتتفاعل مع مستجداتها، حيث«يمكن للإنسان أن يرتقي بمستوى لغته إلى مستويات عليا من الجودة والإتقان بالدراسة والتعلم والقراءة والبحث والتأمل، ومن تلك العوامل التي تساعد على هذا الارتقاء بالمستوى اللغوي: النظر في الألفاظ وخصائصها، ومعانيها، والفروق اللغوية بينها، والتمرس على استخدام أجودها، وأدقها، وألطفها، وأجملها، وذلك باتباع طرق متعددة، منها:

  • القراءة الواسعة للأساليب الجميلة الرصينة الراقية البارعة.
  • دقة الملاحظة والتأمل والتفكير الهادئ المركز في كلام المتكلم وكلام الآخرين.
  • الاستماع الكثير للمتحدثين البارعين المجيدين، ذوي الأساليب الجذابة الرائعة.
  • الاستعانة بالآخرين، وبخاصة أصحاب الخبرة في تقويمهم للمتكلم نفسه»، ولذلك فإنّ تعليم اللّغة تتكامل فيه مجموعة من العناصر التي تتكافل فيما بينها للحصول على أفضل النّتائج المرجوة.

إن النهوض بلغتنا العربية والرقي بها يستلزم نشرها وتوسيع استعمالها على أوسع نطاق، ومن ذلك تعليمها للمتخصصين في شتّى المجالات، ومن ثمّ فرض وجودها في جميع التّخصصات العلمية والسياسية والأدبية والاقتصادية على حد سواء.

2.مفاهيم عن اللّغة والتّعليم:

2.1. اللّغة:

يقول دوغلاس براون صاحب كتاب أسس تعلم اللّغة وتعليمها:«قد يكون من الطيش أن نحاول تعريف اللّغة تعريفا كافيا، فعلماء اللّغة والفيلولوجيا يحاولون تعريف المصطلح منذ قرون، ذلك أنّ التعريف تعبير مكثف عن نظرية، والنظرية إنّما هي تعريف موسع ، ومع ذلك فإنّ معلم اللّغة يحتاج احتياجا قويا أن يعرف مع أي كيان يتعامل، وكيف تتطابق اللّغة التي يتعلّمها مع الكيان»[2] (دوجلاس براون، 1994، صفحة ص23)

وهناك تعريفات كثيرة للّغة أهمها:

  • اللّغة نظام صوتي للاتّصال يؤديه جهاز النّطق والسّمع في أية جماعة.
  • اللّغة نظام من رموز صوتية اعتباطية تمكّن كلّ النّاس في ثقافة معيّنة أن يتواصلوا ويتفاعلوا فيما بينهم.
  • اللّغة أية وسيلة صوتية أو غير صوتية لتوصيل الشّعور والفكر والتّعبير عنهما، وهي نظام من علامات متواضع عليها خاصة الكلمات أو الإشارات التي تحمل معان ثابتة.

وإذا أدمجنا كلّ هذه التعريفات، فإنّنا نصل إلى التّعريف المركب ممّا يلي:

  • اللّغة نظامية توليدية، اللّغة جهاز من الرّموز الاعتباطية.
  • هذه الرموز صوتية في أساسها، لكنّها قد تكون مرئية.
  • تدلّ الرموز على معان متواضع عليها، تستعمل اللّغة في الاتّصال.
  • تعيش اللّغة في جماعة كلامية، أو في ثقافة (اللّغة ظاهرة إنسانية).
  • يكتسب النّاس جميعهم اللّغة بطريقة واحدة، ومن ثمّ فإنّ اللّغة وتعليم اللّغة لهما خصائص كلية.[3](دوجلاس براون، 1994، صفحة ص24)

2.2. تعليم اللّغة:

أمّا التّعليم فقد ورد أنّه: «مساعدة شخص ما على أن يتعلّم كيف يؤدي شيئا ما، أو تقديم تعليمات له، أو”التّوجيه في دراسة شيء ما” أو”التّزويد بالمعرفة” أو” الدفع إلى الفهم والمعرفة”، والتّعليم لا يمكن تعريفه منعزلا عن التّعلم، ذلك أنّ:” المتطلبات العملية للتعليم لا تتحقق إلاّ بوضوح نظريات التّعلّم، وعلى ذلك يعرّف التّعليم بأنّه: تيسير التّعلم وتوجيهه، وتمكين المتعلّم منه وتهيئة الأجواء له، ولا شكّ أن فهمك للكيفية التي يتعلّم بها المتعلّم سوف يحدّد فلسفتك في التّعليم، وأسلوبك ووسائلك الفنية في قاعة الدّرس»[4] (دوجلاس براون، 1994، صفحة ص26)

وقد أشار “برونز” إلى أنّ نظرية التّعليم يجب أن تحدّد الخصائص التالية:

  • الخبرات التي تغرس في الفرد نزوعا إلى التّعلم.
  • الطرق التي ينبغي أن تقدّم بها المعرفة كي يستطيع المتعلّم أن يُمسك بها.
  • أكثر الوسائل فاعلية في تقديم المواد التعليمية.
  • طبيعة الثواب والعقاب في عملية التّعلم والتّعليم وكيفية تنظيمها ومن الواضح أنّ الخصائص الثلاث الأولى تشير-يقينا-إلى الموضوع وإلى المتعلّم، وهي تؤكد أنّ الإنسان يحتاج إلى فهم الموضوع وفهم نظرية عملية التّعلم قبل أن يستطيع صياغة نظرية للتّعليم.[5](دوجلاس براون، 1994، صفحة ص27)
  1. مرتكزات تعليم اللّغة:

إنّ لتعليم اللّغة عناصر مختلفة تتآزر فيما بينها لإقامة أساس علمي لتعليم اللّغة، والذي لا شكّ فيه أنّ أهم عنصر ينهض عليه تعليم اللّغة ويؤثر في كلّ العناصر اللاّحقة، ويشكّل الثمرة النهائية هو اختيار محتوى المقرّر الدّراسي، ويعتبر عنصر الاختيار مبدأ جوهري يتأثر بعوامل كثيرة أهمها:

  • الأهداف: والأهداف مصطلح علمي يفترق عن الغايات العامة التي تحدّد عند التخطيط لتعليم لغوي ما، فالأهداف تتصل مباشرة بالعمل التّعليمي، ولا بدّ أن تكون محدّدة تحديدا واضحا عن اختيار النّمط اللّغوي، والغالب أنّ الأهداف تتنوع إلى: أهداف تعليمية وأخرى سلوكية وثالثة أدائية، وبالتالي يجب أن يؤدي اختيار المقرّر إلى تحقيق هذه الأهداف.[6](عبده الرّاجحي، 2004، صفحة ص65)
  • مستوى المقرّر: في تعليم اللّغة يمثّل هذا العامل أهمية خاصة، إذ أنّ اختيار المحتوى وفق المستوى تترتب عليه نتائج ملحوظة، ومستوى المقرّر في المدرسة الابتدائية يختلف في الصّف الأول عن الصّف الخامس، وذلك وفق معايير كثيرة، منها القدرات المعرفية، والبيئة اللّغوية، والمواد الأخرى المصاحبة، وهكذا… وكلّما تقدّم المستوى تعدّدت فرص الاختيار وتوسّعت.[7](عبده الرّاجحي، 2004، صفحة ص66)
  • الوقت: إنّ أي مقرّر لابدّ أن ينفّذ على جدول زمني، وزمن محدّد، فهناك المقرّر الذي ينفّذ على مدى شهرين، وهو ما يُعرف بالمقرّر المكثّف، وقد يكون فصلا دراسيا واحدا، وقد يكون فصلين، وهذه العوامل كلّها خارجية لا تتّصل باللّغة ولا بخصائص المتعلّمين، أمّا العوامل الداخلية فسنتحدث عنها في اختيار المواد اللّغوية.

واختيار محتوى المقرّر يتضمّن ضربين من الاختيار: اختيار النّمط اللّغوي، اختيار مفردات المواد اللّغوية أو الأشكال اللّغوية.

أولا: اختيار النّمط اللّغوي:

  • اللّهجة: عند اختيار المحتوى يظهر السّؤال عن نوع اللّهجة التي تكون موضع الاختيار، والاتّجاه الغالب أنّ المقرّر الذي يوضع لأغراض عامة يختار النّمط الفصيح الذي يستعمل عادة في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة…
  • اللّغة الخاصة: وهي أنّ لكلّ مجال لغوي لغته الخاصّة، تختلف في مجال عن آخر على مستوى المعجم، والبنية النّحوية، فمعجم لغة القانون يختلف عن معجم لغة الطب والفلسفة ولغة الفقه، وتختلف أشكال البنية النّحوية.
  • نوع الأسلوب الكلامي: وهو التّنوع في أساليب الكلام، فهناك أسلوب رسمي، وهناك أسلوب عاطفي، أسلوب استعلامي وآخر استشاري، واختيار محتوى المقرر لا بدّ أن يُراعي هذا التّنوع.[8] (عبده الرّاجحي، 2004، صفحة ص69)

 ثانيا: اختيار مفردات المواد اللّغوية: ما تلك المادّة؟ وما حجمها؟ ويحكم ذلك معيار دقيق، هو حجم فصائل المستوى، ودرجة الشّيوع من الناّحية: الصّوتية، الصّرفية يكون أقل من النّاحية: النّحوية والدّلالية.

  • المعجم: نقصد به اختيار الكلمات وفق معايير موضوعية ومن أهمها: الشّيوع (كلّما كانت أكثر استعمالا كانت أنفع في تعليم اللّغة)، التّوزيع (مدى استعمالها في المجالات المختلفة) ومعناه تستعمل كلمة واحدة في أكثر من تعبير( فتح الباب، فتح الأندلس، فتح حساب بريدي، فتح قلبه)، قابلية الاستدعاء: هناك كلمات يسهل على المتعلّم تذكرها دون عناء.
  • النّحو: هناك بنى مركزية لا يستغني عنها في الاستعمال اللّغوي، فلا يظنّ بعض النّاس أنّ النّحو كلّه يجب أن يُتعلّم، لذلك يجب وضع قوائم للبنى النّحوية الأساسية التي تكون مصدرا لاختيار المحتوى النّحوي في المقرّر التّعليمي.[9](عبده الرّاجحي، 2004، صفحة ص74)
  1. مهارات تعلّم اللّغة:

إنّ تعليم اللّغة أيًّا كان نوعها- يجب فيه- مراعاة بعض المهارات ومحاولة إكسابها للمتعلّم، ومن تلك المهارات:

 1.4 الاستماع: هو نشاط أساسي من أنشطة الاتّصال البشري فهو النّافذة التي يطلّ الإنسان من خلالها على العالم من حول، وهو الأداة التي يستقبل بواسطتها الرّسالة الشفوي، فهو موقف اتّصال شفوي، يعرض قضية معيّنة يستخدم فيها ألفاظا وجملاً يستقبلها فرد آخر، فيترجم هذه الألفاظ والجمل إلى معاني ودلالات، والفرد أثناء تحدّثه قد يستخدم مع اللّغة إشارات أخرى يستعين بها لتوصيل الرّسالة، وعلى المستمع في ضوء هذا السّياق أن يفهم الرّسالة التي يريد المتكلم توصيلها إليه، ولا بدّ من إدراك العلاقة بين أشكال الحديث، والتّعمق في فهم المقصود منها والتّأكد من أنّ هدف توصيل الرّسالة قد تحقّق، والكتاب الجيّد هو الذي يساعد الدّارس على تحديد وتحقيق هدفه من موقف الاستماع، والاستماع والكلام بينهما علاقة مؤداها أنّهما من المهارات الصوتية، وإنّ إحداها مهارة الاستقبال(الاستماع)، والأخرى مهارة إنتاج(الكلام).[10] (رشدي أحمد طعيمة، 2004، صفحة ص126)

 2.4 الكلام: الكلام أيضا نشاط أساسي من أنشطة الاتّصال بين البشر، وهو الطرف الثاني من عملية الاتّصال بين البشر، وهو الطّرف الثاني من عملية الاتّصال الشفوي، وإذا كان الاستماع وسيلة لتحقيق الفهم، فإنّ الكلام وسيلة للإفهام، ويتّسع الكلام ليشمل نطق الأصوات والمفردات والحوار والتعبير الشفهي، وتنمية قدرة المتعلّم على الكلام يمكن أن تتحقّق بأن يحفظ كثيرا من الحوارات تشتمل على مختلف الصّيغ والتّراكيب التي يحتاج إليها الدّارس، مثل: النفي والإثبات والتعجب والاستفهام، وغير ذلك من أساليب ترتفع بمستوى أداء الدّارس، ومثل هذه الأفكار تستند على منطلق مؤداه أنّ الدّقة في الأداء اللّغوي شرط لحسن الكلام، والمتكلّم كما يتعلّم يستعين بتوصيل رسالته بألفاظ وجمل وتراكيب فضلا عن اللّغة المصاحبة، أي أنّ التّركيز في تدريس الكلام يكون على بنية اللّغة.[11] (رشدي أحمد طعيمة، 2004، صفحة ص127)

ومهما كان نطقك جيدا، فمن المؤكد أنّ تلاميذك سيجدون صعوبات في نطق بعض الأصوات أو في تجاور بعضها إلى جانب البعض أو في نطقها في بداية الكلمة أو في وسطها، أو في نهايتها… ووضوح الصّوت وجلاؤه يعتمد كثيرا على الملائمة بين استخدام هذه الأمور جميعا… ومن المفيد عزل الصّوت وإظهار الخصائص المرئية التي تتركب منه، مثل حركة اللّسان، ووضع الفكين والشّفتين، وفي الحقيقة، فإنّ ذلك يمكّن في حدّ ذاته أن يعين التّلميذ أن يسمع بطريقة أفضل، وإلى أن يستطيعوا  سماع الفرق بين ما ينطقون به وبين ما يريده المعلم منهم.[12] (ناصف مصطفى عبد العزيز، 1403ه، 1983م)

3.4 القراءة: هي نشاط تتّصل العين فيه بصفحة مطبوعة، تشتمل على رموز لغوية معيّنة، وعلى القارئ أن يفكّ هذه الرموز ويكتشف دلالتها…والقراءة بذلك عملية عقلية يستخدم الإنسان فيها عقله وخبراته في فهم وإدراك مغزى الرّسالة.

فبالإضافة إلى الأهداف الكثيرة التي تسعى إليها القراءة، فإنّها تعين في تدريب المتعلّم على استخدام القرائن المختلفة في سبيل استيعاب النّص المقروء، ومن  هذه القرائن تشكّل الرموز نفسها، ومعناها القاموسي ودلالتها الثقافية، فضلا عن طريقة بناء الجمل والتّراكيب، إنّ القراءة عملية عقلية تشتمل على مجموعة افتراضات، ينبغي أن يختبرها الدّارس وأن يدّرب على ذلك…وممّا لاشك فيه فإنّ تعلّم القراءة في أية لغة يعتبر إنجازا هامًا بل اكتشاف جديد.

 4.4 الكتابة: الكتابة كالقراءة نشاط اتّصالي ينتمي للمهارات المكتوبة، وهي مع الكلام نشاط اتّصالي ينتمي إلى المهارات الإنتاجية، وهي عملية يقوم بها الفرد بتحويل الرّموز من خطاب شفوي إلى نص مطبوع، وإذا كان تقويم الكتابة في ضوء المدخل التّقليدي لتعليم اللّغة هو الدّقة اللّغوية، وتجنب الأخطاء فإنّ معيار الصّواب في تقويم الكتابة في ضوء المدخل الاتّصالي هو مدى القُدرة على توصيل الرّسالة، وتعليم الكتابة يستلزم تدريب الدّارس على اكتساب خبرات في المراحل المختلفة للكتابة، بدءا من مرحلة ما قبل الكتابة التي يجمع فيها الدّارس بيانات عمّا يريد أن يكتب حوله وانتهاءً بمرحلة التّعديل والتّجديد.[13] (رشدي أحمد طعيمة، 2004، صفحة ص191)

ويكمن الفرق بين الكتابة والقراءة أنّه من الممكن للدّارس أن يقرأ كلمة أو جملة بنظرة كليّة واحدة، دون الخوض في شكل كلّ حرف على حدة، أو في طريقة اتّصاله بما قبله وما بعده، وفي الكتابة الدّارس مضطر إلى كتابة الحروف ووصلها في كلمات، وإلى معرفة الطريقة الصّحيحة لكتابة الحرف، وإمكان وصله بما بعده أم لا، وما يحتاج منه إلى النّقط وما لا يحتاج فالكتابة عملية أعقد من القراءة.

  1. تعليم قواعد اللّغة:

تحدثنا سابقا عن المهارات التي يجب إكسابها لمتعلّم اللّغة وكيفية تمكين الدّارسين من العناصر اللّغوية، وفي ضوء المهارات اللّغوية يتمّ بناء المواد التّعليمية التي تساهم في تنمية هذه المهارات.

وأمّا مهارات الاتّصال فهي قدرة الفرد على تكييف القواعد اللّغوية واستخدامها من أجل أداء وظائف اتّصالية معيّنة بطرق مناسبة لمواقف معيّنة والمقصود بالقواعد اللّغوية هنا بالطّبع ليس فقط النّحو، مع أهميته في الأداء ولكن المقصود بذلك نظام اللّغة بشكل عام، أو مختلف أنظمتها: صوتية، صرفية، نحوية، مفرداتية، ودلالية.

فاللّغة ليست مجرد مجموعة عشوائية من الأصوات والحروف والمفردات والتراكيب والجمل، إنّ لها نظام، والحديث عن نظام اللّغة يعني أنّ هناك مجموعة من القواعد اللّغوية التي تحكم ظاهرة اللّغة، والقواعد اللّغوية هنا مفهوم أوسع من مفهوم النّحو، ويطلق على القواعد اللّغوية عادة مصطلح grammar، بينما يطلق على النّحو مصطلح syntax، وهي العمود الفقري في أية لغة، وقد اعتبرها البعض مساوية لتعلّم اللّغة، ومن هنا يظهر الفرق بين اكتساب اللّغة وتعلّمها، حيث يكمن الأول في أنّه يتميّز بالتّعرض الكامل للّغة واستعمالها، بينما يتميّز الثاني بالدّراسة المنظمة للقواعد اللّغوية.[14] (رشدي أحمد طعيمة، 2004، صفحة ص192)

إنّ الكفاية اللّغوية ينطبع عليها الإنسان منذ طفولته وخلال مراحل اكتسابه للّغة، فالإنسان الذي يتكلّم لغته يكون قد اكتسب قواعدها، يقول تشومسكي في هذا المضمار:” فمن الواضح جدا أنّ للجمل معنى خاص تحدّده القاعدة اللّغوية وأنّ كلّ من يمتلك لغة معيّنة قد اكتسب في ذاته وبصورة ما تنظيم قواعد تحدّد الشكل الصّوتي للجملة ومحتواها الدّلالي الخاص، فهذا الإنسان قد طوّر في ذاته ما نسميه بالكفاية اللّغوية الخاصة.”

يفترض في الواقع أن تتوفر للطّفل كي يتوصّل إلى اكتشاف قواعد لغته الفتية، القضايا التالية:

  • مجموعة ملاحظات وفرضيات تتعلّق باللّغة التي يتعرّض لها الطّفل ويلتزم بها.
  • مبادئ معيّنة يتعامل بها لتنظيم الملاحظة والتّحقق منها.
  • مجموعة المعلومات اللّغوية التي تتوافر له بواسطة تطبيق الفرضيات على المعطيات اللّغوية.

يسمع الطفل مقاطع اللّغة التي سوف يكتسبها ويكتشف تدريجيا أنّ بعض الفرضيات التي صاغها لا تتوافق ومعطيات اللّغة وبعضها الآخر يتوافق، فمن المتوقع أنّه سيتوصل إلى أن يقبل بصورة لا شعورية فقط الفرضيات التي تنتج له اعتبار التّفسيرات الصّحيحة حول جمل لغته، وفي هذه المرحلة بالذات يكون قد امتلك قواعد لغته.[15] (ميشال زكريا، 1993م، صفحة ص66)

1.5 القواعد الكلّية:

 تحدّد القواعد الكلّية بأنّها مجموعة المبادئ المنظمة والقوانين والضوابط المشتركة بين اللّغات والتي تقوم عليها كلّ لغة إنسانية بصورة عامة، وتحتوي القواعد الكلّية على جملة المسائل اللّغوية التي يأتي بها الطّفل على مسار نموّه اللّغوي، وبما أنّ اكتساب اللّغة يقتضي تعلّم قواعدها بصور ضمنية، فإنّه ينبغي أن تقوم القواعد الكلّية بتحديد الشكل الذي تتخذه قواعد كلّ لغة وأنواع القوانين التي تندرج فيها، والنّمط الذي تصاغ عليه القواعد والعلاقات التي تتشابك فيها، يمكن القول أنّ القواعد الكلّية تحتوي على المبادئ الكلّية القائمة بصورة مشتركة ضمن كفاية متكلّم أية لغة من اللّغات، فهي صورة معبّرة عن جوهر اللّغة البشرية، وهي تحتوي المبادئ الدّائمة والثابتة والقائمة ضمن العقل الإنساني…فمثلا إنّ كلّ اللّغات تبرز بالضّرورة بعض المظاهر الفونولوجية والتّركيبية والدلالية المشتركة، فلغات العالم رغم تباينها وتنوّعها تمتاز كلّها بنظام مشترك، يعكس الطبيعة الإنسانية عبر خصائصها المنطقية والفكرية التي تميّز الجنس الإنساني على سائر المخلوقات.[16] (ميشال زكريا، 1993م، صفحة ص69)

يمكن الإِشارة في هذا المجال أنّ مناهج قواعد اللّغة في كلّ من إنجلترا وأمريكا على سبيل المثال، تبنى على دراسات ميدانية يقوم فيها الباحثون بتحديد الأخطاء الشائعة لدى تلاميذ كل مرحلة تعليمية، من خلال كتاباتهم وأحاديثهم لبناء مناهج قواعد اللّغة على أساسها، فتكون ممّا يحتاج إليه التلميذ فعلاً، فضلا عن ضمان انتقال أثر التّدريب في حياتهم.[17] (يوسف الصفا، 1981)

2.5 القواعد النّحوية:

  • النّحو هو مجموعة القواعد التي تنظّم هندسة الجملة ومواقع الكلمات فيه، ويمكن تلخيص أهمية تعلّم الوظائف النحوية فيما يلي:
    تقويم ألسنة التّلاميذ وعصمتهم من الخطأ في الكلام وتكوين عادات لغوية صحيحة لديهم، وذلك بتدريبهم على استعمال الألفاظ والجمل والعبارات استعمالا صحيحا يصدر من غير تكلّف ولا جهد.
  • تنمية ثروتهم اللّغوية وصقل أذواقهم الأدبية بفضل ما يدرسونه ويبحثونه من الأمثلة والشّواهد والأساليب الجيّدة والتّراكيب الصّحيحة البليغة.
  • تعويدهم صحة الحكم ودقة الملاحظة ونقد التّراكيب نقدا صحيحا.
  • تفسير إدراكهم للمعاني والتّعبير عنها بوضوح وسلامة.
  • شحذ عقولهم وتدريبهم على التّفكير المتواصل المنظّم.
  • تعينهم على ترتيب المعلومات اللّغوية وتنظيمها في أذهانهم.
  • توفقهم على أوضاع اللّغة وصيغها.[18] (عبد المنعم أحمد بدران، 2008)
  1. خاتمة:
  • إنّ عملية تعليم اللّغة ككلّ قد تبدو معقدة للوهلة الأولى، غير أنّ هذا التّصور سرعان ما يزول إذا علمنا أنّه هناك مرتكزات ومبادئ يجب تُراعى لتأدية هذه الوظيفة وتسهيل تلك العملية، حيث إنّ تعليم اللّغة يقوم على مبدأ جوهري أساسه اختيار محتوى المقرّر الدّراسي والذي يتأثر بعوامل كثيرة أهمها: الأهداف، مستوى المقرّر، الوقت، اختيار النّمط اللّغوي، اختيار مفردات المواد اللّغوية.
  • إنّ تعليم اللّغة يتوقف على مهارات لغوية يُراعى إكسابها للمتكلّم منها: الاستماع، الكلام، القراءة، الكتابة.
  • تعليم اللّغة ليس عملية عشوائية غير منتظمة، بل ترتكز على أسس وإجراءات هي بمثابة القواعد التي تُعين المتعلّم على استيعاب اللّغة بطريقة منظّمة، وتساعد المعلم على التدرج في تقديمه للمحتوى اللّغوي المقرّر مع مراعاة تقديم المحتوى الذي يتناسب مع كلّ تخصص.
  • توجد بعض القواعد التي يكتسبها متعلّم اللّغة بصورة لا شعورية أي يتعلّمها ضمنيا، وهناك القواعد النّحوية التي يتعلّمها، بحيث تقوّم ألسنة المتعلّمين وتنمّي ثروتهم اللّغوية وتساعدهم على فهم التّراكيب المعقّدة، وتجعلهم يقفون على أوضاع اللّغة وصيغها المختلفة وبالتالي تحسّن أدائهم اللّغوي فيصبح الفرد متمكن من اللّغة التي يمارسها بفضل كفايته اللّغوية.
  1. قائمة المصادر والمراجع:
  2. دوجلاس براون، أسس تعلّم اللّغة وتعليمها، ترجمة: عبده الراجحي وآخرون، دار النّهضة العربية، بيروت، دط، 1994.
  3. رشدي أحمد طعيمة، المهارات اللّغوية (مستوياتها، تدريسها، صعوباتها)، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 2004.
  4. سعيد بن فايز السعيد، عالمية اللّغة العربية، جامعة الملك سعود، الرياض، واحة الأدب، العدد:397.
  5. عبد المنعم أحمد بدران، التّحصيل اللّغوي وطرق تنميته، العلم والإيمان للنشر والتوزيع، ط1، 2008.
  6. عبده الرّاجحي، علم اللّغة التّطبيقي، دار النّهضة العربية، لبنان، ط2، 2004.
  7. ميشال زكريا، قضايا ألسنية تطبيقية، دار العلم للملايين، لبنان، ط1، 1993م.
  8. ناصف مصطفى عبد العزيز، الألعاب اللّغوية في تعليم اللّغات الأجنبية، دار المريخ، المملكة العربية السعودية، ط1، 1403ه، 1983م.
  9. يوسف الصفا، اللّغة العربية ومشكلاتها التّعليمية، المركز القومي للبحوث التربوية، القاهرة، دط، 1981.

 

[1]  سعيد بن فايز السعيد، عالمية اللّغة العربية، جامعة الملك سعود، الرياض، واحة الأدب، العدد:397، ص100.

[2] دوجلاس براون، أسس تعلّم اللّغة وتعليمها، ترجمة: عبده الراجحي وآخرون، دار النّهضة العربية، بيروت، دط، 1994، ص23.

[3]  يُنظر: المرجع نفسه، ص24.

[4]  يُنظر: دوغلاس براون، المرجع السابق،ص26.

[5] يُنظر:المرجع نفسه، ص27.

[6]  يُنظر: عبده الرّاجحي، علم اللّغة التّطبيقي، دار النّهضة العربية، لبنان، ط2، 2004، ص65.

[7]  يُنظر: المرجع نفسه ص66.

[8] يُنظر: المرجع نفسه، ص69.

[9]  يُنظر: عبده الرّاجحي، المرجع السّابق، ص74.

[10] يُنظر: رشدي أحمد طعيمة، المهارات اللّغوية (مستوياتها، تدريسها، صعوباتها)، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 2004، ص126.

[11]  يُنظر: المرجع نفسه، ص127.

[12]  يُنظر: ناصف مصطفى عبد العزيز، الألعاب اللّغوية في تعليم اللّغات الأجنبية، دار المريخ، المملكة العربية السعودية، ط1، 1403ه، 1983م، ص21.

 [13] يُنظر:رشدي أحمد طعيمة، المهارات اللّغوية (مستوياتها، تدريسها، صعوباتها)، ص191.

[14] يُنظر: المرجع نفسه، ص192.

[15] يُنظر: ميشال زكريا، قضايا ألسنية تطبيقية، دار العلم للملايين، لبنان، ط1، 1993م. ص66.

 [16] يُنظر: المرجع نفسه، ص69.

[17] يوسف الصفا، اللّغة العربية ومشكلاتها التّعليمية، المركز القومي للبحوث التربوية، القاهرة، دط، 1981، ص156.

[18] عبد المنعم أحمد بدران، التّحصيل اللّغوي وطرق تنميته، العلم والإيمان للنشر والتوزيع، ط1، 2008، ص28.

شاركنا رأيك!