الرقابة الذاتية والاجتماعية وبناء الشخصية الإيمانية

 م.د علي سوادي ظاهر الجوهر

جامعة الصادق/ كلية الآداب/ قسم علوم القرآن الكريم

إنَّ الأنظمة الإلهية والوضعية متوافقة على ضرورة بناء شخصية الإنسان بناءً ينسجم ومفردات ثقافتها التي تؤمن بها, بيد أنَّ نمط تفكيرها يختلف عن الأخرى في بعض خصوصياتها, وهذا ما يسفر عن نمطين من التفكير, فنمط التفكير الوضعي ينصب على الرقابة القانونية في بناء الفرد والمجتمع, فالقانون في ظل الأنظمة الوضعية هو الرادع الأساس في هذا البناء بعد ابتعادهم عن قانون السماء .
إنّ الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية لا يلغيان دور الرقابة القانونية إلا أنهما يرسمان لنا نمطين آخرين من الرقابة تترشحان جنباً إلى جنب مع الرادع القانوني .
الرقابة الأولى الذاتية, والأخرى الاجتماعية, غير أنّ منشأ الرادع الذاتي ينبع من دواخل الإنسان وذاته, فتجده في حالة صراع بين العقل والهوى, فبانتصار العقل تضمحل وتنكمش الأنانية والهوى, فركز الإسلام على هذا المبدأ بأن يعيش الإنسان نقداً دائماً لنفسه .
ويصور القرآن الكريم هذا الواعز الذاتي بقوله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) فتزكية النفس وتقواها تنبع من داخل وحيثيات الإنسان, وتظافرت الروايات والأدعية حول قانون المحاسبة والمراقبة الداخلية في قول عمر رضي الله عنه (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) إذ إنّ الإنسان لديه القابلية أن يتقمص ما ليس فيه ولا يمكن للرقابة والرادع القانوني معرفتها ولكنها لا تخفى على الرادع الذاتي والمراقبة الذاتية فيمكنه أن ينتقد نفسه نقداً مباشراً .
وما ممارسة الأدعية والمداومة عليها إلا عنواناً للنقد الدائم للنفس الإنسانية ((اللهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها)) اسلوب عملي ومراقبة عملية ونقداً للذات والأنانية ((أنا الصغير الذي ربيته وأنا الجاهل الذي علمته وأنا الضال الذي هديته)) .
مما لا يخفى أن هذه الأحاديث تمثل دروساً عملية من أئمة أهل البيت عليهم السلام ترسم لنا تلك الظاهرة النقدية والتواضع أمام الخالق لتنعكس في السلوك الخارجي .
ومن نافلة القول إنّ الرقابة والرادع القانوني لا يمكنهما أن يقوما مقام الرقابة الذاتية, هذه حقيقة يبينها القرآن الكريم (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) .
ومما يزيد في الثراء أنّ رقابة أخرى إمتاز بها المشرع الإسلامي تتثمل في الرقابة الاجتماعية ويكون منشؤها خارجياً إذ لا يقوى الإنسان على تشخيص أخطائه لذا واكبتنا الشريعة برادع ومقوم خارجي ورقابة اجتماعية, فلذا تتأرجح عملية البناء بين الرادع الذاتي ونقد الذات ومحاسبتها وبين التطلع لنصائح الآخرين وارشاداتهم بالكلمة الطيبة المؤثرة .
ولا يكتمل بناء الشخصية الإيمانية بالرادع القانوني؛ لأنك قد تطبقه ولا تؤمن به, وإنما تطبقه خوفاً من السلطة القانونية, وكذا الرادع الذاتي؛ لأنه قد يخفى عليك بعض تصرفاتك بأنها خاطئة وبحاجة إلى النصح ومعرفة العيوب, وما رسمه الحسن رضي الله عنه وقيل الصادق رضي الله عنه بقوله: (رحم الله من أهدى إلىّ عيوبي) وهو قول لعم يكشف عن ظاهرة الرادع الاجتماعي الخارجي .
وما قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا رادع خارجي لبناء تلك الشخصية الإيمانية, وتركه يفصح عن لحوق الضرر بالآخرين، وبالحالة الاجتماعية الخارجية التي تكشف عن ضعف في الآصرة الاجتماعية, وهذا ما تصوره السنة النبوية ” كيف بكم اذا فسقت نساؤكم وفسد شبابكم وتركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (رواه الكليني في الكافي).
” وكيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم ؟” (رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وورد في السلسلة الضعيفه)
لكن الواقع يشير إلى المعاني بما يترجمه سلوك النساء والفتيان عبر وسائل التواصل وفي السلوكيات الاجتماعية وعبر ما يصوره الإعلام، ولما لذلك من خطر على قلب المفاهيم من أن يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فترك هذا الأمر يكشف عن فاعلية المنكر واتساعه وشدته, ونتيجته ضعف الأمر بالمعروف وانحساره فيتفعل قطب المنكر ويترشح عنه أن أي عمل اصلاحي لا يكون له نتائج وثمار مرجوة لاستفحال المنكر في الأمة .
فإذا ارادت الأمة أن ترجع إلى فكرها وتأثيرها وفاعليتها وتكون خير أمة اخرجت للناس ما عليها إلا أن تفعل هذه الفريضة المهجورة في وسط الأمة .

شاركنا رأيك!