العبد المتألهة وفلسفة الصراع بين أنبياء العصر ومجتمعات الآلهة: صراع التحولات القاهرة

د. جمال الهاشمي

تعتبر فلسفة الإله البشري المتجسد من النظريات اليونانية الأسطورية التي اخترقت التوراة عبر فلسفة الكلمات ووجودية التلموديينن بهاتين الفلسفتين انتصر المخلوق على الخالق في وتقدم التلمود على التوارة.

ومع الجيل المقهور نشأت فلسفتي الرهبنة فرارا من فلسفة السلطة الغنوصية، ونشأت معها فلسفة المظلومية، أو فلسفة المقاومة بالمعنى الحديث، وانتصرت الغنوصية السياسية على الإله المصلوب في فلسفة التقادس البشري للرهبنة ، كما انتصرت تعاليم القديسيين  على الإنجيل المقدس.

لتأتي مرحلة جديدة من سيطرة الغنوصية المقهورة وتنتصر على الغنوصية الفلسفية من مدخل السلطة السياسية، وبين طرفي العالم الغنوصي، والحاكم المتغنص، وجد إبن الإله، ونائبه، وإله الأرض، والإله الحاكم.  وهذه قصتنا في التاريخ المحرف، أبرز مصادر الحكم المعاصرة..التاريخ المقدس المثقوب، أو متعدد الثقوب.

ومن داخل منظومة الإسلام انتصرت فلسفة الصراع بين المذاهب على وحدة الأئمة المؤسسين، وانتصر الاختلاف على الوحدة، والتفرق على العصمة، والأصوليات الكلامية على أصولية القرآن، وتقدم ولي الأمر برأيه على الشورى، و الإمامة على النبوة، وهيمنة السنة على هيمنة القرآن، والمحدثون على العدول، والمتأخرون على المتقدمين في لغة العقل المنحرف، عقلانية التدليس والتحريف والتحزب والإثنية والتلبيس.

غدا الطريق إلى التاريخ المادي القديم متسع وقريب على الرغم من المسافات الطويلة، وهيمنة قرآئية التاريخ  الفقهية والفكرية، وأساطيره الشعوبية على واقعنا المعاصر. خارج النطاقات العدلية الموضوعية والمنهجية و القرآنية.

من القرآنية إلى القرائية فلسفة التغيير في مناهج وقيم وعقلانية ونصوص الأمة، من ربانية النص إلى القرائية، وهذه المنهجية برزت في أحد المذاهب اليهودية،و أخذت ملمحا من ملامح  المنهجية القراءة من مدخل التفسير الإسلامي خلال القرن الثامن الميلادي.

وهي المنهجية الحرفية التي اقتبسها لوثر عن الإسلام من مدخل علم الكلام المعمول به في فلسفة الخوارج داخل منظومة الإسلام. 

هاتين المنهجيتين ابتعثتا أنبياء العصر ليتحرروا من ألوهية المجتمعات،  وألوهية الفرد.

أساطير النفس والأنا والإله المتجسد في عالمنا المعاصر لم يعد جزء من التاريخ، فقد طويت مسافاته وامحت آثاره واختزلته عقلانية المادة أو اللاعقل المعاصر.

الإله الفرد في تعاليمه الحداثية إله النقد والتحريف والتماهي في منهجياته المستعارة، منهجية أنا اللأنا أو أنا الآخر، ذلك الجمود التاريخي المستنسخ  في القلائد  الفردية المتألهة بالفكر والرأي والاستحسان النفسي تمييزا عن الاستحسان المنهجي.

أو الفرد المتحرر من القيود الموضوعية إلى الفوضوية، تلك القيود التي أرهقته طوالا عن فهمها،  فاستبدل الفهم الميئوس بأفهام الآخ؛ الآخر المهمين بحضارته وثقافته ومناهجه، أو الآخر المرجعي المهمين بأماجده وأساطينه وتراثه.

 الفرد الإله كما هو الإله الحاكم المتجسد في صراع معتمل بين الذات الميئوس منه، وذاتية الآخر الأمل، أو ذلك المحتمل، من مدخل المتصور المحسوس.

أو وقوف الإله المتجسد لتحليل فلسفة الجسد الظاهر، أو فلسفة الموجود المشاهد، لا فلسفة التحليل بالعمق، خارج منظومة القيم والديانة والمنهج، ولا أقصد بالموجود-فلسفة الوجود – ، إنما أعني فلسفة الصورة، توريخ الصور البارزة بفلسفة الكلمات.

برزت هذه الفلسفة مع حدث غزو النساء الميديات الجميلات للحكمة اليونانية الفلسفية، فاستبدلت اليونان  ألوهية العقل والإنسان الحكيم بأولوهية الجمال الصامت.

تبدو المقاربات على مستويات متفاوتة أقرب للتشبيه  فالحضارة الأوربية العلمية بالنسبة للعالم المتخلف أخذت صفة الإله الصامت في فلسفة الكلمات المكتوبة أو فلسفة النقل الاستهلاكي المتجسد.

 مرئية، محسوسة، مشاهدة، ملموسه، ومن هنا برزت فلسفة الصورة، فلسفة الإله المعاصر المتجسد في ثقافة العقل العربي.

هذا المعبود الحضاري الذي يحج إليه من كل بلدان العالم المتخلف، انتقلت صوره التقليدية من خلال العقل الأوربي أو الأسيوي المتقدم إلى بلداننا، في أشكال ناطحات السحاب، والجسور، والمنتجعات السياحية.

أما الفرد العربي السائح فيكتفي بصورة من أعالي برج باريس أو صورة يبكي فيها على قصور إشبيلية وقرطبة أو بجانب الأهرامات وأبي الهول، أو لا يجد صورة على قصور غمدان المندرسة أو على بعض أعمدة عرش بلقيس الممتهالجة.

الألوهية الجمعوية، الوطنية والحزبية والمذهبية سقطت أمام حكمة امرأة.

 ألوهية القوة (نحن أولوا قوة) أوجدت في اليمن وسوريا والعراق.. قرون أوروبا الوسطى، بقايا أعمدة العرش محطمة وآثار بابل متهالكة، ومساجد تراثية مدمرة. وصراعات مستارعة لبناء المشاهد أو هدمها، ألوهية القوة وفلسفة العدم.

أما الحكمة اليمانية فقد أوجدتها امرأة (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) .. ما لم يدركه العقل التاريخي المادي المعاصر أن القوة الجاهلة مدخل للفساد، وأن القوة الحقيقية تكمن في حكمة القوة.

ما هي مقاييس القوة؟ علاقتها بالنص والعقل والعلاقة مع الواقع؟ من هنا تبدأ منهجية القوة.  

حكمة الصين أشبه بمورث المرأة الحكيمة وموروثها التاريخي يرى أن أستخدام السياسة ودراسة مقاسات القوة يبدأ بامتصاص الذات وتفعيل ثقافة القوة. ثقافة القوة الناعمة التي اقتبسها الحكيم الأمريكي “جوزيف ناي” في كتابه الدبلوماسية الشعبية.

كما كان زرادتشت إله الثقافة العالمية في عصره، فإن كونفوشيوس كان يتأله في أوروبا بقيمه المجتمعية، تجسيدات الفكر وليس تنظيراته.

هذه الحكمة المصلحية في العقلانية الأوربية هي التي حولتها مع فلاسفة العقد الاجتماعي عن فلسفة القوة الرومانية إلى فلسفة الوحدة الذاتية لمواجهة الآخر في نظرية الصدام ونهاية التاريخ ثم إلى الثقافة العالمية المعاصرة.

نظرية المصلحة في الإسلام  من أشهر النظريات العالمية التي ما تزال جامدة في كتابات الفقه الإسلامي، لم ترتبط بواقع الناس سوى مقولات تنتحل ومدونات تعتمل.

فشل الارتباط بالواقع يرجع إلى ضمور منهجية الربط بين النص والعقل، والمصلحة والواقع.

المجتمعات المحتضرة هي بنت الحضارات المندرسة وهذا مجتمعاتنا العربية.

ليست أزمة في عقلانية النخبة فحسب، وإنما أزمة أخرى في نفسيات المجتمع، نخبة نقولاتها وكتاباتها منقولة، ومجتمعات تصرفاتها معلولة.

في الصين وجه آخر من المنهجيات النفسية، انتقلت السياحة الجنيسة من أوروبا بعد تعميق ثقافة الجنس في المجتمعات الأوروبية  إلى مجتمعات الصين المحافظة،  من مدخل الأيدلوجيا والثروة.

الصين ودبلوماسية النفسية في فلسفة السيطرة على عقول الآخر، ودبلوماسية التقليد في صناعة المحسوس المتوافق مع أهوية وأمزجة واحتياجات الآخر.

تحطم جسر الصين العظيم المحافظ لحماية المجتمع مع اقتصاديات السوق والعولمة والعبودية الحديثة  وسقطت تحت أحد مذاهبها المنحرفة (الشنتوية) عن الطاوية، وقاومت لتتحرر منها. ثم وجدت الثقافة الوافدة تنخر في مجتمعاها. هنا فقط أعادة فلسفة الحماية الوطنية ونجحت في خلق ثقافة التعبئة العامة. وهو من أهم قيم الدولة الحضارية الموروثة، ثم أعادت تفعيل فلسفة القوة النظرية في الواقع، وفلسفة الحكمة في اقتصاديات السوق.

وحطمت جسر الصين العظيم من مدخل الاستراتيجية الجديدة.

أعادت تدوير العولمة ليس في صناعة كل شيء من مجتمعات مؤهلة متأسسة على لغتها وثقافتها وحضارتها، ثم نخبة امتصاصية رحالة مقسمة بحسب لغات العالم ترتبط وظيفيا مع القيادة المركزية لإدارة الثقافات ومن خلالها إلى الإدارة المركزية للإنتاج. متخذة نظام النحل في الأولى فلا تمتص إلا ما يفيد، ونظام النمل في سرية العمل الدوؤب.

لم تصنع هذه الدولة الزبيب اليمني الأسود والجنبيات، ولم تصنع أبو الهول والأهرامات المصرية، ولم تصنع الجلباب المغربي ولا العقال السعودي ولا المآزر الهندية، ولا الأحذية الإيطالية ولا الساعات السويسرية.  

بل صنعت باريس واللوفر، ومنهاتن ودول العالم السياحية التي تستقطب ملايين الناس سنويا للسياحة، منذ عشرين سنة بين تخطيط وبناء لتستقطب العالم إليها.

ثقافة الخدمة رخيصة جدا، والمشتريات منها بحسب ما تدفع، ولا تكتفي بتوفير متطلبات الذوق الاسهلاكي، بل وبخلق أذواق أخرى، أو ما يعرف بتطوير نفسيات الذوق للمستهلك العالمي، ومدخل تذويق النفس من أهم استراتيجية صناعة الإدمان على التسوق.

أغلقت كثير من الصناعات الوطنية في أوروبا وتصحرت مناطق الزراعة في البلدان العربية لأن ما تقدمه الصين مع مع نظام العالمية والعولمة الاقتصادية أرخص مما ينتجه الوطن الأم.

تسعى الولايات التي تحولت عن الصناعة والزراعة  وبها اكتسبت قوتها الوطنية إلى اقتصادية القوة العسكرية واقتصاديات الأمن و شرطي المرور الدولي والخدمات الترفيهية واقتصاديات الشركات العابرة للقوميات التي تماهت فيها إرادة الدولة ونظامها وغابت فيها صفة القوة والسيادة لتمنح السيادة لتلك الشركات والقوة العسكرية داخلها وهو ما يعني تعدد الإرادات وتنوعها واختلافها.

هذا التعدد هو الذي مكن لروسيا المنظمة أمنيا والصين التعبوية من اختراق الأمن القومي الأمريكي، وهو ما دفعه لإخلاء المواقع العسكرية في كثير من دول العالم أو تخفيفها.

لأن أولوية الأمن الوطني يستدعي إعادة تطوير الاستراتيجية لمواجهة القوى الأسيوية.

تمكنت الصين من التكيف مع دخول المجتمعات واقتصادياتها، وأذواق العالم ونفسياته ومتطلباته، فهي صانعة الجنس العالمي الجديد بصوره النفسية والتكنولوجية، ومناطق السياحة الجنسية، الذي يتنافى مع قيم الأسرة المحافظة، وهي صانعة القوة لبيعها لا لاستعمالها إلا بحسب الضرورة، وهي وفيها مركزية النقد الجديد، وفيها أكبر الشركات العالمية المهاجرة التي ارهقتها الضرائب الأوربية، وفيها البيئة والأمن والنظام والقانون والطبيعة.

الصين لا تركز على العقل الخلاق لأنها في زمن السرعة،  وإنما العقل المطور، الجاسوس العالمي الخارق للملكيات الفكرية، والعقل التشريحي الذي يعيد تشريع الصناعات وتفكيكها، ثم يعيد انتاجها وتطويرها.

بينما ما يزال العقل العربي يعيش مضيعا بين العبد الإله أو المتأهلة الذي يسكن في فكر الآخر ويدافع عنه، كدافعه وقتاله عن الأيدلوجيتين الشيوعية والرأسمالية، فقد دافعت الدولة المقلدة عن قيم الشيوعية بالقوة في عدن وصلالة ومصر والعراق وسوريا وليبيا، فاندثر المقلد واستمر الأصل شامخا ومطورا لفكره ومكيفا له مع مصالحه واستراتيجياته، ولن يتجذر الأصل لأنه وافدا وليس نابعا.

 وبالفعل سقطت كل دول الاشتراكية العربية وما تزال روسيا قائمة ليست بعقلية تلك الدول المدافعة، وإنما بعقليتها وقيمها الجديدة، وما تزال إيران تتأرجح بين الرأسمالية والشيوعية، ولديها مكانيزم التغيير بين موروثها وإرثها القديم وبين متطلبات وجودها، لكنها في أزمة مرهونة بدورها الوظيفي نيابة عن الآخر.

كما دافعت الدول الرأسمالية المقلدة عن الأيدلوجية الرأسمالية الأم في أفغانستان والكونغو وعدن، ولم ينتهي الدور الوظيفي مع صعود روسيا والصين لكن القاعدة الأم لم تعد تمتلك القوة الناعمة، والجاذبية الاقتصادية التي كانت من قبل، وتركزت على القوة العسكرية، ووجودها مرهون ببقاء هذا الدول، ونقل قواعدها من بعض المناطق تدريجيا يعني إخلاء الساحة لقوى أخرى أو عدة قوى منافسة.

وما تزال الدول الحليفة للقوة الرأسمالية تتأرجح بين محاولتها حفظ الوضع السائد ومواجهة التهديدات وبين استراتيجيات دولية تسعى لإعادة رسم الخارطة الكلية للمنطقة في كل من مصر والسعودية والمغرب والخليج وتركيا ودول العالم الأوسطي بشكل عام.

قد يقود إلى تقاسم النفوذ بين القوى الدولية الجديدة، وسياسة الأحلاف، وهذا التقاسم سيكون متناقض، بزرع أيدلوجيات حديثة تتبع الدولة الحليفة لضمان بقاء السيطرة. وأهمية هذا التنوع العقائدي والأيدلوجي يأتي لضمان منع التقارب العربي العربي والإسلامي الإسلامي.

وهو ما يعني توسيع نطاق الأحزمة الملتهبة والدويلات الإثنية المنفصلة من جهة، وخلق مجتمعات ألوهية داخل الدولة لاضعاف النظام وتفكيكه من الداخل، بل وخلق صراعات داخل الأسر الحاكمة من خلال فلسفة العبد الإله وأنبياء التغيير ومجتمعات الآلهة.

أحزاب تتصارع على القيادة ومفكرين يتصارعون على الريادة، وعبيد يتألهون للدفاع عن الأيدلوجيات الوافدة.

لم يكسر سور الصين العظيم، وإنما فتحته الصين بطريقتها وأسلوبها وثقافتها لخدمة مصالحها، بينما لم تكسر قيم الإسلام بالاستعمار الصلب وإنما كسرت بجهل النخبة وتبعية النظم الحاكمة.

كيف ومتى تتغير الأنظمة؟

تتغير عندما تتحول إلى أنظمة ضعيفة في حكمها وغير قادرة على حماية حكمها من الثورات الوطنية والشعبية.

أما كيف؟ فيكون من خلال خلق قيم جديدة وافدة متناقضة ومتعارضة مع قيم المجتمعات الأصلية فتنشأ ثقافات مقاومة وتتوسع رقعة الإرهاب والنعنف والانتحار والمظلومية.

تؤدي إلى توسيع الفجوة بين ثقافة الاستهلاك والقوة الشرائية.

وعندها تتعطل التنمية وتتسع جغرافية الفقر ومن ثم تنشأ تغذيات العنف وعسكرة المجتمعات من مدخل أيدلوجية الفقر وفلسفة المظلومية المعاصرة.

شاركنا رأيك!