الدخيل والأصيل في مفهوم الدولة العربية الإسلامية

د. لينا لفته جاسم  ـ كلية الآداب – قسم اللغة الإنكليزية – جامعة ذي قار ـ العراق

 لم يكن تهكم أعداء الله وأعدائنا على ضعاف النفوس من أبناء الأمة الإسلامية عفويًا، كما أنّ نظرة الغربي لم تنشأ نشأة عفويّة للواحد منّا، فقد رأته عدوًا لدودًا، ولا عجب أن شمخت أقوام”ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله”( آل عمران: 112)، وانحنى بين أيديهم أحفاد الملوك والقادة.

    إنه من السهل جدًا معرفة المسببات لهذا الخضوع المطبق، الذي يكمن في تهاون الأمة فيما أوكل إليها من مهام، وتخاذلها عمّا عنيت بحفظه، فهانت وذلّت، واستماتت في سبيل غير الله فانهزمت وغُلبت.

 ومن له أدنى اتصال بالتاريخ، يعلم جليًا أنّ المسلمين أنفسهم، هم الذين فقدوا الشعور بالفرق بين دعوة الله ودعوة الشّيطان، فجهلوا قوله تعالى:”أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه”( البقرة: 220 )، وحرموا التّمتع بما ميزهم الله، وخصّهم به، تصديقًا لقوله تعالى: “زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة” (البقرة:211)؛ وبذا، ضاعت عزتهم، لفقدهم ثقتهم بأنفسهم، وثقتهم – قبل ذلك- بخالقهم، فأصبحوا ينظرون إلى أنفسهم نظرة( دونيّة )، قلّلت من قدرتهم على حمل أعباء الأمة، ومسؤوليات الدولة، وأساسيات الحكم؛ مما أدى إلى إتاحة الفرصة للقردة أن تستأسد، وللعناكب أن تحتل العرش المهجور، فتخيم عليه بخيطها المهين، وقد نتج عن ذلك فتح باب الذل والهوان للأمم على مصراعيه؛ لتخدم من حكمت بالأمس مصالحهم اليوم.

إنّ فقد الشعور بالفرق بين ما هو إسلامي، وما هو غير إسلامي هو قاصمة للظهر، وما هو إلا خطب جسيم؛ لأنه يعني فقدان الإحساس بالذّات. ومرد هذا  الأمر إلى الفرد المسلم الذي هانت عليه نفسه، وجهل قدرها، فنظر إلى شخصه، وكأنه العبد السامع المطيع لذاك المتجبر المتغطرس، فشعر بالدونية، بل ورضي بها.

إننا نعيش في زمن تنافس الحضارات، وإزاء هذا، نرى أن كثيرًا من المسلمين يعيشون دون مقاومة، أذعنوا لما قدمه إليهم أعداؤهم وأشاعوه، سواء في مجال الثقافة، أو الأخلاق أوالسلوك. فالإباحية والانحلال، والتخلي عن القيم، والفحش والبذاءة غزت مجتمعاتنا،

حتى مجال التدين( الالتزام الدّيني ) الواجب على كل فرد، هدّد بدعوى حرية الفكر، أو التطرف، أو مواكبة الحضارة مثلاً. وترى الأمّة منقادة لما يجري دون تفحصٍ، أو تدبرٍ لمغزى الأمور، ولعل هذا يعود بتأثيره على معالم هذا الدين، فتندرس وتبيد، والكل في سبات عميق!!

وحملة الدين الذين كرهوا من المعبودات، وأبغضوا من الشرائع ما سواه، ونبذوا كل ما يخالف رضاه، ويجلب سخطه، حققوا الشعور المفقود بوجود الفارق بين الشك واليقين، والثابت والمنهد، والرافع والمنحط، والزبد وما ينفع الناس.

         ويكون العلم هنا ضروريًا، بأن الشريعة الإسلامية، جاءت لتفرّق بين الحقّ والباطل، والنور والظلام، والإسلام والكفر، والحقائق والمزيفات بدليل قوله تعالى: “ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه” ( آل عمران: 85)، وقوله أيضاً:” الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ” (البقرة: 257 ) وغير ذلك.

إذن، فما بال أقوام لا ينهجون التفريق بين الموارد الصافية، وبين ما كدرته الدلاء البشرية؟!

وما بالنا ودعاة الشر والفساد والانحلال يروّجون  لسلعهم في أسواقنا، فتباع وتشترى، وتكسد بضائعنا أو يشترى منها ما يوافق النفس، ويرضي الشهوة بثمن، وهي ثمينة المعدن، غالية السعر، عميمة البركة والفائدة!!

      وإذا كان هذا دأبنا، فلم لا نعلنها صراحة أن الإسلام شريعة توقيتية محصورة في زمن معين، ولفئة من الناس – والعياذ بالله من ذلك -، إننا نحجم عن عرض ما لدينا خشية أن يقال عن أحدنا: رجل إسلامي، أو مفكر إسلامي، أو عالم  إسلامي، أو … الخ.

فما أجازه لنا أعداؤنا من ديننا أخذناه، وما تركوه وافقناهم على رميه وراء ظهورنا إلا من رحم ربّي.

      وعليه، فإنه يتحتم علينا جميعًا – في هذا الصدد-، أن نقف وقفة الأبي الصامد في وجه الطغيان الزاحف مهما قيل ويقال، وليصنع بنا ما يصنع في سبيل تمييز هذا الدين؛ لأننا مهما بذلنا وقدمنا لأعدائنا النفس والنفيس لن يرضوا بذلك، ولن يوقفوا محاربتنا، حتى نتخلى عن قيمنا وتعاليمنا، ونتبرأ ممّن نعبد؛ تأكيدًا لقوله تعالى:”ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ” (البقرة: 119)، و قوله:”ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا” ( البقرة: 215).

 وعليه، فلا بد من توضيح مفهوم لكل مسلم، أنه من اللازم عليه معرفة الدخيل في فكره، ومحيطه، وعاداته، وسلوكه، وجميع الجوانب المتعلقة به. فالواحد منّا يتلقى التجارب والأفكار التي ما أنزل الله بها من سلطان، مما وضعه البشر ودعوه إليه، فيأخذ منها بحذر شديد، كالملتقّف جذوة نار، ثم يستجلب منها ما به فائدته، ويلقي ما سوى ذلك كما قال أبو فراس الحمدانيّ:

      عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه      ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه

فتنقيح كلّ ما ليس من ديننا واجب علينا تحتمه مسؤوليتنا تجاه ديننا القويم، وعدم ركوننا إلى من لا  عهد لهم، ولا يؤمن جانبهم، ولنستقبله بتفحص شديد، ونرده ونعرضه على كتاب الله وسنة رسوله الكريم الأكرم( صلى الله عليه وسلم )، فذلك أولى لنا، وأحرى بنا، فإن شهدا له قبلناه، وإن لم يشهدا له رددناه ورفضناه.

شاركنا رأيك!