العنف اللفظــــــــــــي وأثـــــــــــره على الفـــــــــرد والمجتمــــــع

د/ فتحية عبد الكامل  ـ جامعة أبي بكر بلقايد ـ تلمسان ـ الجزائر

مقدمـــــة:

يعد العنف أحد أخطر السلوكيات السلبية التي تمارس في المجتمعات، إذ أن له  آثارا وعواقب وخيمة على نفسية  الفرد و واستمرارية المجتمع وقوته وتماسكه.

وقد عرف المعجم الوسيط العنف ب:عـَنُف به، وعليه عنُف عُـنفا وعَنافة :أخذه بشدة وقسوة  ولامه وغـَـيـّره. فهو عنيف([i]).

أما قاموس أكسفورد فقد عرّف الإنسان العنيف violent بأنه استخدام القوة البدنية  بطريقة غير إرادية أي أن  الانسان  لا يكون في وعيه لإيذاء أو قتل شخص ما باستعمال هذا السلوك([ii]).

تعريــــــــــــف العنـــــــــــــــف:

هو الفعل الذي يمارسه الشخص تجاه نفسه أو تجاه الآخرين مسبباً لهم الأضرار الجسدية والنفسية، ويتعرض للعنف الكبار والصغار، والجنسان ذكوراً وإناثاً، وهي ظاهرةٌ منتشرةٌ عالمياً وفي كل مكان، إذ من الممكن أن تمارس في المدارس وبين الأزواج وفي العمل وغيرها.

أنــــواع العـــــــــــــــنف: تتعدد أنواع العنف الذي يمارسه بعض الأشخاص، ومن بينها: العنف اللفظي و العنف النفسي، ويكون ذلك من خلال استخدام تعبيراتٍ مهينةٍ وعباراتٍ جارحة، وتعليقاتٍ هدامةٍ تجاه شخص معين، أو حتى يقولها الشخص لنفسه بينه وبين نفسه، بالإضافة إلى التهديد والتخويف([iii]).

أسباب العنــــــــــــف:

لظاهرة العنف العديد من العوامل والأسباب، نذكر منها ما يلي:

  • عقد المقارنات بين الشخص نفسه وبين من هم حوله.
  • الموروثات الاجتماعية التي تقضي باختلاف الولد الذكر عن البنت الأنثى، وبالتالي حرمانها من حقوقها أو ضربها وحبسها.
  • الجهل وانعدام الوعي عند الأفراد و المجتمع.
  • ·        الإحساس الدائم بالنقص وضعف الثقة بالنفس.
  • التطرف سواء الديني أو السياسي وعدم تقبّل الآخر.
  • العصبية وعدم القدرة على السيطرة على الانفعالات.
  • المواد التي تفقد العقل وبالتالي لا يملك صاحبه زمام الأمور مثل تعاطي المخدرات وشرب الخمور.
  • التربية السيئة والقدوات السيئة أيضاً.
  • رفاق السوء([iv]).

      وفي بحثنا هذا سنسلط الضوء على العنف  اللفظي وآثاره على الفرد ومن حوله وخاصة النفسية منها فقد كتب أحد الصحفيين([v]) بأن  الخبراء يشيرون بهذا الخصوص إلى أن الإساءة اللفظية غالبا ما تؤدي إلى العنف الجسدي، وأن سب الذات الإلهية، والمعاكسات، والعبارات المفتقرة إلى الحياء، أهم أعراض العنف اللفظي الذي أصبح ظاهرة متفشية بشكل واضح في أوساط الشباب. وكثيرا ما يعترض العنف سبيل الاتصال اللفظي، حيث يغيب الحوار لتحل محله قذائف كلامية تجهض أساليب التعامل السوي مع الآخرين، فالواقع المعيش يكشف للأسف أن الكلمات النابية التي تخدش الحياء وسب الله عز وجل، أصبح ظاهرة مألوفة سواء في الأسرة، المدرسة أو الشارع، وتساءل الكاتب  عن سبب وقوف العنف اللفظي عقبة في طريق الاتصال..؟

إن الألفاظ السيئة التي تتضمن الازدراء والسخرية والاستهزاء و السباب من قبل الشباب المراهقين كفيلة بأن تحدد ملامح أساسية في شخصياتهم وتؤثر لدى الكثير منهم في رفع الروح العدوانية، فالتنشئة الاجتماعية المنزلية المبنية على الذم والسباب.. إلخ، تحفز ظهور الروح العدوانية المكبوتة لدى الطفل لتثير فيه العنف والحقد والكراهية واستخدام القوة للرد من أجل رفع القهر الناتج عن هذا الاستهزاء، إذ تشير العديد من التقارير المدرسية بأن أكثر المشاكل العنيفة بين الطلاب كانت بسبب السخرية والاستهزاء وتسلط الكبار على الصغار ([vi]).

علاوة على ذلك، فإن الإساءة اللفظية لا تقتصر على السخرية والاستهزاء فحسب، بل لها أشكال أخرى عديدة ممكن أن تتمثل في انعدام العدالة بين الأفراد، والتحقير، واغتصاب الحقوق، وغيرها.  

ويتنوع العنف اللفظي عبر مراحل الإنسان المختلفة، فهناك عنف ضد الأطفال حيث أكدت الدراسات والأبحاث مدى التأثير السلبي المدمر للعنف اللفظي على الأطفال، ومنها دراسة أعدتها جامعة فلوريدا في الولايات المتحدة، والتي وجدت أن العنف اللفظي يترك آثارا وأضرارا نفسية أكبر من الأضرار الناجمة عن العنف الجسدي، حيث إن الأشخاص الذين تعرضوا لأي نوع من أنواع الإهانة أو السخرية خلال مرحلة طفولتهم يصابون بالاكتئاب والأمراض النفسية بنحو ضعفي أولئك الذين لم يتعرضوا له([vii]).

هذا وتذهب الأبحاث الحديثة أبعد من ذلك، فقد بينت أن العنف اللفظي يترك آثارا أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقا، فهو يؤدي إلى ضرر دائم في تركيب ونمو وتطور الدماغ البشري، فالعقل البشري يختلف عن غيره في أنه يتكون وينمو ويتطور بعد الولادة، أما تكوين الشخصية والقدرات الإدراكية والمهارات، فإنها تأخذ عقودا للتطور، وهذا التطور والنمو وتشكيل العقل تختلف من شخص لآخر باختلاف البيئة المحيطة وطريقة التربية، والتجارب التي يمر بها العقل أثناء مرحلة الطفولة، وعندما تكون البيئة عدوانية وغير صحية يتأخر نمو الدماغ ويتعطل، حيث أكد باحثون من جامعة هارفارد الأمريكية، أن العنف اللفظي والنفسي يؤدي إلى أضرار دائمة في طريقة تكوين الدماغ تبقى مدى الحياة.

         إلى جانب ذلك فإن الواقع المعاش يبرز العنف في  المدرسة ضد الطلاب، وآخر ضد المرأة، وكل أشكاله تعبر في النهاية عن غياب الحوار لتحل محله قذائف كلامية تجهض أساليب التعامل السوي مع الآخرين، فبينما تتباين ردود أفعال الناس من العنف اللفظي، فمنهم من يندد به ويدعو للتصدي له وردع مستعمليه بكل الوسائل حتى لا يستفحل هذا الداء الاجتماعي بما يحمله من إساءة للعرف والأخلاق الحميدة، مع أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك في قوله :”المسلم ليس بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش البذيء” وهي رسالة قوية للمجتمع المسلم عن الترفع والرقي عن الكلام البذيء الذي يحط من شأن الفرد وقيمته، وكذلك قوله ﷺ:﴿المسلم من سلم الناس من لسانه ويده﴾ ؛ليحافظ على تماسك المجتمع المسلم وحمايته من الآفات التي تنجم عن العنف بمختلف أشكاله.

 ويبقي العنف اللفظي أشد خطورة وكارثة أخلاقية بالدرجة الأولى،
ومن هنا لابد من اليقظة والعمل بجد واجتهاد للتخلص من هذه الظاهرة التي أصبحت تهدد النسيج الاجتماعي والأخلاقي والوازع الديني للأسرة والمجتمع ككل، فما يحدث في الأوساط التربوية ، يجعلنا ندق ناقوس الخطر مع الأحداث التي تطالعنا بها وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية المتتالية والمتصاعدة في تطورها وخطورتها ونوعيتها، خاصة أن  العنصر أو الجنس اللطيف ولِجَ  وبقوة عالم الإجرام اللفظي والبدني.

 هذا ما يجعلنا نبحث عن أبرز الحلول وأنجعها للخروج بوجه مشرف ونحمي شبابنا وبناتنا من هذه الآفات التي دخلت البيوت وهددت بنيتها الأخلاقية، و هنا نكون أمام الدور الذي لابد أن تقدمه بعض الجهات وبعض الأطراف الفاعلة، على غرار البيت والحي والمسجد والزاوية والمدرسة وجمعيات المجتمع المدني وصاحب القرار الرسمي لمواجهة هذا الخطر الزاحف، هذه الحرب النائمة التي تسري سريان الدم في العروق، ولابد من الاستفادة من تجارب الأمم السابقة، ولابد من الخروج للميادين،  فالندوات  لا تكفي داخل القاعات، بل لابد من تفعيل للتوصيات المُحكمة من أجل حماية هذا النشء حتى نكون أمام بيئة اجتماعية ووطن آمن يسعى لتطوره وحماية كل أبنائه([viii]).

إن زرع القيم والأخلاق منذ الصغر بداخل الأسرة نفسها والقدوة الحسنة من الأهل والجيران والمجتمع، وتلقينها للأطفال في المدارس من قبل المدرسين والمشرفين فضلا عن قصص الأطفال التي لها دور أساسي في ترسيخ هذه القيم وتهذيبها، ناهيك عن    وسائل الإعلام بكافة أنواعها التي تسهم في تهذيب الأطفال.

ونختم مقالنا بالآية الكريمة التي تحث على الكلام الطيب الذي يترك أثرا إيجابيا في النفوس والقلوب ويحل العديد من النزاعات، و يطفئ نار الفتن إذ قال جل شأنه:﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ﴾سورة إبراهيم الآية 24. و قوله أيضا في سورة البقرة الآية 83 :﴿وقولوا للناس حسنا﴾  فهذه الآية القليلة في كلماتها، الكبيرة في معانيها ، تحمل في طياتها رسالة  عظيمة للبشرية منها أساليب الحوار والمحادثة والتواصل مع الناس، وباتباعها يتجنب الأفراد مشكلات عدة، وتعم الألفة والمحبة.

فالآية الكريمة توجه الإنسان لكيفية التعامل والتخاطب مع الغير؛ ما يجعلها تدخل في المعاملات الاجتماعية وكل شؤون الحياة…   


[i] – المعجم الوسيط، الجزء الأول والثاني، مادة عــنـُـفَ.

[ii] – oxford wordpower، قامزس أكسفورد الحديث لدارسي اللغة الإنجليزية،إنكليزي- إنكليزي -عربي 

[iii]https://mawdoo3.com

[iv] – الرابط نفسه

[v] – الرابط : https://www.elhiwardz.com/contributions/69140/بقلم :عماره بن عبد الله

[vi] –  https://www.elhiwardz.com/contributions/69140/الرابط نفسه

[vii] – الرابط : https://alarab.co.uk/

[viii] – نقلا عن مقال لعمارة بن عبد الله

شاركنا رأيك!