الثقافة التربوية والتعليمية من أساسيات النهضة الحضارية

 أ.سعاد بن طير ـ تاريخ معاصر ـجامعة أبو القاسم سعد الله ـ الجزائر

  تعد الأحداث التاريخية بنكا معلوماتيا من العبث تجاوزه دون الوقوف عند تمحيص واستخلاص النتائج؛ فإذا كانت إيجابية أخذنا بمسبباتها وإذا كانت سلبية تداركنا مناهلها، هذه الأحداث المنبثقة من التجارب البشرية السابقة وتشكيل حضارة باختلاف مواقعها الجغرافية  و تركيبة نسيجها الاجتماعي وخصائص مقوماتها تنفرد كل واحدة منها وفق نقطة الانطلاق والصعود ثم منحدر السقوط لتترك المكان لظهور حضارة أخرى نمت على أنقاض من سقطت.

      يأتي مصطلح النهضة بمعنى حركة أو وثبة في سبيل التقدم، إذ عرفت أوروبا بوادر النهضة في القرن الخامس عشر أي مباشرة بعد سقوط الحضارة الأندلسية 1492م، بعدما نهلت منها رصيدا رهيبا من العلوم التجريبية التي انفردت بها الحضارة الإسلامية العريقة حيث اخترع الألماني يوهان غوتنبرغ عام 1436م المطبعة مما أدى إلى تبادل المعرفة بسرعة أكبر وعلى نطاق واسع من أي وقت مضى، أما في القرن السابع عشر، وتحديداً عام 1666م توصل العالم الإنجليزي السير إسحاق نيوتن لاكتشاف الضوء الأبيض وأنه مؤلف من جميع الألوان ووضع نظرية الجسيمات الضوئية، بعدما سبقه لذلك العالم المسلم الحسن بن الهيتم الذي أوضح في كتابه “كتاب المناظر” الذي تطرق فيه إلى طبيعة الضوء ووظائفه و حالة القمر و قوس قزح والمرايا الكروية والكسوف والخسوف والظلال، ليأتي عالم الفلك الدنماركي أول رومر Ole Romer  عام 1676م ويكتشف المقياس الأول لسرعة الضوء.         تسارعت الأحداث و تميز عصر التنوير بظهور حركة فلسفية وأدبية وثقافية كبيرة خلال القرن الثامن عشر قضت على العصور المظلمة وسعت لتدعيم المعارف، كان عامل القوة الاقتصادية محرك عجلة  الثورة الصناعية التي كانت بوادرها بإنجلترا ثم انتقلت إلى أوروبا الغربية وتمة اختراع الألة البخارية خلال القرن التاسع عشر سرعان ما شوهد سباق نحو تطوير التصنيع الموجه بالدرجة الأولى للترسانة العسكرية ، منها السفن البخارية و البوارج والمدافع والبنادق التي أعدت لأجل الحملات الاحتلالية والاستيطانية التي تعرضت إليها الدول الأفريقية على رأسها دول المغرب الكبير والمشرق إلى أقصى أسيا بعد أن قضى التحالف العسكري الأوروبي على الدولة العثمانية وانتزع منها المناطق التي كانت تحت ظلها ، وتواصلت الاختراعات والابتكارات إلى القرن العشرين، حيث مست الميادين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية خاصة بعد اكتشاف الكهرباء، وعرفت التجارة ذروتها من جراء تطوير وسائل النقل جوا و بحرا وبرا طبعا كان هذا من مخلفات النظام الرأسمالي وتفاوت الطبقية السكانية والسعي وراء الربح و الهيمنة.

        عبر كل هذه الحقب التاريخية وما شهده العالم من نكسات دمرت البنى التحتية جراء الحروب وأبادت الملايين من البشر، كانت حركة فكرية إصلاحية تتهيكل شيئا فشيئا في الدول العربية الإسلامية طبقا لخصائصها كما نمت روح التحرر والشعور بالانتماء لوطن كان من الواجب المقدس استعادته من بؤرة استغلال وتحطيم لكل معاييره الأصلية إلى جانب الدول الأخرى في جو عصفت به رياح التغيير والتطور التكنلوجي الرهيب وتأثيرات التغريب و المثاقفة المغرية، كان لتأسيس الجامعة الإسلامية تحت قيادة جمال الدين الأفغاني       و محمد عبده وقعا حرك تلك المضغة القابعة في عمق فؤاد الفرد العربي المسلم، وجاء الأديب السياسي الأمير شكيب أرسلان الذي تعرف على جلة من إخوانه من المغرب الكبير وحالة الأمة هناك، كما ساعدت الجرائد والصحف العربية وتطور الطباعة لإظهار أقلام التوعية و التحسيس بمناهضة الاستعمار وكسر أغلال الجهل، فكانت جريدة “الأهرام ” بمصر و جريدة “لبنان الكبير الرسمية” بلبنان و جريدة “بردى” بسوريا و جريدة “الصواب”   و جريدة “الرشدية “و جريدة “الإقدام” و”الشهاب” و”الحق” بالجزائر وجريدة “المغرب” و”العلم” بالمغرب الأقصى إلى جانب شخصيات بارزة ركزت على النهضة الصحيحة من جدور الأمة إلى فروعها، منهم الأمير خالد وعبد الحميد بن باديس من الجزائر وعبد العزيز الثعالبي و محمد الجعايبي من تونس و محمد بن العربي العلوي و ابن شقرون أحمد بن عبد السلام المكناسي من المغرب و غيرهم كثر ساهموا في تنشئة أجيال العقود الأخيرة من القرن العشرين و حتى بداية القرن الواحد و العشرين، تلك الحركة تابعتها خطوات مباركة في تأسيس المدارس والنوادي وجمع الشباب وتلقين أسس التربية بالعودة إلى تاريخ الأجداد وإحياء الذاكرة التاريخية بسرد إنجازات الأسلاف وأصولهم وواجبهم في العمل الدؤوب لاستمرارية الأمة الإسلامية.

       من منا لا يذكر تلك المناهج التربوية والعلمية التي شكلت أرضية صقل شخصيتنا، حين كان المعلم يتمتع بدقة الملاحظة والبصيرة المهذبة وحسن التصرف في أدق التفاصيل، حين كان التلاميذ والطلبة النجباء يتصدرون الأماكن الأخيرة ويتم احتضان الأقل تركيزا منهم في الأماكن الأمامية، تلك كانت لحظة إنقاذ أدركها المعلم ليستلم مهمة إدماج هؤلاء في الركب وإعادة تأهيلهم، كانت فترة دراسة نص من أهم ما ميز الأقسام أو بالمصطلح الصحيح “الورشات الفكرية المصغرة ” بمعنى أن المعلم كان يختبر ذكاء وفطنة الطلاب؛ فيلقي أسئلة منطقية تارة ويطيح بهم في جب الغموض والتناقض والحيرة تارة أخرى، لتفعيل المادة الرمادية واستقطاب الأذكى والدفع بهم لحس التفكير والتمييز والتحليل، من منا لا يذكر نص “مريم الصناع” من كتاب البخلاء للجاحظ ، شعر المتنبي وعنترة بن شداد والخنساء، من منا لا يذكر قصص الأنبياء وحكم الشافعي ومنهجية معلم الأمين والمأمون، من منا لا يذكر كتاب بن المقفع أو ادب القرن العشرين مع طه حسين ،حافظ ابراهيم، وفي اللغة الفرنسية محمد ديب، مولود فرعون وأسيا جبار الذين حملوا ثقافة بلدهم ونقلوها في لغة خصمهم احتجاجا وإصرارا على الهوية الحقيقية ، كل هذا تعلمناه في السن ما بين الثالثة عشر      و الخامسة عشر، ليس لأننا نختلف عن أجيال اليوم بل لأن المعلم آنذاك اكتملت تركيبته المنوطة بالمنظومة التربوية إذ كان موجها ومربيا وبيداغوجيا وملما بالأحوال النفسية لأن الطالب لا يولد مريضا نفسيا بل يتعرض لوقائع قد تفتك بنفسيته؛ فيصاب بإحباط أو توثر  و عدم التركيز أو حتى بالعزوف عن الدراسة نهائيا، بالتالي كان المعلم هو المنقذ أيضا إذ لا يمكننا أن نجعل كل الطلبة علماء ولكنهم مفكرين في ميدان خاص، ينجح بعضهم وتتكون النخبة أما البعض الأخر، فينمي مهارته المكتشفة في التصنيع أو الفنون، هكذا يصل المعلم في تأدية رسالته بفضل ثقافته التربوية والعلمية التي ينقل بعضها للمتمدرسين و يحثهم في البحث للوصول لبعضها وتطويرها بعد ذلك، و على هامش كل ما ذكرناه أعلاه إنما يعد نموذجا لكل شخص يرغب في تكريس جهوده لنهوض بالأمة بداية من استغلال كل معلوماته ولا يتناسى أنه في يوم ما كان تلميذا ؛ فطالبا فباحثا وعلينا جميعا تدارك أخطاء الماضي والاستفادة من تجارب وأحداث تاريخية هي بمثابة السير على خطى أرشيفنا.

شاركنا رأيك!