الحضارة الإسلامية ودورها في البناء الفكري للإنسان

د. ساجد صبري الدليمي ـ كلية العلوم الإسلامية ـ الجامعة العراقية

  الحمد لله الذي ميزنا بالعقل عن كافة المخلوقات، وجعل العقل مدار التكليف، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

       الحضارة لغة لفظ مشتق من حضر. والحضور نقيض المغيب والغيبة، حضر يحضر حضورا وحضارة.. من معانيه أيضا خلاف البدو، والحاضرة خلاف البادية، لأن أهل الحاضرة حضروا الأمصار والديار. والبادية يشبه أن يكون اشتقاق اسمه من: بدا يبدو أي برز وظهر، ولكنه اسم لزم ذلك الموضع خاصة دون ما سواه، “والحضرة: قرب الشيء” تقول: كنت بحضرة الدار، ومن ذلك قول النبي r ((  لا يبيع حاضر لباد )).

  وفي الاصطلاح:   قال ابن خلدون (( الحضارة هي أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران، زيادة تتفاوت بتفاوت الرفة وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتاً غير منحصر)) ثم أضاف قائلا (( ويقع فيها عند كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها، فتكون بمنزلة الصنائع، ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه، المهرة فيه. وبقدر ما يتزيد من أصنافها تتزيد أهل صناعتها… )). وعرفت الحضارة أيضا بأنها (( تعني في أصل اللغة إقامة مجموعة من الناس في الحضر، أي في مواطن العمران، سواء كانت مدنًا أم حواضر أم قرى. إن معناها قد توسع عند المؤرخين والباحثين الاجتماعيين حتى صار شاملًا لجميع أنواع التقدم والرقي الإنسانيين؛ لأنهما لا يزدهران إلا عند المستقرين في مواطن العمران )).

    وبالمقارنة بين التعريفات، نستطيع القول إنه لا توجد علاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي للحضارة. فالحضارة هي نتاج المجتمع في جميع مجالات الحياة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو علمية. وهذا النتاج يعبر عن ثقافة وفكر المجتمع. ومن خلال التعريف بالحضارة نستطيع القول إذا كانت الحضارة تعني في أصل اللغة إقامة مجموعة من الناس في الحضر، أي في مواطن العمران، سواء كانت مدنًا أم حواضر أم قرى. فصور التقدم والرقي عند الإنسان نستطيع أن نرجعها إلى الأصناف الثلاثة التالية: الصنف الأول: ما يخدم الجسد ويمتعه من وسائل العيش، وأسباب الرفاهية والنعيم، ومعطيات اللذة للحس أو للنفس. ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم العمراني والزراعي والصناعي والصحي والأدبي والفني، والتقدم في الإنتاج الحيواني، واستخراج كنوز الأرض، والاستفادة من الطاقات المنبثة فيها، وما أشبه ذلك. ويدخل ضمن هذا جميع أنواع العلوم والثقافات التي تخدم هذا الصنف. الصنف الثاني: ما يخدم المجتمع الإنساني، ويكون من الوسائل التي تمنحه سعادة التعاون والإخاء والأمن والطمأنينة والرخاء، وتمنحه سيادة النظام والعدل والحق، وانتشار أنواع الخير والفضائل الجماعية وسائر طرق معاملة الناس بعضهم بعضًا في علاقاتهم المختلة. وكل أنواع الثقافات والعلوم التي تخدم هذا الصنف.

الصنف الثالث: هي الأمور التي تحمل اسم المعتقدات والواجبات الدينية وسائر التكاليف والآداب الشرعية الإسلامية. يقول مالك بن نبي (( إن مشكلة كل شعب في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها… وما الحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون الى نهاية الزمن. فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم إلى الأرض إلى آخر وريث فيها. يا لها  من سلسلة من النور تتمثل فيها جهود الأجيال المتعاقبة في خطواتها المتصلة في سبيل الرقي والتقدم )).

    يرى الباحث إن أهمية الحضارة الإسلامية انطلقت منذ بداية شروق الإسلام. إذ أعطى الإسلام أهمية كبيرة للإنسان وجعله أشرف مخلوق على الارض، فضلا عن تسخير جميع ما في الكون لخدمته. ومن باب التشريف للإنسان وهبه الله –سبحانه وتعالى- عقلا يميزه عن باقي المخلوقات. كما دعاه لإعمال عقله وتوظيفه في جميع مجالات العلوم لعمارة الأرض. وعلى هذا الأساس يكون الإسلام بمبادئه وتعاليمه هو الدافع الأول للحضارة الإسلامية.

 ومن هذه المنطلقات كانت الحضارة الإسلامية حضارة عالمية، عمت فائدتها جميع البشر. ومن مقتضيات عالمية الحضارة الإسلامية تقبل الحضارات التي سبقتها، فأخذت منها الذي لم يخالف ثوابتها وردت الآخر. وذلك لأنها لم تتعامل مع البشر على أساس فوارق الدين واللغة والجنس واللون والقبيلة؛ بل جعلت هذه الفوارق عوامل للتعارف بين البشر جميعا. والمقياس الحضاري للإنسان: هو إن القيم الحضارية التي نقيس بها الحضارة ونحكم على ضوئها بأنها متقدمة، أو متوسطة، أو متخلفة، هي مدى‏(الحضور) فيها ؛ فنحن قد نحضر عند بعضنا حضوراً مادياً بحتاً كما تجتمع أعواد الثقاب إلى بعضها في العلبة الواحدة. ولكن ترى هل هناك تفاعل بيننا في هذه الحالة ؟ الجواب بالنفي طبعاً. لذلك فإننا لا نستطيع أن نسمّي علبة أعواد الثقاب بحضارة الثقاب ، لأن الحضور في هذه الحالة هو حضور فيزيائي صرف وليس حضوراً معنوياً.

      والآن فإن من الوسائل التي يستطيع بها العلماء معرفة مدى تحضّر شعب ما، هي “مفردات اللغة التي يتعامل بها. فهناك ‏بعض الشعوب البدائية لا تمتلك مفردات لغوية كثيرة، فالجمل عندها بسيطة التركيب، لأن أفرادها لا يتمتعون بخبرة كبيرة لكي يحتاجوا إلى نقلها إلى بعضهم البعض، فنقل الخبرة بحاجة إلى البيان، والبيان بحاجة إلى تطوير للفهم، ولذلك ‏نجد أن معلوماتهم بسيطة، وحضارتهم محدودة رغم أنهم يعيشون سوية “. إن الحضارة روح، وتفاعل معنوي يؤدي إلى التعاون، ونحن إذا أردنا أن نبني الحضارة الإسلامية، فعلينا أن نعود إلى‏ الجذور، وإلى الفكرة الأساسية في الحضارة، وإلى المحتوى فيها، ونفكر في الطريقة التي نجعل بها حضورنا إلى بعضنا البعض حضوراً معنوياً فاعلاً وقادراً على صنع الواقع المتقدم، وإيجاد الأرضية المشتركة للعمل. إن علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نعود إلى حضارتنا، أي أن نجعل حضورنا عند بعضنا البعض حضوراً حيوياً فاعلاً لكي ‏نصل إلى الحقيقة، ولكننا ـ للأسف الشديد ـ ترى كل واحد منا يعيش في زنزانة نفسه، فإذا أراد أحدنا أن يدرس أو يعمل، فإنه يخطط لنفسه، ويبرمج وينفذ لها فقط ، فكل تفكيرنا منصب على أنفسنا كأفراد.

وهكذا فالحضارة هي تاريخ الأمم والمجتمعات. وقد سطرت الحضارة الإسلامية أروع الصور في بناء الفكر الإنساني، وأظهرت الأمة الإسلامية للمجتمعات الأخرى في أبهى صورها.

شاركنا رأيك!