القضية الفلسطينية والفعل الإسلامي

محمد المرابط /أستاذ الفلسفة، ورئيس مركز نبوغ للدراسات والأبحاث

يقول الله تعالى:(ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ)([i]ويقول  أيضا: (وَلَوْلَا دِفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)([ii]).

فالتدافع سنة كونية، وقانون طبيعي، ولهذا القانون وسائل متعددة بحسب الحال والواقع والعلاقات،  فهناك اتصال وتواصل وحوار وتعارف  وتعايش، وهناك صراع.  والعدو الصهيوني، لا ينفع معه تواصل ولا حوار ولا جدال ولا نقاش، لأنّ الحوار مع هذا الفيروس،  نتيجته واضحة على أرض الواقع،  وتفاعل الدول الإسلامية وشعوبها يجب ألا يخرج عن قول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) ([iii]وهذا الإعداد يتحقق ابتداء ببناء جيل” الفتوة”،(إِنَّهُم فِتيةٌ امَنُوا بِرَبِّهِم وَزِدانَـٰهُم هُدى وَرَبَطنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِم  إِذ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَتِ وَٱلأَرضِ لَن نَّدعُوَا مِن دُونِهِ إلها لَّقَد قُلنَاۤ  إذا شَطَطًا) ([iv])ببناء جيل صلاح الدين، الذين خطط ووحد، من أجل القدس، ثم فتح، ودخل منتصرا، وهذا ما دفع الكيان الصهيوني -بعد اغتصابه الأرض بمباركة دول “الحرية والتنوير”- إلى بناء ورشة عمل في الجامعة العبرية، غايتها، معرفة كيف استطاع صلاح الدين، الانتصار  وإعادة فتح القدس الشريف، وترأس هذا العمل صاحب كتاب:” المملكة اللاتينية في القدس” يوشع براور، بالتعاون مع العديد من المتصهينين في الجامعات الغربية، هذا يعني  أن هناك خوفا كبيرا، من إعادة القدس إلى أصحابها  الحقيقيين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وجب بناء قوة إسلامية ذاتية، سياسيا واقتصاديا وعسكريا…

والحديث عن القضية الفلسطينية، يعني الحديث عن أمرين اثنين:

الأمر الأول: إنّ القضية الفلسطينية  هي الميزان الذي يجب أن نزن به استقلالية الفعل السياسي والثقافي لدول العالم الإسلامي، فإن هي استطاعت القيام بالعمل المنوط بها، في إيقاف الكيان الصهيوني، عن اغتصاب الأراضي الفلسطينية بشكل عام، والأراضي المقدسة بشكل خاص، فستكون بداية التحرر الكلي للأمة، وهذا يُبنى على القناعة الراسخة بقدسية هذا الأرض من جهة، وحمايتها تعني حماية باقي الأوطان العربية الإسلامية، من الاغتصاب الصهيوني من جهة ثانية، وإلا كانت في خانة الخونة والمنهزمين.

الأمر الثاني: يجب على الدول العربية والإسلامية وشعوبها، معرفة المعالم الكبرى  للفعل الصهيوني في صراعه معهم حول القضية الرئيسة، وهذه المعالم “تتلخص في الآتي:

1 – إخراج الإسلام من دائرة الصراع.

2 – إيجاد قواعد أرضية للانطلاق منها في إيجاد واقع الكيان على أرض الواقع، ثم الانطلاق من هذه القواعد نحو التوسع والتغلغل.

3 – هجرة أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين (ملء المجال الحيوي).

4 – تهجير عرب فلسطين خارجها (تفريغ المجال الحيوي)، عن طريق:

أ – طردهم من أراضيهم بالقوة المسلحة.

ب – إرهابهم بالمذابح والحرب النفسية والدعائية.

ج – تضييق منافذ العمل في وجوه العرب داخل فلسطين، مع تهيئة مواطن بديلة لاستقبالهم، والعمل على فتح مجالات العمل والاستقرار أمامهم في هذه المواطن.

5- تفتيت التكتل المعادي (الإسلامي/ العربي) بتعدد محاور تجمعه، وإثارة نزاعات داخلية بينه، وإقامة دويلات طائفية مسالمة حول الكيان الصهيوني.

6 – العمل على ربط المصالح الغربية الاستراتيجية في المنطقة بالمصالح الصهيونية.

7 – إقامة دولة عصرية يمكنها الاعتماد على نفسها فيما بعد.

8 – الاستقرار والأمن، بالانتقال إلى السلام والشراكة مع الدول المحيطة عن طريق المعاهدات والأحلاف.

9 – غزو دول المنطقة بالتغلغل السلمي، وقيادتها نحو منظومة إقليمية جديدة” ([v]).

والمتأمل في حالة الشارع الإسلامي، بشكل عام، يرى “حالة من اليأس والإحباط ليس لها مثيل، حيث صار عرضة لتنفيذ مخطط شامل لسلخه عن عقيدته جبراً حتى في أحواله الشخصية، وأحكامه المدنية، بل وفي علاقاته الاجتماعية والأسرية، وذلك بعد الإعلان عن العولمة والنظام العالمي الجديد، وتحويل العالم إلى قرية صغيرة موحدة، وهو الإعلان الذي شرعت الولايات المتحدة بعده بتنفيذ خططها الماكرة لقسر العالم الإسلامي على اتباع منهجها، وإخضاعه لسلطانها عن طريق الضغط الاقتصادي والمقاطعة الشاملة تارة، والتهديد بالحرب أو قطع المعونات العسكرية والتقنية وحتى الغذائية تارة أخرى.

نتيجة لهذه الحالة المزرية، ومحاولات الهيمنة الغربية المتواصلة، ونظراً للضعف الإسلامي العام، فإن اليأس والقنوط دب في النفوس، وأثر فيها أثراً قاتلاً… ترددت على إثر ذلك عبارات تجسد حالة اليأس هذه، مثل: (العقلانية تحتم أن نرضخ للواقع)، (لا يعقل أن ننعزل عن العالم وهو يتبلور في إطار قرية صغيرة واحدة)، (السلام أمر لا مفر منه)…”([vi]).

ومن الواضح أن قرارات بعض” الحكومات وأعمالها تتجه شيئاً فشيئاً إلى فهم نفسها وفهم الآخرين، ..إنها تحاول أن تتغلغل في فهم الغرب وفلسفته بشكل أعمق من ذي قبل. ولكن هذا كله، لم يتبلور بعد في صورة نشاط اجتماعي، يشمل مجموع العالم الإسلامي، ويستوعب جميع وسائله. فالعالم الإسلامي لم يبلغ بعد”([vii])، ومع ذلك، فإن توافق رأي الشارع مع رأي السلطة، وتوحيد الإرادة والهدف، فسيعرف العالم الإسلامي انتفاضة ليست كباقي الانتفاضات.

لكن، قبل هذا، هناك بعض العقول العربية الإسلامية في حاجة إلى صدمة قوية من بيئتها أولا، ومن الفعل الإجرامي للفيروس الصهيوني ثانيا، حتى يتفطنوا وينتبهوا إلى خطورة ما يحدث في أرض الإسراء، وما قصص جرائم قتل وتدمير ومسخ للهوية الإسلامية، ببعيدة عن الإدراك، لعل وعسى أن تكون هناك ردة فعل، أو فعل مبني على قناعات ابتداء.

والفعل العربي الإسلامي تجاه القضية الفلسطينية،  لا يمكن الحديث عنه، بشكل مفصل ابتداء وانتهاء، ولهذا سنركز علىأمرين اثنين:

 الأمر الأول: فعل العلماء والمفكرين والباحثين (بشكل خاص) في العمل الديني والثقافي والحضاري، فالناظر في مواقف وحال العلماء والمثقفين إزاء العدوان الصهيوني على هوية الأمة الإسلامية، يرى أنهم أصناف، فمنهم:

  1. “الصامتون: الذين يخشون ضياع مصالحهم أو فوات مكاسبهم إن هم نبسوا ببنت شفة؛
  2.  المخرَسون: الذين اشتريت ضمائرهم وذممهم، حتى بأبخس المقابِلات وأحط الإغراءات؛
  3. 3-    الخائفون: الذين توسوس لهم أنفسهم أن القتل يترصدهم  في أدنى كلمة تُنقل عنهم؛
  4. الحياديون: الذين يحتجون أنهم في شغل عن الخوض في السياسة، حتى ولو أفنيت قريتهم عن بكرة أبيها؛
  5. 5-    المترددون: الذين يتقلبون بين التأييد والإنكار تقلب آرائهم ومصالحهم وحساباتهم؛
  6. الانتظاريون: الذين يعلقون اتخاذ قرارهم بمآل القتل أو بانتصار الجهة التي يراهنون عليها؛
  7. 7-    المعارضون على استحياء: الذين لا يثبتون على موقفهم إلا بالقدر الذي لا يتعرضون فيه لأي سوء”([viii])
  8. المنتفضون الرافضون: الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وهم لا يخافون على مصالح أو طامعون في مكاسب، كل ما عندهم ثقتهم في الله وكسب رضاه، وتحقيق العدل والوقوف مع المظلوم، ضد الظالم .

  الأمر الثاني: إنا المتأمل في فعل الشعوب والدول معا، إزاء العدوان الصهيوني على هوية الأمة الإسلامية، يرى أنهم ليسوا على موقف واحد، بل لهم مواقف متعددة تصل إلى درجة التضاد، وهي إما تسير بتصوراتهم المنهزمة نفسيا الفاقدة للشرعية، أو هم يسيرون بإرادة الصهاينة، أو بإرادة حرة تحاول العمل على التوازنات، وان المرحلة تتطلب الحسم، إلا أن السياسة، لها رأي آخر، أحيانا يكون الموقف شبه مخالف لما يجب أن يكون، وهي كالآتي:

الموقف الأول: اختار أصحابه مسلك  التعامل مع العدو الصهيوني وان تدعو إلى ثقافة السلام، مع العلم بأن السلام لا يعقل إلا في سياق تمتع كل واحد من الطرفين بحقوقه كاملة، أما في غير هذا السياق، فلا يكون إلا حربا على الذي نقصت حقوقه منهما ([ix]). 

الموقف الثاني: اختار أصحابه مقاطعة العدو الصهيوني،… وذلك لما يتمتعون به من قوة الإيمان  المتمثل في تعظيم الأرض المباركة واستعظامهم لاحتلالها ونشر الفساد فيها،  لكنهم (ومع) صواب مقاطعتهم للعدو، يبقون على عهدهم بالتسليم بوجوده، فهم ينكرون التعامل مع العدو لكنهم لا ينكرون واقعه، على ظلم هذا الواقع وفساده ، وذلك لبقاء شيء من القلق في همتهم يحول بينهم وبين خرق الضغوط التي تمارس عليهم بهذا الواقع([x]).

الموقف الثالث: اختار أصحابه “رفض وجود العدو الصهيوني فهؤلاء الرافضون حصلوا تمام الأخلاق المسددة في مقاصدها بفضل دخولهم في العمل المناسب للظرف، إذ لا يبدأ العمل إلا مع حصول المقاومة، والرافضون مقاومون، فهم لا يسلمون بالأمر الواقع متى ثبت الظلم والفساد فيه، فكيف إذا بلغ هذا الظلم والفساد نهايتهما كما هو الحال في أرض فلسطين التي مزقها العدو أيما تمزيق ودنس مقدساتها أيما تدنيس،  كما يدركون أن أهمية الكائن البشري أعلى من الارتكان إلى الواقع، وان هذا الارتكان إنما هو خذلان، نظرا  لأن الواقع  يجوز أن يتغير متى تغير ما بالنفوس من ضعف وخوف وتغير ما بالهمم من تردد وتزلزل”([xi]).

الموقف الرابع: قررت هذه الفئة” أن تنتفض حتى التحرر، متولية بنفسها مقاومة وجود العدو الصهيوني وممارسة حقها في الجهاد والاستشهاد،… “([xii]).

 وخلاصة مواقف الدول العربية وحكامها من التطبيع وعدمه مع” العدو الصهيوني تجعلهم طبقات أربع:

  • طبقة “الناس” وتتكون من أهل التطبيع
  • وطبقة “الرجال” وتتكون من أهل المقاطعة
  • وطبقة “ذوي المروءة” وتتكون من أهل الرفض
  • وأخيرا طبقة ” الفتيان” وتتكون من أهل الانتفاضة“([xiii]

 وقد بين البروفسور المغربي  المهدي المنجرة سببين أساسين، يجعلان  الفعل العربي الإسلامي، المطبع أو المقاطع للتطبيع مع الاعتراف بوجود الكيان الصهيوني ضمنيا، لا تقوم بأي فعل من شأنه تحرير فلسطين أو التوقف عن الاغتصاب لأراضيها ومقدساتها والاستيطان فيها:

الأول:  أنها تخشى التحرر الحقيقي في فلسطين، لأن تحرر فلسطين يعني تحرر باقي العالم العربي”([xiv]) والإسلامي أو نقول الإنساني.

الثاني: أنها تخشى على مكانتها([xv]).

  لقد كان الكيان الصهيوني في مرحلة من مراحل التغلغل والإحلال في الجسم العربي والإسلامي مهتم “بالتطورات الاقتصادية في الخليج وبمشاريع الغاز الطبيعي التي يمكن أن تفتح أسواقاً جديدة لها في “إسرائيل” إذا حدث نوع من التعاون”([xvi]) والتعاون حاصل الآن بلا منازع،  وبهذا انتقل الكيان الصهيوني إلى  استهداف شروط إمكان استئناف الفعل الحضاري للأمة الإسلامية، ومع  على الأمة اليوم، هو الوقوف ضد ما يحدث في فلسطين،  بكل ما أتيح من وسائل، والدعم المعنوي، والتفاعل  في عالم التواصل بكل قوة.

إن القضية الفلسطينية، قضية عرت العديد ممن كانوا يدعون “التنوير والحرية والحقوق”، و”المقاصدية”، و”السلفية”، فأصبح همهم هو نقد (في زعمهم) فعل المقاوم  المنتفض، إن هذه القضية، قضية الأحرار، فهي ميزان الحرية من عدمها، أي حرية الأمة وانعتاقها من قيود الصهيونية اليهوية- المسيحية.

وفي الختام،  أقول على اليهود والمسيحيين الأحرار، أن يبرؤوا أنفسهم من هذا الفيروس الذي أصاب الإنسانية، فالمسؤولية اليوم، ليست على المسلمين، في أن يفرقوا بين اليهود والمسيحيين والصهيونية، لا، بل هي مسؤولية اليهود والنصارى الأحرار أنفسهم.  والله المستعان.


[i]([i]) البقرة 251

([ii]) الحج 40

([iii]) الانفال 60

([iv]) الكهف 13-14

([v])خالد محمد حامد، قضية فلسطين بين الإسلام والممارسة السياسية العلمانية، مجلة البيان، عدد161، ص81.

([vi])كمال حسين ياسين، الانتفاضة والعالم الإسلامي، مجلة الجندي المسلم، عدد 105، 2002 ، ص5.

([vii])مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص 165.

([viii]) طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة، ص 199

([ix]) طه عبد الرحمن ، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، ط 2، المركز الثقافي العربي – المغرب ، 2006 ، ص 184- 183

([x]) نفسه، ص184-185.

([xi])نفسه، ص185.

([xii]) نفسه

([xiii]) نفسه، ص186.

([xiv])المنجرة، الاهانة، ص 69.

([xv])نفسه

([xvi])علي الشحود، موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة، ج29، ص27.

شاركنا رأيك!