د. جمال الهاشمي يكتب: القانون بين ثورة السترات الصفراء والرئاسة الفرنسية

جمال الهاشمي

في إطلالة عامة على طبيعة النظام القانوني لإدارة المؤسسات الفرنسية وتوقعات يضعها المنجمون وأخرى يذهب إليها كثير من المحللين وثالثة لها تصورات دينية ورابعة تسيطر عليها فوبيا المؤامرات الدولية مع اعترافنا ببعض الحقائق النسبية وليس كما يتخيلها فلاسفة المطلقات والتفسيرات الدينية أو التقعر بادعاء امتلاك الحقائق المطلقة في الكتابات الصحفية التي تتنافى مع منطق بناء الوعي السياسي.

بالنظر إلى دولة عميقة من حيث الفكر التاريخي كدولة ملهمة لأوروبا أو دولة شكلت القانون العالمي الذي تحتكم إليه الدول التي كانت عضوة في عصبة الأمم سابقا والدول العضوة في منظمة الأمم المتحدة القائمة.

وبناء عليه فإن السياسة الموافقة للقانون غالبا ما تقود العقل باتجاه المصلحةـ بينما السياسة التي تنقاد للعاطفة وتخضع لإرادة الشعوب الثورية دون إدراك لمتغيرات واقعية سيقود الدول إلى الهاوية ومن ثم يكون إعادة نظم السجالات المتعارضة وتنظيم شتات وعشوائية التكوينات الوطنية أكثر صعوبة.

فالدولة لا تكتسب صفة السيادة إلا بمقوماتها الأربعة قانون ونظام وأرض، وشعب وما دون ذلك تكون ناقصة الأهلية والسيادة ناقصة لا تجعلها في محيط العلاقات الدولية إلا تابعة لإرادة الأقوى.

في دولة فرنسا التي صنعت القانون الدولي وما تزال لغتها هي الأساس الحاكم لبقية اللغات التي استكتب بها القانون والمرجعية الأولى لتفسير نصوص القانون الدولي يمكننا النظر من هذا المدخل للدولة الفرنسية صانعة القانون الدولي.

تشير المادة الخامسة من القانون الفرنسي إلى الرئيس كراع للدستور وبه تسير الدولة في تطبيق القوانين المحلية وتنظيم وجود الدولة في العلاقات الدولية ويستمد شرعيته وفقا للمادة السابعة بالانتخاب المباشر وتستمر شرعيته مالم تسحب عنه صفة الأهلية بإحالة من الحكومة إلى المجلس الدستوري بأغلبية مطلقة ومن ثم يقوم مجلس الشيوخ بإدارة الدولة إذا كان مؤهلا فإن لم يكن كذلك مارست الحكومة مهامها، ومن ثم تحدد الانتخابات  في مدة لا تزيد عن خمسة وعشرين ولا تقل عن عشرين يوم من إثبات المجلس الدستوري انتفاء أهلية رئيس الدولة.

ووفقا للمادة العاشرة يترجم الرئيس القوانين الصادرة عن البرلمان ويمررها الى حكومته فإذا وجد اشكالا حول تلك القوانين أو بعضها يطلب من البرلمان فتح نقاش لمدارسة القوانين حتى تتناسب مع قدرات الحكومة ويكون مسؤولا عن أي إخلال لها خلال فترة رئاسته بعد الإقرار بها في مدة لا تزيد عن خمسة عشر يوم.

وعند وضع قانون يتضمن تنظيم السلطات العامة أو يمس الاقتصاد، المجتمع أو الأمة،  أوالخدمات العامة أو ما يتعلق بالمعاهدات الدولية التي لا تتعارض مع الدستور ولكنها قد تعرقل عمل مؤسسات الدولة يعرض وفقا للمادة (11) للاستفتاء الشعبي بناء على اقتراح مقدم من الحكومة أو بمبادرة خمس أعضاء البرلمان مقدم من عضو برلماني مدعوما بدعم عُشر عدد الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي لقانون لم يتجاوز العام وفقا للفقرة الأولى من المادة شريطة أن يخضع للمناقشة فإذا قدم دون أن تكتمل شرط المناقشة العلمية يحيله رئيس الدولة على الاستفتاء الشعبي، فإن حظي القانون بالإيجاب اعتمده الرئيس خلال خمسة عشر يوما وإذا كان الايجاب بالسلب لا يمكن النظر إليه الا بعد مرور عامين من تاريخ تقديمه الأول.

وعلى الرغم من كون الرئيس رئيسا لأركان القوات المسلحة والمجالس واللجان العلياء للدفاع الوطني وفقا للمادة (15) فإن سلطته تتقيد في تحديد الوظائف العامة التي لم يرد فيها نصا قانونيا بناء على المادة (13) ويقوم بالتشاور مع رؤساء الحكومة والبرلمان والمجلس الدستوري لإدارة الازمات إذا توقفت السلطة الدستورية على أن يبين ذلك للشعب في خطابه حول الإجراءات والمستجدات ويزود السلطات الدستورية بوسائل تمكنها للقيام بواجبها في مدة أقصاها (30) ثم تحال الى المجلس الدستوري كما تشير المادة (16).

هكذا تبدو مؤسسات الدولة وشخصياتها الرئاسية مقيدة بنصوص بالقانون في علاقة تداخلية معقدة تتحمل جميعها المسؤولية الجماعية في صناعة القرار ويكون الشعب في مجموعه وغالبيته صانعا لهذه السياسات وفقا للقانون الذي يمنع الاستبداد الشخصي أو الحزبي أو استبداد رئيس الدولة بالقرارات التي تمس أمن الدولة واستمرارها وحفظ جمهوريتها.

تعتبر فرنسا من الدول ذات السيادة بل إنها من الدول الفاعلة في النظام الدولي يتوقف دورها على مبدأين الأول سياسة العزلة إذا ضعفت عن مقومات الدور الفاعل في العلاقات الدولية، وسياسة التدخل حال تكامل إرادة النظام مع الإرادة الشعبية.

وبناء عليه فإن النظر إلى احتجاجات السترات الصفراء وفقا للدستور قد خالفت منطق القانون لا سيما بعد تراجع السلطة عن قراراتها بالتداول مع مجلس البرلمان والمؤسسات السيادية الأخرى وبهذا تكتسب هذه التحركات اذا استمرت صفة الثورة وهنا تبدأ تغيرات جديدة قد تطال النظام والدستور والمؤسسات العامة وأن ثورتها تتعارض مع منطق العلاقة بين الشعب والسلطة وفقا لأنظمة ولوائح الدستور الفرنسي وحينها يمكنن النظر إليها من مدخل الصراع على السلطة بين مجموعة الأحزاب الوطنية، مما يجعل من الثورة أداة تستخدمها الأحزاب لمصالحها الأيدلوجية وإن التقت على هدف تكتيكي تسعى من خلاله إلى اسقاط السلطة التنفيذية والبرلمانية والتعجيل بانتخابات جديدة تدخل فيها الأحزاب في انتخابات تنافسية قد يكون بداية لسقوط دولة صنعت القانون العالمي يعجز القانون عن إدارتها.

ومن جهة أخرى فإن طموح السترات الصفراء في حفظ امتيازها قد لا تحققه الأحزاب الأخرى كونها أيضا تفتقر لمدركات صناعة القانون الذي غالبا ما تحكمه المصلحة العامة وفقا لشروط العلاقة بين الإمكانيات وممكناتها والتمكين.

وبناء عليه فإن السيناريوهات المتوقعة قد تكون وهو الأقرب لصوت العقل قبول الأحزاب والسترات الصفراء بتنازلات الحكومة ومن ثم التهيؤ للانتخابات الرئاسية القادمة لإحداث عمليات التغيير السلمي وفقا لنظام الدستور والنظام الجمهوري، لا سيما وأن المؤسسات القانونية والبرلمانية لم تحجب الثقة عن الرئيس وحكومته، وقد يمنحها الحق في استخدام القوة لمواجهة العنف، وفي حال نجاحه سيضمن استمرار بقاء النظام مع التأكيد على خسارته في الانتخابات القادمة.

أما إذا تحقق السيناريو الثاني حال تصاعد الثورة وشمولها فإنها ستتحول إلى ظاهرة أوروبية عامة ومن ثم تبدأ سلسلة من الارهاصات الاقتصادية والأمنية والسياسية وتكون بداية لنكسة القانون والتدخلات الخارجية وإعادة لابتعاث خارطة الدول القومية بعيد عن نظام الاتحاد الأوربي، وتدخل الدولة القومية في صراع على السلطة بين أحزاب اليسار واليمين تكون الثورة والشعب أحد أدوات الصراع المواجهة تداخل الدولة.

ويرجح الكاتب أن تتدارك الشعوب قيمة الدولة وأهمية الأمن والنظام والقانون ما لم تسلك الأحزاب المعارضة طريق العنف، مع التوقع بانتصار الأحزاب اليمنية في الجولات الانتخابية القادمة.

ومالم تخرج حركة السترات الصفراء عن قواعد النظام في القانون إلى العنف والفوضى والصدام مع السلطة.

شاركنا رأيك!