القيم في الحضارة المعاصرة

دة. سهام علي طه أستاذ مساعد كلية الإمام الهادي جمهورية السودان

 ما من شك أن الكل يجمع على أن المجتمع العالمي أصبح يعيش اليوم صراعاً قيمياً لافتاً، وفوضى قيمية كبيرة، وفراغاً أخلاقياً مهولاً، وتعديلا متواترتاً للمنظومات القيمية، بل أكثر من ذلك خطورة إهمال الإنسان المعاصر حتى لفكرة القيم والوعي بها.

      وقد يرى البعض أن ذلك في حد ذاته توجه حياتي وأخلاقي. القيم اليوم تتغير بدرجات متسارعة، وذلك بأسرع مما حدث في أية مرحلة من مراحل التاريخ المتقدمة، فالحياة المعاصرة تعاني من تأثير قوتين طاغيتين هما: التسارع، والزوال، تغيران من نسيج الوجود وتصوغان حياتنا وعقولنا في إطار وضعية جديدة غير مألوفة، إننا في مواجهة الشحنة المتغايرة لصدمة المستقبل.

    ليست القيمة بحدِّ ذاتها شيئا مجردا مستقلا في ذاته بعيدا عن سلوك الإنسان؛ وإنما هي مندمجة بطبيعة الحال في السلوك الإنساني برمته، بحيث يمكن أن نتّخذ من سلوك فرد ما دليلا على القيمة التي يؤمن بها. فالإنسان يمكن اعتباره على الدوام “حامل قيمة” تتجلَّى في أعماله كافة: في سعيه الدَّائب إلى الرِّزق، وفي بحثه المستمر عن العلم، وفي اكتشافه للظواهر العلمية المفيدة للإنسانية داخل مختبره ومعمله. فالقيم الروحية تُلْهِم العقل وتهديه سواء السَّبيل؛ خاصًة وأنّ العقل يُدرك الأمور على ما هي عليه، أمّا لماذا يُؤْثِر طريقا دون آخر؟ ولماذا تتحرَّك النفس في اتجاه دون آخر؟! فمرَدُّ ذلك إلى “منظومة القيم” التي يتعرَّف من خلالها الحقَّ من الباطل. وهذا الأمر تزداد الحاجة إليه اليوم في ظلِّ غلبة واتساع رقعة التقدُم التّقنيِّ الهائل الذي استولى على مجامع الإنسان المعاصر. فيما كانت الأسرة قديما مدرسة ومعملا ومعبدا ومحكمة معا؛ إذا بها تفقد اليوم جُلَّ وظائفها حين اضطرت المرأة إلى العمل خارج المنزل، وأنيطت الوظائف الأسرية بمؤسسات وهيئات مختلفة لم تُبْقِ المرأةَ مُمرضة ترعى شيخوخة بعلها كما ظنَّ سقراط! بل صارت الدولة راعية للشيخوخة وبات الضمان ضمانا اجتماعيا عاما في كفالة الدولة.

    وهكذا لم تعد النظم مستقرة والعقائد ثابتة، وإنما تزعزعت وتأرجحت وتهافتت بفضل ضغوط الحياة. وبينما كان الإنسان يطمح إلى أن يعيش أحفاد أحفاده في رغد من العيش  ولذا يُوقِفُ من أجلهم الأوقاف إذا به لا يفكر إلا في حدود نفسه أو أسرته على أبعد تقدير بعد أن تغيّر وجه الحياة في العالم الحديث، وصحِبَ كلُّ تغير مادي تبدّل في نظرة الإنسان.

    والواقع الذي لاشك فيه أنّ مظاهر الأزمة تتجلى في انقطاع الاتزان بين ما يخلق الإنسان، وبين الأهداف المثلى التي يترتب على البشر الالتزام بها فيما وراء الاختراعات، أزمة خوف وحيرة وقلق وهلع، إنها أزمة انخلاع القلب والعقل، وهي تفرض على إنسان اليوم أن يعيش عيش إبليس، يحيا بانتظار الموت، ويرقب، وهو مشتت اللب، خائر الفؤاد، فاقد الرجاء، ويحيق به كالقدر المحتوم، فيمحو كيانه وحياته، ويمحو كل كون من حوله.

فوضى القيم في الثقافة العربية:

      تشكل الثقافة العربية مسرحاً للفوضى القيمية وللتناقضات بين القيم والمبادئ، بين الشعارات والإنجازات، بين التصرفات والممارسات؛ وبالتالي فإن الشباب الذي ينشأ في مجتمع يحفل بكل هذه التناقضات لا بد له أن يواجه المعاناة القيمية، وأن يعيش هذه الفوضى الفكرية التي تستلبه في مستوى الوعي والتصورات.

     إن المجتمع العربي الذي داهمته الحداثة من دون استعداد كامل وواعٍ لها وقع في تصادم قيمي كبير، نوع من التصادم مع المنظومة التقليدية من تصورات ونظم وقيم. وهذا التصادم يظهر من خلال ضياع المعايير واختلاطها،  واختلال القيم، وضبابية الرؤية، وافتقاد وضوح المرجعيات الفكرية والسلوكية التقليدية؛ نتيجة تصادم منظومتين قيميتين.

    إن الانهيارات النفسية التي يعانيها أفراد المجتمع في سياق مواجهة التموجات الثقافية القيمية التي لا تتميز بالجدة فحسب، بل تعارض منظومة القيم السائدة وتسعى إلى هدمها في آن واحد. وغني عن البيان أن هذه الاحتياجات القيمية الجديدة تمس التوازن السيكولوجي والثقافي عند الأجيال الجديدة وتجعلها في حالة ذهان ثقافي خطيرة.

   صحيح أن منظومة القيم منظومة متغيرة ومتحركة لارتباطها بالكائن الإنساني الذي لا يتوقف عن التغير والتبدل إلا بفنائه، فالإنسان مرادف للتغيير والتطور، وبالتالي تختلف من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر، ولا حق لنا في فرض منظومة قيم واعتبارها ثابتة ومتعالية على التاريخ ومنطق التغيير، لكن هذا المنطق لا يعني بالمرة فتح سوق القيم وتحريره أمام تدفق القيم الوافدة، ففي الإشكالية الثابت والمتغير. لكن المطلوب هو أن تتوافر لدى منظومتنا القيمية القدرة على المنافسة والتكيف والمواءمة واستيعاب القيم الأخرى وتحويلها لصالحها حتى لا تتضاد معها.

    ولتمثيل «الفصام القيمي» الذي يعانيه الإنسان العربي يتابع علي حرب قائلاً: «نحن عرب أو مسلمون في ما يتصل بالمقدسات والمحرمات، ولكننا غربيون فيما يتعلق باستيراد الأدوات والسلع والصور والمتع التي توفرها… أي في كل ما يتصل بمادة الحياة وأسباب الحضارة.

    إن من الأسباب الرئيسية كذلك في التمزق النفسي الذي يعانيه الإنسان العربي هو الاغتراب الذي يعيشه نتيجة محاولته العيش في عالمين بعيدين عنه، تفصله عنهما مساحات ثقافية وفكرية وتاريخية كبيرة، فهو إما يريد العيش في القرن الأول للهجرة أو العيش في حداثة المجتمع الغربي في القرن الواحد والعشرين، وتقول الدكتورة ملكة أبيض: «تكمن الأزمة القيمية في شعور الفرد العربي بالتمزق لأنه أصبح يعيش في عالمين كلاهما غريب عنه، عالم الثقافة التقليدية التي لا تستطيع أن تضمن حاجاته وعالم الثقافة الصناعية الحديثة التي تشعره في كل لحظة بالنقص لأنه يستهلك منتجات من دون أن يسهم في بنائها››.

توصيات المقال:

  1. يجب على الإنسان أن يمتاز عن شركائه في عالم الأرض بما يراعيه ويحفظه من قيم تأخذ موقع الرمز والكلّيّ الذي يُفسَّر كل شيء في ضوئه، سواء كانت قيمًا أخلاقية أو جمالية أو عقلية.
  2. الارتباط بين الإنسان والقيم ليس مجرد حِلية معيشية تزين النوع الإنساني، بل هي علاقة عضوية تتهدد حياة الإنسان مع انقطاعها.
  3. القيم بالنسبة للحياة الإنسانية بمنزلة الخيوط التي تكوّن النسيج المعنوي للإنسان ونظام حياته كلها، دون أن تكون هذه القيم بمنأى عن المادة والجسد والتصرفات الإنسانية الملائمة لهما.

This Post Has One Comment

شاركنا رأيك!