الصحافة و التعبير بين الحرية و المسؤولية

           الأستاذ محمد عدنان بن مير

باحث ماجستير في علم الإقتصاد

مع حلول الثالث من ماي كل عام تذكرنا الأمم المتحدة بمؤتمر ويندهوك التاريخي الذي اجتمع فيه صحافيين أفارقة 03.05.1991  والإعلان الذي تمخض عن هذا  الاجتماع  سعيا منها لاعتماده إذ تخصص هذا التاريخ يوما عالميا  لاحتفال بتقييم واقع وأفاق حرية التعبير و الصحافة في سائر دول العالم فمنها من يرتفع مؤشرها وأخرى  يخفق بسبب الاعتقالات و المتابعات التي تطال الصحفيين .

كما تجدد دعوات بضرورة إعطاء أكثر حرية للصحافة و التعبير ووقف الانتهاكات التي تمارس ضد حرية التعبير و الصحافة  وتتصاعد دعوات بسن قوانين تحمي الصحفيين و تعزز حرية التعبير .. لكن هل تسألنا عن المفهوم الحقيقي لحرية التعبير و الصحافة ومناط سقف هذه الحرية ؟

         ولكون حرية الصحافة و التعبير دور بالغ الأهمية في صناعة الرأي و كشف الحقيقة و تقديمها للرأي العام كان لزاما إحاطتها  بسور منيع يقيها الزلات و يامنها بطش السلطات ولن يكون لها مرتع امن من وأد حريتها سوى بيد العاملين عليها آو المنتسبين لحقل الصحافة و الإعلام.

بمعنى أن لا يأخذوا بمفهوم حرية التعبير و الصحافة –مطلق الحرية- فيكونوا معول هدم داخل مجتمعاتهم دون مراعاة أحكام الشرع و الأخلاق وتقاليد المجتمع و الأسرة ومبادئ الخصوصية الشخصية.والغلو في طلبها لان حرية التعبير و الصحافة لا تعطى و إنما تأخذ غلابا بمعنى تكتسب من منطلق الممارسة الموضوعية لمهنة الصحافة فحرية التعبير مناطا مسؤولية أعوانها و مدى التزامهم بموضوعية الطرح و مصداقية العمل الصحفي و تحررهم من تبعية لأي جهة كانت سوى المجتمع وتجرد تام من الذاتية بحيث تقوم الصحافة بتشخيص الداء ووصف الدواء إظهارا للحقيقة  تخدم الرأي العام  مجردة من الميول و الأطماع السياسية و المأرب الشخصية حتى لا تقع في أغلال وقيود غير المبررة للسلطة الحاكمة .

       كما إن مفهوم الصحافة و حرية التعبير ليست مجرد كتابة أو عرض أو بث مادة الإعلامية معينة خاضعة لإرادة أصحابها إذ لابد أن تكون موافقة لتطلعات المجتمع في جلب منفعة و درء مفسدة علة غالب الأمر تكون مقيدة بضرورة احترام المجتمع الذي تجعل منه منطلقا لبضاعتها الإعلامية في جميع صورها حتى تكون بضاعة إعلامية مجزاة  وذات كيل بها تحفظ وجودها وتزداد من الحرية كيلا  فيغدو المجتمع داعما لها بقوله :- اكتب و أنا قارئ اعرض و أنا أشاهد .

           بيد إن حرية التعبير و الصحافة يجب أن لا يكون همها تقضي الأخبار وقصب السبق فيها إذ لزاما عليها إصلاح فساد مجتمع سوءا فساد فكري أو اجتماعي أو أخلاقي و إلا كيف بها أن تكون سلطة رابعة ؟ وان تصنع رأي عام حقيقي مبني على الحجج و البراهين ذلك أنها ركن ركين في المجتمع وعليه فلابد ان تكون حرية التعبير و الصحافة مخضبة بالأخلاق السامية ما يكسبها من الحرية و الاحترام في الوقت ذاته وتحترم مبادئ الاستئذان و الحياء

      وما ينظر له بأنه حرية تعبير و صحافة لا يعدو أن يكون محاولة ناعمة لهتك عرض أو شتم وسخرية مبطنة في شكل رسومات كاريكاتير ساخرة بمعالم الإسلام التي مارستها دوائر غربية وطرح قضايا تعد من المحرمات لكونها تعرض مبادئ المجتمع الإسلامي فهي مجرد تفهات الضرع العلماني و الفكر الفاسد لا ترقى لان تكون رأي إنما هي فج لا يأكل .

       وإذ تعد حرية التعبير و الصحافة أو الرأي ومدى توفرها كمعيار من معايير تقييم مدى تطبيق حقوق الإنسان في الوقت الحاضر  و بالمقابل لا يتم التعرض إلى الخطر الذي ينجر عن حرية التعبير و الصحافة –بمطلق الحرية في ذلك – فقد حان الوقت لربط حرية التعبير و الصحافة بمبدأ المسؤولية فيكون هناك توازن حقيقي بين حرية التعبير وتبعاتها إذا أخضعنا حرية التعبير و الصحافة إلى ضرورة حفظ الفكر من التطرف  وحماية المجتمع من غزو ثقافي مدمر ولا نقع مطية جدلية الأفكار التي تفقد التمييز بين الحق والباطل وبين المنكر و المعروف .دون مغالاة وتوازنا مع ذلك وجب حماية حرية التعبير و الصحافة بنصوص قانونية تتماشى و خصوصيات المجتمع و الأسرة.

          فلا يجوز العبث بمبدأ حرية التعبير و الصحافة وجعلها ظهرا يركب أو ضرعا يحلب  لتهديم وتمييع الأخلاق و العادات و التقاليد في المجتمعات المحافظة أو محاربة أيدلوجية معينة و التنظير لأخرى  فتكون حرية التعبير و الصحافة يد للدكتاتورية والاستبداد الفكري    .

         إن إخضاع حرية التعبير و الصحافة لمبادئ حفظ العقل والتفكير و المال والنفس والدين أصبح لزاما   فليس من الحق بمكان قول كل شيء إذ الكثرة لا تخلو من الكذب. كل هذه الكليات جاءت لصون كيان المجتمع والأسرة و الإنسانية في أمنها الفكري و الاستراتيجي القومي .

شاركنا رأيك!