الدولة اليمنية و المجتمع بقلم/ د. جمال الهاشمي

إن الوباء المتعمق في ثقافتنا الدينية والدنيوية عبر الاعتراف بشرعية الجهل الديني، ومنحه قداسة النفوذ و التجلي بهكذا يتحول  الحر العربي إلى عبد دني .. ليس أكثر من  علكة تلاك وتبذل.

فمن سفاهة سيدي فخامة الزعيم إلى سفاهة سيدي ولي نعمتي المنتظر،  

هذه القبيلة العربية التي كانت  ذات قدسيات أخلاقية  تحولت إلى تراكمات سلبية شكلت مصانع العبودية، بين تلاوات متزندق، وبكائيات مهرطق،  فاليمن اليوم تدفع بالجنود للقتال عن لقمة يأبى أن يلتقمها المتقاتلون بمذلة، وبهذه النفسية المتكبرة   أصبحت  ثقافة الدماء والفوضى والبطش  معيارا للرجولة، والقوة والشرف والقبيلة، ليس من أجل استحقاق الحق وإنما من أجل استحقاق الرزق، ولا شك أنه عندما تمارس السلطة قوتها الغاشمة تتلقفها بلا شك معارضة جاهلة.

عندما دخل علي بن أبي طالب اليمن استخدم عدالة القوة  للتأديب، فانقادت له أكثر اليمن وكانت في صفين أكثر اتباعه، وتأسست بهم خلافة بني أمية في الأندلس مع سيطرة العجم على الدولة العباسية، وعندما استخدم يوسف الثقفي  سياسة الأخذ بالشبهة لإقامة الطاعة تحولت اليمن إلى منطقة صراعات طائفية ودينية وقبلية والطريقة نفسها التي اتبعتها الدولة العثمانية.

 بهذه السياسات الخاطئة تحولت اليمن إلى  وباء عرقي طبقي ، وطائفي مذهبي ، وكل ذلك له انعكاسات سلبية على مفهوم  التدين و والنظام والدولة.

لم تكن اليمن إلا  منطقة تجنيد وجباية للدولتين الأموية والعباسية، وهذه الثقافة تحولت إلى  أزمة عميقة  في صراع  النفوذ على السلطة ليس لأن السلطة أمانة وعدل ومسؤولية ورحمة،  وإنما لأنها عسكرة  و جباية  وثروة ، ،

، وهذه العقلية الرجعية التي تتغنى بالعنف والقوة ليست غالبة، وإنما هي ظاهرة مرفوضة ومفروضة،  ربطت التبعية  بالفقر والحاجة ليس للجندي إلا ما يسد رمقه أو ينهبه وليس للموظف إلا ما يرتشيه ويسحته، وليس للقبيلي إلا ما يغتصبه ويسلبه، وليس للفقير  إلا ما يستعبد به أو يسرقه، وليس للتاجر إلا ما يغش به وينهبه.

 و منذ أن تأسست اليمن كدولة مدنية وهي ليست أكثر من مشيخية شيخ مشائخ يتسول بمواطنيه وينهبهم، يمارس رذيلة القوة  في دولة كانت حضارة لم ترتقي بعد إلى مستوى الأمانة والمسؤولية كما لمم يكن وليس كائن لها شرعية أو مشروعية، ولم تكن يوما ولن تكن  راعية للحق والعدل والعلم إلا نظريات جديدة  وإرادة سياسية واعية تغير معالم التخلف بوضع أساسيات التقدم .

وبسبب ذلك التخلف برزت في المجتمع ظاهرتان ثقافيتان:

1_ الثقافة الفوضوية: في استخدام القوة وقطع الطريق ونهب الأراضي ويمارسها العسكر بحماية الجندية أو القبيلة ويدفع ثمنها الضعفاء وكانت سائدة في عهد فخامة الزعيم علي عبد الله صالح ولهذا ثار عليه الضعفاء ثم سيطر على ثورتهم الحزبيات و الأقوياء المنبوذون من الثروة  والسلطة والنفوذ.

2_ الثقافة العبودية: وهي  ثقافة المثقف العسكري  ومثقف القبيلة ومثقفي التدين الريعي. .

ومن ثم  يتعلم الطالب ليتحرر من عبودية الفرد المشيخي أو الإداري والحزبي  فيجد نفسه في سجن ثقافة مؤبدة،  ولن يستطيع الولوج إلى مكانته الاجتماعية إلا من مدخل العبودية، أما عبودية المتدين هي عبودية الجهل المعقد فمنهم من رأى رسول الله في منامه يبشره بانتصار ولي نعمته،  وعلى أساس ذلك تتصنون العبودية إلى:

1_ صنوان  المثقف المعوج  الملتصق بهوهوة  التملق والتزندق “مثله كمثل الكلب”

!_ صنوان مثقف  التكادم والتنهق والتزندق  “مثله كمثل الحمار”.

ولا أخالني مخطئا إن قلت أن  عبودية المثقف المارق أكثر رذيلة  من عبودية  العسكري النافق.

وما تزال اليمن  تتأرجح من نظام سيئ إلى الأسوأ، ومن نظام تديني كان جزء من رذيلة  الدولة إلى رذيلة الفردية أو الطبقية  المطلقة.

أما الصمت الاجتماعي  فتلك ثقافة كامنة  نشأت بين  سياسات  انعدام الثقة  والعدالة الغائبة،  ولو امتلك قيادة حقيقية لتغيرت معادلات القوة ولانتظمت بقوة، إن حقيقة عجزنا أننا سبق وأن التقينا من قبل برموز من السلطة الشرعية أعلاهم نائب الرئيس، وطلبنا تقديم رؤيتنا للرئيس عبد ربه والرئيس علي صالح خلال مؤتمر مخرجات الحوار في الوقت الذي أوهمونا بأنهم يسمعون، لم تكن المواطنة كما هي الحرية إلا حرية الأقوى والأعنف.

هذه الدولة عالة علينا منذ عرفنا النشيد الوطني، لئيمة أرهقتنا بجنسيتها  وموظفيها وجوازها الذي لا يعمل إلا كعملتها  التي تمت خارج مطارها وحدودها.

وسواء كنا في وباء الماضي  أو كائنين  في الوباء الحاضر فإننا نشهد ثلاثة انقسامات وربما رابعة، وخامسة ، أبرزها  ميلشيات انقلابية  غاشمة،  وشرعية ضعيفة متصارعة، وحركات انفصالية جاهلة،  حالنا في  حب الوطن كحال من يمارس الخطيئة في جلباب راهبة، أو يتزندق  بالعفة والمروءة كتزندق العاهرة.

استغفر الله ما أردت بهذه الأمثال إلا لتقريب المعرفة، وما قصدي الإساءة بقدر ما هي لفتة ونصيحة، والعرب يتميزون بالأمثال، كما يتميزون بالمروءة وقبول النصيحة، مهما كانت خانقة.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية – فرنسا

شاركنا رأيك!