الفرق بين الجهل المركب و الجهل المعقد بقلم / د. جمال الهاشمي

صنف كثير من الفلاسفة الجهل إلى أنواع مختلفة وركزوا على الأنواع الأكثر فتكا أو القوارض المدمرة للمكونات الاجتماعية وكان لكل جهل موسما زمنيا أو قرنيا للحديث عنه مناسبة للواقع مع أنه ظاهرة بشرية تاريخية متجددة منذ تدوينات مدن اليونان  المرجعية العسكرية والعقلية والحضارية  للعالم الأوربي المعاصر.

كانت المدرسة النقدية في اليونان قد تميزت بالنقد الجذري للفلسفات الانحطاطية ، انحطاطية الفكر النخبوي والسياسي والمجتمعي وقد أسهمت بقايا علوم النبوة الوافدة من الشرق في تصحيح معايير الفلسفة وتهذيبها بحدود ومبادئ ومعايير ضابطة وهو ما دفع بالفلسفة للتقارب مع الواقع الإنساني وواقع المدن المنفصلة عن بعضها مشكلة المدرسة الواقعية التي نشأت حديثا مع ظهور ملامح الدولة القومية في أوروبا.

استطاعت ثلاث مدن يونانية بفضل مقدونيا التي بادرت باستقطاب الفلاسفة وإدماجهم في بلاط الدولة كمستشارين ومعلمين ومرشدين ليشكلوا خارطة العالم اليوناني أي للسيطرة على اليونان وما يجاورها لتشكيل قوة مواجهة للتحديات الأخمينية والفارسية، لكن طموحات الفلاسفة أكبر من زاوية جغرافية تطمح لها مدينة بسيطة لتؤسس لدولة قومية قوية يسيطر عليها طبقة النبلاء من الفلاسفة والجنود.

كان هذا الفيلسوف قد ربط القوة اليونانية بين مدنها المتميزة  آترنيوس الذي ظل فيها معلما وتزوج من من ابنة حاكمها، وأثينا المدينة المعادية لمقدونيا  الذي أسس فيها مدرسة لوقيون وظل يديرها أكثر من عقد وكانت أشهر مدن اليونان في البحوث العلمية والبيولوجية والفلسفية لا سيما وأنها مدينة سقراط مجدد علم الفلسفة الذي به تحولت الفلسفة من  الجهل المركب والسوفسطائية إلى الفلسفة  الواقعية فلسفة الأخلاق والتنظيم والفعل كما كانت فيها مدرسته الأكاديمية التشكيكية المشهورة وتتلمذ فيها عشرين سنة  بإدارة وتعليم الفيلسوف المعروف افلاطون خلال العصور الهلينستية ،  واسبرطة المدينة العسكرية التي اشتهرت بالحروب الميدية ضد الاثينين قبل أن تتحد مع العقل الاثني في مواجهة المد الفارسي وكانت وريثة اليونان الموكيانية التي كانت تتميز بصفوة الجندية المحاربة والثقافة المدنية نهاية العصور البرونزية،  ومقدونيا التي أصبحت فيما بعد مركزية العالم القديم بقيادة الإسكندر الأكبر.

كانت الجندية اليونانية تتميز بصفة الأرض والقوة وعندما اكتملت بالعقل الفلسفي تحولت إلى قوة عالمية بعد أن كانت قوتها العسكرية لا تتجاوز وظيفة الدفاع والصراعات الداخلية، وهنا يمكن وصف العسكرية القديمة بالجهل البسيط قبل أن ترتقي إلى الجندية وتندمج بالثقافة الإثنية، ومن ثم ظلت أوروبا تتأرجح بين ثقافتين ثقافة العسكر وبها تتبدد  الثقافة الحضارية أو ثقافة الجندية  وبها تتأسس الحضارة العالمية. وقد تحولت روما بعد تدميرها لمدرسة افلاطون إلى قوة عالمية بفضل الثقافة اليونانية التي تحولت مع بولس من ثقافة العسكرة والتدمير  إلى ثقافة الجندية الاتحادية بين تعاليم المسيحية وعقلانية الفلسفة أي بين الروح الشرقية والعقل اليوناني.

تمكنت علمية سقراط من إزاحة الجهل الفلسفي المركب للمدرسة السفسطائية مكونا مرجعية  الإطار وكانت أول إرهاصات النهوض الذي لأجله دفع ثمن حياته وانقذ اليونان وهذه من صفات الأنبياء والعلماء  أن يموتوا قبل حصاد ما وضعوه، لقد   قتله  الجهل المقدس وهو أحد اشتقاقات الجهل المركب بتهمة التجديف.

يشير العمريطي إلى أن الجهل المركب يجمع بين الجهل بالشيء وجهل مدعي العلم بأنه جاهل، وهو الداء الوبيل الذي بسببه تموت الحضارات ويقتل العلماء والأنبياء  وتسود ثقافة الجدل والعسكر والطبقات اللاهوتية المحتجبة عن العلم بقداسة الجدل والقوة والجهل.

أما الجهل البسيط هو علم الجاهل بجهله وهذا يمكن معالجته، أما الجهل المركب فيحتاج إلى مصحات نفسية وعصا المؤدب،  وسجن صاحبه لعله يشفى من الصفة المركبة إلى الحالة البسيطة القابلة للحل والمعالجة.  وما لا يمكن حله يسمى الجهل المعقد، وتجمع بين ثلاث عقد تضاف  إلى عقدتي الجهل المركب: عقدة الدون والعنف والتملق.

1_ عقدة الدون يأتي من خلال التقليد والانبهار وعجز الذات وهي عقدة عبودية كما وصفها ديكارت وكانت عقدة في فئة من المماليك الذين مارسوا العنف الداخلي ونشروا الرذيلة وعقدة العسكرية المعاصرة الأمريكية والعربية، لأن الاقتداء بالشيء يعني اقترانه.

2_ عقدة العنف وتأتي عندما يتجرد الحاكم عن صفة العفو والرحمة وهي أيضا من الصفات العبودية الدنيوية التي تظهر في صفات صاحبها الاستعلاء والقهر والترهيب وهي من الصفات المخزونة للمهمشين وقد تحدث كسينجر عن أسباب تغير الصفات اليهودية بقوله أن الاضطهاد العالمي التاريخي قضى على النبلاء ولم يتبقى سوى الضعفاء.

2_ عقدة التملق وهي صفة مرذولة اجتماعيا من صفات العبودية المحضة وترادف نفاق التوافه من الناس أي من يجتمع فيه خصلتي النفاق و العبودية .

ونجد أن  الصفة الأخيرة تسيطر على الكثير من عوالم اليوم ، ثقافة العسكرية العبدة أو العبودية الإدارية والتي تحولت عن صفتها الأولى من الحماية والدفاع إلى إلى الإخافة والارتزاق، ومن التيسير إلى التعسير، ومن البناء إلى الهدم.

بعد أن مات أرسطو بعد فراره من القتل نتيجة لبروز الصراع الداخلي بين اليونانيين من جديد ، ونتيجة لطغيان ثقافة اسبرطة العسكرية على الثقافة الإثنية في الحكم انقسمت الدولة بعد موت الإسكندر وتحولت إلى صراع نفوذ داخل الأسرة الحاكمة، وتراجعت بذلك عن العالمية وتراجعت الثقافة والفكر والعقل وهنا تبرز إشكالية التناقض المفككة للتماسك الداخلي، وقوارض ثقافة العسكرية الجاهلة أو ثقافة الثروة الجاهلة طبقة الأوليغارشية الحاكمة و التي يتسم بها العالم المعاصر.

لنعد مجددا للشرطية المنطقية وهو عندما اجتمعت ثقافة العقل والقوة اليونانية بقيادة  مقدونيا توسعت معالم الحضارة العقلانية والمدنية، وعندما تأرجحت روما في مكانها بعد تدميرها للمدرسة الأكاديمية  الأفلاطونية مدرسة الشك الأولى والتي كانت أول مدرسة في تاريخ العلم المنهجي حددت الإشكالية المنهجية التساؤلية أو التقريرية كقضية علمية تحتاج إلى دراسة أو بحوث استدلالية منطقية ومعرفية  أعادت روما  التفكير حول قضية التأرجح والسكون بضرورة العودة إلى معايير الثقافة اليونانية لتشكل إمبراطورية عالمية أخرى على نقيض الدولة الإغريقية  من داخل أو  بالعالم الأوربي مرة أخرى. كان وصف أمير السياسة وداهية العرب عمرو بن العاص رضي الله عنه لأوروبا وهو تفسيرا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم  بعد أن قال صلى الله عليه وسلم: لن تقوم الساعة والروم أكثر الناس” فقال عمرو بن العاض:  “لئن قلت ذلك إن فيه لخصالا  أربعا:  إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك”.

لم يكن عمرو بن العاص قد درس الثقافة اليونانية والرومانية والتاريخ الأوربي وإنما درس مقولة نبوية جامعة ففسرها تفسيرا واقعيا وتوصل إلى محتوى البحث من خلال النتيجة النبوية، كأجمل دراسة منهجية علمية جامعة في بعضة سطور، وقد درست ذلك حقا فوجدت أن هذه الصفات كانت من أهم صفات العالم الأوربي وأن تراجعهم يدفعهم إلى التقدم، لولا ثلاثة معوقات الأول ظهور الثقافة اليهودية، والثانية بروز الثقافة العسكرية  التاريخية لليونانية الميكاوية والثالث تداخلها مع الثقافات الوثنية الأسيوية.

وكل ما قلته في تفسير عالمنا العربي وثقافة الجهل المعقد نتيجة لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في كتب الأمهات الصحيحة: ” إن من أشراط الساعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة، ويظهر الجهل …” وفي رواية “ينزل فيها الجهل ويرفع العلم ويكثر الهرج” وفي رواية ثالثة “يرفع العلم ويثبت الجهل”

فالجهل المعقد هو أسوأ أنواع الجهل لأنه يجمع بين جاهلية  الأولغارشية والثرو ة، وجاهلية العسكرة والقوة،  وبهما تتحول الدولة من أنظمة  إدارية مقدسة  إلى شركات  ربوية مدنسة.

ولا يسعني في الأخير إلا أن استشهد مفسرا لحالنا إلا كحال سلمى مع مطر من شواهد قطر الندى لابن هشام

سلام يا مطر عليها  وليس عليك يا مطر السلام . ..

د. جمال الهاشمي

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية _فرنسا

شاركنا رأيك!